![]() |
|
يسر الإسلامفي أحكام حج بيت الله الحراموفيه التحقيق لجواز رمي
الجمار قبل الزوال
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
الله الذي هدانا للإسلام ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال: ( ربي الله ثم
استقام) واستسلمت جوارحه لإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصيام وحج بيت الله الحرام
. وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله ، الذي رفع ببعثته عن أمته الآصار والأغلال فشرع الأحكام ، وبين للناس
الحلال والحرام ، وسكت عن أشياء رحمة منه غير نسيان. اللهم
صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اتبعهم بإحسان. أما بعد ــ فإن الله
سبحانه قد أكمل لعباده الدين ، وأتم عليهم النعمة ، بإرسال هذا النبي الصادق الأمين
(عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) . وجعله رحمة لمن اتبعه
وسعادة لن تمسك بهديه ، وقال: » بعثت بحنيفية سمحة « فالدين الذي جاء به هو دين السهولة واليسر
» ما جعل عليكم في الدين من حرج « ، » يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر« ، وقال: » ونيسرك لليسرى « ، أي للشريعة التي تفضل غيرها بالسماحة
واليسر ، فمن رأفته وسماحة شريعته ، أنه يشق عليه كل ما يعنت أمته وكان يقول
لأصحابه:
» يسروا ولا تعسروا « ، ويقول : » أ كلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل
حتى تملوا
«. وكل من
تأمل شرائع الإسلام التي جاء بها ــ عليه الصلاة والسلام ــ وجدها في مواردها
ومصادرها تفر من مضائق الشدة والعنت واليسر إلى فضاء السهولة واليسر . فما من
شيء من العبادات تشق على الناس مشقة زائدة على المعتاد إلا كان لها بدل من التيسير
حاضر عتيد » ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم
لعمله الذين يستنبطونه منهم«. فمن ذلك
الصلاة التي هي آكد العبادات ، لما كان من شروطها الطهارة بالماء وقد أعوز استعماله
، إما لمشقة طلبه ، أو لحبس الماء خوفا على نفسه أو رفقته أو تضرر العضو العليل به،
بحيث يخشى أن يزيد في مرضه أو يؤخر من برئه ، قام التيمم بدله ومثله عادم الطهورين
يصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه ، وكذا القيام ي صلاة الفرض فإنه ركن من أركان
صحة الصلاة وينوب القعود عنه عند وجد ما يمنعه ، ومثله صيام رمضان ، فإنه أحد أركان
الإسلام ، وقد قال تعالى : » فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام
أخر « ، ورخص للشيخ الكبير الذي يشق عليه الصيام
فوق المشقة المعتادة بأن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا، وكذا الحج، فإنه فرض العمر
مرة واحدة: » والله على الناس حج البيت من استطاع
سبيلا
«. وفسر
استطاعة السبيل بوجود الزاد والراحلة وأمن الطريق ، ونص الفقهاء على سقوطه بظن حصول
الضرر على نفسه وأهله ولو يأخذ خفارة من ماله مجحفة ، وقيل أو غير مجحفة، وهكذا
سائر العبادات ما قدر عليه منها فعله وما أعجزه سقط عنه ، إما سقوطا كليا أو إلى
بدل، وهذه قاعدة مطردة في سائر الشرائع الدينية تعرف بالتتبع والاستقرار ، لأن
الشرائع منزلة على مصالح العباد في المعاش والمعاد ، لأنها إما مصلحة يطلب جبلها
وتكثيرها ، وإما مفسدة يطلب درأها وتقليلها ، فيه دائما تطلب الفعل فتعلله بما فيه
من نفع أو تنهى عنه لما فيه من ضر ، وهذا الطلب وإن لم يكن مستمرا لفظاً ، فإنه
ثابت حقيقة ، ومعنى إذ ليس العقول بقادرة على إدراك جميع أسرار الشرائع. ولهذا نرى
العلماء تختلف أفهامهم في حكمة الشيء الواحد ، فيحكى كل واحد منهم الحكمة على حسب
ما أدى فيهمه ، فينهون الكلام في حكمة الشيء الواحد في ثلاثة أقوال أو أربعة أو
أكثر، فيمكن إدراك تلك الأقوال أو بعضها لسر الحكمة ، ويمكن عجزها عن إدراكها ، فإن
من أسرار الشرائع ما أمكن الناس الوصول إلى معرفته ، ومنها ما عجزوا عن أسرار
حكمته، لكنهم مع جهلهم بها يؤمنون بكل ما جاء عن الله ورسوله إيماناً جازماً ليس
مشروطا ، بعدم معارض، وإن الله في كتابه وعلى لسان نبيه لم يخبر بما يكذبه العقل
ولم يشرع ما ينافي الميزان والعدل ومن ذلك
سائر مناسك الحج ومشاعره ، مثل التجرد عن الثياب للإحرام ، والطواف والاضبطاع فيه
والرمل والسعي والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والحلق غير ذلك. فهذه وإن خفي على
الناس أسرار حكمتها ، فإنها إنما شرعت لإقامة ذكر الله وطاعته وتوجيه جميع المسلمين
في صلاتهم وطوافهم إلى قبلة بيت ربهم واجتماعهم في البلد الحرام » سواء
العاكف فيه والباد « والذي من
دخله كان آمناً ، فيتذاكرون بهداية الإسلام والقيام بشرائعه على التمام ولما
طاف عمر بن الخطاب بالكعبة وقبل الحجر قال: » إني أعلم
أنك حجر ولا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك « . وهكذا سائر أعمال الحج تجري على هذا المنهج كما روى
الترمذي في صحيحه عن عائشة أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال:
» إنما جعل
رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ــ عز وجل ــ يقول الله
: » فإذا أفضتم
من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله
لمن الضالين ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور
رحيم
« ، وقال:
» واذكروا
الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
لمن اتقى
«. وقد
حكى بعض العلماء الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة:
حادي عشر ـ ثاني عشر ـ ثالث عشر ، ويدل له حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أحمد
وأصحاب السنن الأربعة : » أن أناسا
من أهل نجد جاءوا إلى رسول الله وهو واقف
بعرفة فسألوا فأمر منادياً ينادي الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر
فقد أدرك
« ، وقال:
وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
، وأمر رجلا ينادي بهن ليعرف الناس الحكم . وذكر الله المأمور به في هذه الأيام المعدودات يشمل
الذكر والتكبير في إدبار الصلوات والتكبير عند نحر النسك ، والتكبير والدعاء
عند رمي الجمار ، فهذه كلها داخلة في عموم الذكر المأمور به في الأيام
المعدودات ، وكان النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يخص الجمرة الأولى والوسطى
بتطويل الوقوف عندها للدعاء ويقف الناس معه صفوفا يدعون ويتضرعون كما في صحيح
البخاري عن ابن عمر: » أنه كان
يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ، يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل
فيستقبل القبلة ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة العقبة من بطن
الوادي ولا يقف عندها، ثم يقول : هكذا رأيت رسول الله يفعل « وروى أبو
داود » أن ابن عمر
كان يدعو عند الجمار بدعائه الذي يدعو به بعرفة « ، وفي صحيح
مسلم عن نبشة الهذلي أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: » أيام
التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل «. وإنما خص الله الأمر بالذكر في هذه الأيام المعدودات من
أجل أن الذكر هو روح الدين وإنما شرع الرمي للتذكير به ، وقد حكى بعض العلماء
أنه إنما شرع الرمي حفظا للتكبير ، وقد تركه وكبر أجزأه ، رواه ابن جرير
الطبري عن عائشة ، وإنما خص النبي ــ صلى الله عليه وسلم طول الوقوف عند
الجمار للدعاء والتضرع حتى قيل أنه وقف بقدر سورة البقرة ، كله من أجل أن رمي
الجمار ختام عمل الحج ، فهو يدعو ويتضرع بقبول عمله ، وكذلك أصحابه وقفوا
صفوفاً يدعون ويتضرعون ، فهذا المشعر الذي شرع للدعاء والتضرع وللذكر
والتكبير قد انقلب إلى تزاحم وتلاكم وتدافع وخطر على الأرواح كبير ، وصار
الناس يذهبون إليها وهم متذمرون للمدافعة وقصد المغالبة ، يؤيد بعضهم بعضا
وصار أكثر الناس لا يباشرون الرمي بأنفسهم خوفا على حياتهم ، وإنما يستنيبون
الأقوياء الجلداء في الرمي عنهم وأكثرهم تقع جمارهم بعيدة عن الأحواض من أجل
شدة الزحام والخوف من السقوط تحت الأقدام. ومن
شرط صحة الرمي العلم بحصول الجمار في المرمى ، كما نص على ذلك الفقهاء وليس
كذلك الزحام في الطواف ، فإن الناس يسيرون فيه ولا يقفون ، وكل المسجد الحرام
مجال للطواف وليس الطواف محصورا بوقت دون وقت ، بخلاف رمي الجمار ، فإن الجمع
كثير وحوض المرمى صغير وزمن الرمي قصير ، وكل واحد يقف حتى يتمم رمي جماره
واحدة بعد أخرى. فهذا العمل بهذه الصفة قد أفضى بالناس إلى الحرج والضيق
، لكون هذا الوقت القصير ثم
إن هذا التحديد بما بين الزوال إلى الغروب ليس له أصل لا من الكتاب ولا من
السنة وفي
الحديث أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: » إذا أمرتكم
بأمر فأتوا منه ما استطعتم « ، فلا يقول
بالإلزام به في مثل هذا الزمان إلا من يحاول حطمة الناس وعدم رحمتهم:
تعاليم النبي لأحكام الحج قولا منه وفعلا والنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قد بين للناس في حجهم
جميل ما يحتاجون إليه ، وما يجب أن يفعلوه وما ينبغي أن يتقوه ، فحدد لهم
المواقيت الزمانية والمكانية ، وحدد لهم الوقوف بعرفة زمانه ومكانه ، فقال :
» عرفة كلها
وموقف وارفعوا عن بطن عرنة « ، وقال:
» من جاء
ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك «، وقال:
» أيام منى
ثلاثة أيام من تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
« ، ونهى أن
تصام هذه الأيام إلا لمن لم يجد الهدي ، وقال: » منى مناخ
لمن سبق« ، وقال:
» فجاج مكة
كلها منحر« ، وقال:
» لا يلبس
المحرم القميص ولا العمائم ولا السراويلات والبرانص ولا الخفاف إلا أحد لا
يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئا مسه
الزعفران ولا الورس « ، خطب بهذا
في المدينة لكنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ، قال: » سمعت رسول
الله يخطب بعرفة يقول: السراويلات لمن لم يجد الإزار والخفاف لمن يجد النعلين
« ، وروى
مسلم عن جابر بلفظ: » من لم يجد
نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل « ، ولم يذكر
قطع الخفين ، وهذا هو آخر الأمرين من رسول الله ، وقال في الذي وقصته ناقته
بعرفة فمات: » غسلوه بماء
وسدر وكفنوه في ثوبيه ، أو قال: في ثوبين ولا تخمروا رأسه، وجنبوه الطيب ،
فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا«. وروى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ،
قال: » خطبنا رسول
الله ونحن بمنى ففتحنا أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق
يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع إصبعيه السبابتين ، ثم قال بحصا الخذف ،
وفي رواية بمثل حصا الخذف ، فارموا وإياكم والغلو إلى غير ذلك من التعليمات
الكافية الشافية «. فلو كان ما قبل الزوال وقت نهي غير قابل للرمي لحذر منه
النبي أمته ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، وهذا واضح جلي ،
لا مجال للشك في مثله. والذي جعل الأمر يشكل على بعض الناس هو أن النبي ــ صلى
الله عليه وسلم ــ إنما حج حجة واحدة من أجل أن قريشا صدته عن الحج فلم تمكنه
من دخول مكة حتى فتحها عام ثمان من الهجرة ، وفي السنة التاسعة أمر رسول الله
أبا بكر بأن يحج بالناس وأمر عليا ـ رضي الله عنه ـ بأن ينادي في الناس بسورة
براءة ، وأن لا يحج بعد العام مشرك لا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند
رسول الله عهد فأجله إلى مدته » إن الله
بريء من المشركين ورسوله «. صفة
حج النبي صلى الله عليه وسلم وفي
السنة العاشرة أذن في الناس أن رسول الله حاج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم
يريد أ، يأتم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويعمل مثل عمله ، فخرج رسول
الله من المدينة حتى نزل ذا الحليفة وبات بها حتى طلعت الشمس ثم اغتسل وتطيب
، قالت عائشة : طيبت رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت
، لهذا كان يرى وبيص الطيب في مفرق رسول الله وهو محرم ، ولبس ثياب إحرامه
إزارا ورداء ثم صلى ركعتين في مسجد ذي الحليفة وتسمى ركعتي الإحرام ثم أهل
بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا
شريك لك ، وأهل الناس بالذين يهلون به ولزم رسول الله تلبيته. وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، وأرسلت إلى
رسول الله : كيف أصنع؟ فقال: » اغتسلي
واستشفري بثوب واحرمي « ، ثم أنه
لقي ركبا بالروحاء ، فقال: » من القوم؟
قالوا: المسلمون قالوا: من أنت؟ قال: أنا رسول الله ، فرفعت امرأة إليه صبيا ،
فقالت: يا رسول الله ا لهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر واعترضت له امرأة من خثعم ،
وقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا
لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم ، حجي عنه وذلك في حجة الوداع ،
وسألته امرأة من جهينة وقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى
ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم، أرأيت لو كان على أمك دين أ كنت قاضيته ، اقضوا
الله فالله أحق بالوفاء «. وسميت هذه الحجة بحجة الوداع لكونه ودع الناس فيها
وقال: » لعلكم لا
تلقوني بعد عامي هذا، وأنزل الله عليه بعرفة يوم الجمعة : » اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا« ، كما أنزل
الله عليه في أوسط أيام التشريق سورة النصر: » إذا جاء
نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، فسبح بحمد ربك
واستغفره إنه كان توابا «، وفي هذه
السورة الإشعار باقتراب أجل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما فسرها بذلك
ابن عباس. ولهذا توفي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد حجته
ببضعة وثمانين يوما، وكان غالب من حج مع النبي هم أهل المدينة ومن حول مكة من
الأعراب لكونه لم يفتح في زمنه شيء من البلدان ما عدا الطائف . ولهذا يعد العلماء تحديد المواقيت من معجزات نبوته ،
حيث حددها قبل إسلام أهلها، فوقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام
الحجفة ، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من
غير أهلهن ، فمن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك، فمن حيث إن شاء حتى أهل
مكة من مكة. رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، ولهذا قال
فالناس لا يعرفون أحكام حجة الإسلام إلا من طريقه ـ
عليه الصلاة والسلام ـ فهم يتبعونه في سائر أفعاله من الواجبات والمستحبات ،
كما يتبعونه في الصلاة ، ولهذا توسع الخلاف جدا بين الأئمة وفقهاء المذاهب في
مسائل الحج كلها اختلافا لا يعهد له نظير في سائر العبادات، اختلفوا في إحرام
رسول الله ، فمنهم من قال: أحرم مفردا ، ومنهم من قال: أحرم متمتعا ، ومنهم
من قال: أحرم قارنا ، واختلفوا في إحرام التمتع ، فمنهم من قال: بإستحبابه ،
ومنهم من قال بمنعه، واختلفوا في السعي بين الصفا والمروة ، فمنهم من قال: هو
ركن، ومنهم من قال: هو واجب، ومنهم من قال: مستحب، واختلفوا هل يجب على
المتمتع طوافان وسعيان أم يكفيه طواف واحد وسعي واحد كالقارن ، إلي غير ذلك
من الاختلاف. والأمر الثابت عن رسول الله ، أنه تجرد لإحرامه واغتسل
وتطيب ثم أحرم ولبى قارنا ، وكذا أمر عائشة ، حين حاضت بسرف بأن تدخل عمرتها
على الحج حتى تصير قارنة وأن تفعل ما يفعل الناس غير أن لا تطوف بالبيت حتى
تطهر ، وقال لها: إن طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك
وعمرتك. وطاف رسول الله طواف القدوم وطاف الناس معه، ثم صلى
ركعتي الطواف بالمقام ، ثم خرج إلى الصفا فسعى بين الصفا والمروة سبعاً ،
وعند إنتهائه قال لأصحابه عند المروة: » لو استقبلت
من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي
فليحل وليجعلها عمرة ، حتى قال سراقة بن مالك بن خثعم : يا رسول الله ، أ
لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: لا بل لأبد الأبد« دخلت
العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، فحل الناس كلهم وقصروا إلا رسول الله ومن
كان معه هدي حتى قال رجل: يا رسول الله ، الحل ماذا ؟ فقال: الحل كله
« فحلوا من
إحرامهم ولبسوا ثيابهم ودارت المجامر بينهم وأوجب الله عليهم عن هذا الترفة
والتمتع ذبح هدي لقول الله تعالى: » فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي « ، وفي
اليوم الثامن أحرم بالحج كل الذين من حلوا من إحرامهم وتوجهوا إلى منى فنزلوا
بها ، حتى إذا كان يوم عرفة أتى إلى نمرة حتى إذا زاغت الشمس صلى بالناس
الظهر والعصر جمع تقديم بأذان وإقامتين ثم خطب الناس وعلمهم كيفية حجهم من
وقوفهم وانصرافهم ولم يزل واقفا بعرفة يدعو ويتضرع حتى غابت الشمس ، فانصرف
وقد شنف للقصوى الزمام حتى أن رأسها ، ليصيب مورك، ورحل رسول الله ويقول:
أيها الناس السكينة . السكينة ، كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى
تصعد حتى أتى مزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء قصرا وجمعا بأذان وإقامتين
ورخص رسول الله للضعفة وللنساء أن يدفعن قبله ليلا وبات هو وأصحابه بمزدلفة
حتى وصلوا بها الفجر، ثم وقف يدعو ويستغفر الله حتى أسفر جدا ، ثم دفع قبل أن
تطلع الشمس حتى أتي منى فبدأ برمي جمرة العقبة فرماها ضحى بسبع حصيات وهو على
راحلته ، ثم انصرف إلى المنحر فنحر هديه ( وعدده مائة بدنة نحر منها ثلاثا
وستين بدنة بيده وكن يزدلفن بين يديه، أي تبرك الناقة قبل الأخرى ووكل عليا
فنحر الباقي) ، ثم حلق رأسه ثم حل من إحرامه ، ولبس ثيابه وتطيب. ثم خطب الناس يوم العيد وبين لهم ما ينبغي أن يفعلوه
وجعل الناس يسألونه ، فما سئل عن شيء من التقديم والتأخير إلا قال:
» إفعل ولا
حرج «. فبعد أن أكل من لحم هديه وشرب من مرقه ركب راحلته ودفع
إلى مكة والناس معه فطاف بالبيت طواف الإفاضة وصلى ركعتي الطواف عند المقام،
ثم أتي
بني عبد المطلب ، وهم يسقون في زمزم ، فقال: » انزعوا بني
عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فناولوه دلوا
فشرب منه وهو قائم « ، ثم صلى
بالناس الظهر في المسجد الحرام قصرا ، وقال: » يا أهل مكة
أتموا فإنا قوم سفر« ، ثم رجع
إلى منى وبات بها. وفي اليوم الثاني جعل الناس يسألونه ، فما سئل عن شيء
قدم ولا أخر إلا قال: » افعل ولا
حرج« حتى قال
رجل: يا رسول الله ، رميت بعدما أمسيت، فقال: » إرم ولا
حرج « رواه
البخاري من حديث ابن عباس والليل يدخل في مسمى المساء حتى إذا زالت الشمس قام
لرمي الجمار وقام الناس معه ، فبدأ بالجمرة الأولى فرماها بسبع حصيات ، ثم
وقف عندها طويلا يدعو ويتضرع ووقف الناس صفوفا يدعون ويتضرعون ، ثم رمى
الثانية مثل ذلك ووقف عندها طويلا يدعو ويتضرع ، ثم رمى جمرة العقبة ولم يقف
عندها ، قيل من أجل ضيق المكان ، ثم انصرف إلى مسجد الخيف فصلى بالناس الظهر
ركعتين قصرا من غير جمع ، لأن من هدي رسول الله أنه كان يصر الصلاة في منى
ولا يجمع، وإنما يصلي كل فرض في وقته ، قال ابن مسعود: » من حدثكم
أن رسول الله كان يجمع في منى فقد كذب عليه « ففعل في
اليوم الثاني والثالث مثل ذلك ، يرمي الجمار بعد الزوال ثم ينصرف إلى مسجد
الخيف فيصلي بالناس الظهر وكأنه حاول الرفق بالناس ليخرج بهم مخرجا واحدا
لرمي الجمار وللصلاة في مسجد الخيف لكون حجه صادف شدة حر، حتى أن بلالا يظلله
عن الشمس عند الجمار. ولهذا نرى كثيرا من الفقهاء يذكرون في كتبهم استحباب
الصلاة بعد رمي الجمار في مسجد الخيف ، تأسيا بفعل النبي وأصحابه ، ثم أنه
عمل الخلفاء الراشدون بمثل عمله ، يرمون الجمار بعد الزوال ثم يصلون صلاة
الظهر في مسجد الخيف. ثم أخذ أمراء الحاج من بني أمية وبني العباس يعملون
بمثل ذلك ، ثم استمر عمل الناس على ذلك ، لأن مجموع الحاج يكونون قليلين
بالنسبة إلى هذه السنين فيختارون للرمي من الوقت أفضله ويتمكنون من القيام
بمشروعيته : الدعاء والتضرع ، والذكر والتكبير عند هذا المقام من أجل قلتهم
وسعة المكان وقبل أن يوجد في منى شيء من البنيان. (اتفاق أئمة المذاهب على القول برمي أيام التشريق بعد
الزوال) أنه في القرن الثاني من خلافة بني العباس ، عند ابتداء
تدوين العلم والحديث والفقه ، قرر الفقهاء في كتبهم تحديد الرمي في أيام
التشريق بما بين الزوال إلى الغروب اجتهادا منهم في ذلك وأخذوا بعضهم ينقل عن
بعض القول به والحكم بموجبه حتى انتشر في كتب الأصحاب من ساير المذاهب ، وحتى
صار عند كثير من الناس بمثابة الأمر الواجب ودليلهم في ذلك ما روى البخاري عن
جابر قال: رمي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم النحر ضحى ، وأما بعد ذلك
فإذا زالت الشمس ، وعن ابن عمر وعائشة بمعناه وكلها أحاديث صحيحة ، لكنها
ليست بصريحة في الدلالة على التحديد بما ذكروا. لهذا ظن من ظن أن هذا حكم عام لازم للناس في جميع
الأحوال والأزمان وأنه لو رمى قبل الزوال أو بالليل لم يجزيه. وخفي عليهم بأن هذا التحديد جرى على حسب الاجتهاد من
الفقهاء يؤجرون على اجتهادهم فيه ولا يجب أن يبايعوا عليه، إذ ليس بلازم أن
يقبل ما يقوله الفقيه بدون دليل يؤيده ، ولا قياس يعضده ، لكون التحديد بابه
التوقيف ، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد ، سيما وليس له أصل يرد إليه ، و
نظر يقاس عليه ، ولو فرض أنهم وجدوا دليل ابتداءه بالزوال ، استنادا
واستدلالا بفعل رسول الله وأصحابه ، لن يجدوا دليل بانتهائه بالغروب ، لأنه
بمقتضى التتبع والاستقراء لكتب الصحاح والسنن والمسانيد والتفاسير لم يجد عن
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديثا صحيحا ولا حسنا ولا ضعيفا ، يأمر فيه
بتحديد الرمي بما بين الزوال إلى الغروب حتى نلتزم العمل به طاعة لله ورسوله
، ومع عدمه فإنه لا يجوز لنا أن نسمى ما قبل الزوال، وقت نهي بدون أن ينهى
عنه رسول الله ، وغاية الأمر أنه مسكوت عنه رحمة منه بالناس كما في الحديث:
أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إن الله
فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهوها وسكت عن
أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها « والنبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ رمى الجمرة يوم العيد قبل الزوال ، ثم رمى بقيته أيام
التشريق بعد الزوال ، فعليه في هذا وهذا هو مشروع منه بسعة وقته لأمته تأجل
العمل الرمي به إلى وقت الحاجة إليه، فمن قال بإختصاص قبل الزوال بيوم العيد
دون أيام التشريق استدلالا واستنادا منه إلى فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ لزمه أن يقول بوجوب الحلق يوم العيد ضحى ، ووجوب النحر يوم العيد ضحى ، كما
فعل رسول الله ولم يقل بذلك أحد ، بل جعله العلماء موسعة تفعل في أي ساعة من
أيام التشريق ليلا ونهارا ، وكذلك الرمي إذ هو نظيرها في الحكم والوجوب إذ
ليس عندنا أن رميها فيما بين الزوال إلى الغروب كان على المؤمنين كتابا
موقوتا ، كيف والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب الناس يوم العيد وخطبهم في
أوسط أيام التشريق ، وجعل الناس يسألونه فما سئل عن شيء من التقديم والتأخير
إلا قال: » افعل ولا حرج « وهذا النص
قاطع للنزاع ودافع للخلاف إلى مواقع الإجماع. وأما اختياره لما بعد الزوال للرمي في أيام التشريق ،
فقد ذكرنا سببه ، وأنه أراد أن لا يحرج أمته ، بل يخرج بهم مخرجا واحدا لرمي
الجمار ولصلاة الظهر في مسجد الخيف ، لكون حجه صادف شدة الحر ، على أن هذا
فعل والفعل لا يقتضي تحديد المفعول فيه بمجرده لكون الأفعال الصادرة من رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ موقوفة على دلائلها، فما كان منها للوجوب صير
إليه أو للاستحباب صير إليه أو للإباحة صير إليه . ثم إن القائلين بوجوب الرمي بعد الزوال ، وأنه لو رمى
قبل الزوال فعليه دم استدلالا بحديث جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
رمي جمرة العقبة يوم العيد أضحى ، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس فإنهم
يخالفون هذا الحديث نفسه ، حيث يرمون جمرة العقبة بالليل وهم أصحاء أقوياء ،
عملا بظاهر المذهب من أنه يجوز رميها بعد نصف الليل وهو الظاهر من مذهب
الشافعي ، وذهب الإمام أبوحنيفة ومالك ، إلى أنه لا يجوز رميها بالليل ولا
يعتد به لما روى أحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي عن ابن عباس قال:
» أرسلنا
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أغيلمة بني عبد المطلب على حمراة لنا من
جمع بليل فجعل يلطخ على أفخاذنا ويقول: أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع
الشمس
« قال
الترمذي :حديث صحيح ، وهذا النص يقتضي المنع لكون الرمي لجمرة العقبة يعتبر
من عمل يوم العيد أشبه النحر والحلق ، ولأنه عمل يفعل قبل التحلل من الحج ،
فناسب الاحتياط فيه ، ولهذا خرج النهي مخرج الزجر عنه ، وإنما رخص للنساء في
الرمي بالليل من أجل ضعفهن عن مزاحمة الناس. قال العلامة ابن القيم في تهذيب السنن: إن حديث ابن
عباس هو أصح من حديث عائشة ، قالت : أرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأم
سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت ، لأن ابن عباس من
جملة المدفوعين وقد جرى الحديث على يده ، فهو أعرف الناس به ، وحديث أم سلمة
فيه اضطراب ، ثم على تقدير فرض صحته ، فإن الجمع بين الحديثين ممكن ، وأن وقت
الرمي يدخل بطلوع الشمس في حق من لا عذر له من الصبيان والرجال وأما النساء ،
فإنه يجوز لهن الرمي قبل طلوع الشمس للخوف عليهن من زحمة الناس وحطتهم ..
انتهي. ويدل له ما في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ، أنها
دفعت ليلة جمع من مزدلفة بعدما غابت القمر فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم رجعت
فصلت الصبح وقالت: إن رسول الله أذن للضعن والمقصود أن هؤلاء الذين يدفعون من
مزدلفة بالليل ويرمون جمرة العقبة بالليل وهم أصحاء أقوياء قد خالفوا في
سنتين صحيحتين من سنن الحج ، إحداهما: دفعهم بالليل وهو خلاف عمل رسول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ وعمل خلفائه وأصحابه ، كما أنه خلاف نص القرآن في قوله
: » فإذا أفضتم
من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروا كما هداكم وإن كنتم من قبله
لمن الضالين ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور
رحيم
« ، والناس
هم الرسول وأصحابه ، وإنما أفاضوا من مزدلفة بعدما صلوا الصبح بغلس ، ثم
وقفوا يذكرون الله وستغفرونه ويدعونه ، ثم دفعوا إلى منى بعدما أسفروا جدا .
والمخالفة الثانية: رميهم جمرة العقبة بالليل، وقد نهى رسول الله عن ذلك
بصيغة الزجر ، وقال: » لا ترموا
الجمرة حتى تطلع الشمس « ،
والمخالفة الثالثة : طوافهم للإفاضة الذي هو ركن الحج بالليل من ليلة العيد ،
وإنما طاف رسول الله وأصحابه ضحى يوم العيد فتساهلوا فيما ينبغي للاحتياط فيه
وشددوا فيما ينبغي التساهل فيه ، فإن رمي أيام التشريق يقع بعد التحلل الثاني
من عمل الحج فناسب التسهيل فيه وعدم التشديد. فيما أنه ثبت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه
نحر يوم العيد ضحى وحلق يوم العيد ضحى وحلق يوم العيد ضحى وطاف طواف الإفاضة
يوم العيد ضحى وسكت عن التحديد فجعله العلماء موسعا تفعل في أي ساعة من أيام
التشريق ، فكذلك الرمي ، ويدل لذلك ما روى البخاري ، قال: حدثنا أبونعيم
،حدثنا مسعر عن وبرة قالت: سألت ابن عمر متى أرمي الجمار؟ فقال: إذا رمى
أمامك فارمه. فأعدت عليه المسألة ، فقال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا ،
فهذا ابن عمر الذي هو أحرص الناس على اتباع السنة قد أحال هذا السائل على
اتباع إمامه فيه عند أول سؤاله ، لعلمه بسعة وقته ، ولو كان يرى أنه محدد
بالزوال كوقت الظهر لما وسعه كتمانه ، لأن العلم أمانة ، ولأنه لو سأله سائل
فقال: متى أصلي الفجر ليلة المزدلفة لم يجر أن يقول: إذا صلى إمامك فصل لكونه
يعرف أن الأئمة من يؤخر الصلاة عن وقتها ، وقد يقدمها قبل وقتها كما أخبر
النبي عنهم ، وكذلك الرمي والحمد لله الذي جعل هذا التحديد من قول من ليسوا
بمعصومين من الخطأ ولم يكن من كلام رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو
إلا وحي يوحى. فإن التحديد بهذا الزمن القصير قد أفضى بالناس إلى
الحرج والضيق حتى شغلهم شدة الزحام عن الذكر والتكبير وعن الدعاء والتضرع عند
هذا المقام ، بل وعن العلم بوقوع الجمار في موقعها المشروع من الأحواض ، وهذا
الزحام من المحتمل أن يزداد عاماً بعد عام ، متى كان التحديد على هذه الحال،
وذلك لعوامل تساعد على ذلك لم تكن معروفة في السنين السابقة ، فمنها فتح
مشارق الأرض ومغاربها بالآلات الحديثة من الطائرات والسيارات وسائر الوسائل
التي قضت بقصر المسافة وتسهيل السفر حتى صارت الدنيا كلها كمدينة واحدة ،
وكأ، عواصمها بيوت متقاربة ، وقد أشارت المعجزة إلى الإخبار بهذا الشي قبل
وقوعه كما روى ابن أبي الدنيا عن مكحول مرسلا: أن رجلا قال: يا رسول الله متى
الساعة ؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، ولكن لها أشراط وتقارب
أسواق ، وفي البخاري من أشراطها تقارب الزمان وليس من الممكن أن يفسر تقارب
الأسواق بانضمام الأرض بعضها إلى بعض ولكن بالآلات البرية والبحرية والهوائية
وسائر الوسائل الناقلة للذوات والأصوات والتي كان الناس قبلها يقاسون الشدائد
في الأسفار ، يسيرون المدة الطويلة من الزمان ولا يبلغون منتهى قصدهم من وصول
مثل هذه الديار ، أضف إليه ما يعرض لهم من المهالك والأخطار ، وما يلاقونه من
المخاوف والأوجال لكون الحاج في زمن لم يبعد في التاريخ كان هدفا للأغراض
ونهباً للأعراب يعدون الاعتداء عليهم بالنهب والسلب من أعظم أو يعولون عليه
في منع هذا الظلم المستمر سوى تعززهم بالخفراء المستأجرين ، ألا أنه لا يدفع
عنهم الخطر بجلمته ، لكنه قد يقلله ولأجله يكون الحجاج بجملتهم قليلين،
بالنسبة إلى هذه السنين ، لأنه لا يحج في الغالب إلا الناس المعدودون بالقرب
من مكة ، أما أهل البلدان البعيدة فلا يحج منهم إلا النادر ، لبعد الشقة وشدة
المشقة ووحشة الطريق ونصب وسائل التعويق ، وفهم لا يستطيعون لوصوله حيلة ولا
يهتدون سبيلا.
أما الآن وفي هذا الزمان ، وقد قصرت المسافات وسهلت
المواصلات ، ودكت عقبات التعويق وقطع دابر قطاع الطريق ، وزد عليه حصول الأمن
المستتب في أنحاء الحرم ، وسائر السبل المفضية إليه حتى أن الناس فيه آمن
منهم في أوطانهم ، فمن أجله قوّض الناس إلى الحج من كل فج، فأقبلوا إليه
يجرؤن وهم من كل حدب ينسلون ، وفي كل زمان يزيدون ، فاشتد الزحام عند هذا
المقام وشق الرمي على الخاص والعام من أجل الفقهاء حددوه بما بين الزوال إلى
الغروب ، وهو لا يسع الخلق الكثير فصار من تكليف ما لا يستطاع ، إن القول به
مستلزم للعجز عنه في هذا الزمان ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها ونم المعلوم
أن للفقهاء ـ رحمهم الله ـ تحديدات وتقييدات يستقين العلم الصحيح نفيها .
ويقوي في القياس ضعفها ، كما حددوا مسافة السفر المبيح للقصر بيومين وكما
حددوا الإقامة الموجبة لإتمام الصلاة بأربعة أيام ، وكما حددوا صحة الجمعة
بحضور أربعين من أهل وجوبها إلى غير ذلك من التحديدات والتقييدات التي وتحديد الرمي بما بين الزوال إلى الغروب هو نوع من ذلك
، وقد خطب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم عرفة ثم يوم العيد ، ثم أوسط
أيام التشريق وبين للناس ما يحتاجون إليه وجعل الناس يسألونه فما سئل عن شيء
من التقديم والتأخير إلا قال: » افعل ولا
حرج « حتى سأله
رجل فقال: يا رسول الله رميت بعدما أمسيت؟ فقال: » ارم ولا
حرج «. رواه
البخاري من حديث ابن عباس ، والليل يدخل في مسمى المساء. فنفى رسول الله وقوع الحرج من كل ما يفعله الحاج من
التقديم والتأخير لأعمال الحج التي تفعل في يوم العيد وأيام التشريق. وهذا الحكم قاطع للنزاع يعيد الخلاف إلى مواقع الإجماع
، فلو كان يوجد في أيام التشريق وقت نهي غير قابل للرمي لبينه النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ للناس بنص جلي قطعي الرواية والدلالة وارد ومورد التشريع
العام ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه . وأما الاستدلال باستمرار عمل الناس على الرمي بعد
الزوال من النبي وزمن خلفائه وأصحابه إلى هذه السنين . فجوابه : إننا لا ننكر أن ما بعد الزوال هو أفضل ما
يرمي فيه لو وسع الناس كلهم ، لكننا لا نقول بفرضه فيه ، وإنما غاية ما يقال
أن ما بعد الزوال هو وقت الفضيلة وما قبل الزوال وبالليل وقت إباحة ، أشبه
الوقوف بعرفة ، فإن ما بعد الزوال إلى الغروب هو أفضل ما يوقف فيه اقتداء
بفعل رسول الله وفعل خلفائه وأصحابه والليل كله إلى فجر يوم العيد وقت إباحة
للوقوف ، وإن لم يستمر عليه عمل الناس . والحالة الآن هي حالة ضرورة توجب على العلماء والحكام
إعادة النظر فيما يزيل هذا الضرر ويؤمن الناس من مخاوف الخطر الحاصل من شدة
الزحام والسقوط تحت الأقدام ، إذ شدة هذا الزحام تزداد عاما بعد عام ، كما
أنها لو ضاقت مني عن مناخ الناس كان من الجائز أن ينزلوا بما قرب مني منها
حتى ولو في وادي محسر ، لأن ما جاور الشيء يعطي حكمه ، كما قالوا في زوايد
المسجد الحرام على حدوده السابقة ، بأن حكم الزائد حكم المزيد في الحد
والفضيلة . ولأن المقصود من نزول مني هو إتمام أعمال الحج المتعلقة
بمنى مثل النحر والحلق والرمي ، ولأنها حالة ضرورة وقد قيل: إن الحاجة في هي
أم التحقيقات وللضرورة حالات ويتعلق بها أحكام غير أحكام السعة
والاختيار. ولو فكروا في نصوص الدين بإمعان ونظر لوجدوا فيه الفرج
من هذا الحرج ، لأن نصوص الدين كفيلة بحل كل ما يقع الناس فيه من الشدات
والمشكلات يؤكده أن الرمي أيام التشريق يقع بعد التحلل الثاني من عمل الحج ،
بحيث يباح للحاج أن يقع كل شيء من محظورات الإحرام حتى النكاح ولكون الانسان
إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق رأسه فقد تحلل التحلل الأول لحديث عائشة
أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إذا رميتم
وحلقتم فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا النساء « . رواه أبو
داود . فإذا طاف طواف الإفاضة فقد تحلل التحلل الثاني، بحيث لو مات لحكم
بتمام حجه ، فناسب التسهيل وعدم التشديد في التحديد ، إذ هي من فروع المسائل
الاجتهادية يوضحه أن الفقهاء من الحنابلة والشافعية قالوا : إنه لو جمع
الجمار كلها حتى جمرة العقبة يوم العيد فرماها في اليوم الثالث من أيام
التشريق اجزأت أداء لاعتبار أن أيام منى كلها كالوقت الواحد قاله في المغني
والشرح الكبير ، وكذا في الإقناع والمنتهى ، وهو المذهب ، وحكى النووي في
المجموع : أنه الظاهر من مذهب الشافعي . فمتى كان الأمر بهذه الصفة وأن أيام منى كالوقت الواحد
حسبما ذكروا ، فإذا لا وجه للإنكار على من رمى قبل الزوال والحالة هذه ، فإن
من أنكر الرمي قبل الزوال أو بالليل بحجة مخالفتها لفعل النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ وفعل أصحابه وقال: بجواز رميها مجموعة في اليوم الثالث ، فإنه من
المتناقضين الذين يرجحون الشيء على ما هو أولى بالرجحان منه ، فإن رمى كل يوم
في يومه ولو قبل الزوال أقرب إلى إصابة السنة ، بحيث يصدق عليه أنه رمى في
اليوم الذي رمى فيه رسول الله ، سيما إذا صحب هذا الرمي ما يترتب عليه من
الذكر والتكبير والدعاء والتضرع ، بخلاف جمعها ثم رميها في اليوم الثالث في
حالة الزحام حتى لا يدري أصاب الهدف أن وقعت بعيدا منه ، فإن جمعها ثم رميها
في اليوم الثالث إنما ورد في حق المعذورين برعاية الإبل من أجل غيبتهم عن منى
، على أن كلا من الأمرين صحيح إن شاء الله ، لدخول الناس كلهم في واسع العذر
بداعي مشقة الزحام والخوف من السقوط تحت الأقدام . وكل من تأمل الفتاوى الصادرة من النبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ بعد التحلل الثاني يجدها تتمشى على غاية السهولة واليسر ، فقد استأذنه
العباس في أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له على أن هذا الإذن
مستلزم لترك واجبين وهما المبيت والرمي ، ولم يأمره في أن يستنيب من يرمي عنه
ولا من يسقي عنه على أن الاستنابة فيكلا الأمرين ممكنة ، وقيل له : أن صفية
قد حاضت قال: فهل طافت طواف الإفاضة قالوا : قال: فلتنفر إذا فأسقط عناه طواف
الوداع وهو معدود من الواجبات ، ولم يأمرها في أن تستنيب من يطوف بدلها ورخص
لرعاة الإبل في المبيت عن منى ، بأن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا جمار الأيام
الثلاثة يرمونها يوم النفر في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار . واختلف العلماء في المعذور مثل المريض الذي لا يستطيع
الرمي والشيخ الكبير والمرآة الكبيرة وكل من لا يستطيع الوصول إلى الجمار هل
يسقط عنه الرمي سقوطا كليا أم يجب عليه أن يستنيب من يرمي عنه ، فعند الفقهاء
من الحنابلة والشافعية أنه يجب عليه أن يستنيب من يرمي عنه كالمعذور ، وإن لم
يفعل فعليه دم ، وبنوا على ذلك كون العذر في المبيت يسقط الإثم والدم والعذر
في الرمي يسقط الإثم دون الدم ،وهذا تفريق بين متماثلين لا يقتضيه النص ولا
يوافقه القياس ، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يأمر العباس في أن
يستنيب من يرمي عنه لم يأمر الحائض في أن تستنيب من يطوف عنها طواف الوداع
وهو معدود من الواجبات ، على أن الاستنابة في كلا الأمرين ممكنة ، يؤكده إنما
ترك من الواجبات للعذر وعدم القدرة على الفعل، فإنه بمنزلة المأتي به في عدم
الإثم ، ولأن الدم إنما يجب في ترك المأمور وفعل المحظور بالاختيار وهذا لم
يترك مأمورا ولم يفعل محظورا باختياره وإنما تركه عجزا والله لا يكلف نفسا
إلا وسعها وفي الحديث: » أن النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ قال: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم
« ، لأن الله
سبحانه إنما أوجب فرض الحج على المستطيع ، وقد نص الفقهاء على
سقوطه بظن حصول الضرر على نفسه ، أو أهله أو ماله فإذا كان هذا السقوط في أصل
الحج فما بالك بفرعه ، ولأن العبادات كلها ما قدر عليه منها فعله وما أعجزه
سقط عنه وهذه قاعدة مطردة في سائر الشرائع الدينية تعرف بالتتبع والاستقراء ،
ولهذا تجب الصلاة بحسب الإمكان وما عجز عنه من شروطها وواجباتها سقط عنه .
على أن شروط الصلاة وواجباتها آكد من شروط الحج وواجباته ، فإنه لو ترك شيئا
من واجبات الصلاة عمدا بطلت صلاته ، بخلاف لو ترك شيئا من واجبات الحج عمدا ،
فإنه لا يبطل بذلك حجه ويجبره بدم . وأما الاستدلال على وجوب الاستنابة بحديث جابر قال:
» حججنا مع
رسول الله ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم « رواه أحمد
وابن ماجة ، فهذا لا يدل على الوجوب قطعا ، فإن أصل الحج لا يجب على الصبي
وكذلك فرعه ولأن التلبية عنه ليست بواجبة وكذلك الرمي وغاية الأمر أن يقال :
أن استنابة المعذور من يرمي عنه أنها أحوط خروجا من خلاف من قال بوجوبه. وأما الاستدلال بحديث: لتأخذوا عني مناسككم ، وأن الرمي
بعد الزوال هي من المناسك التي فعلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي أمر
أن تؤخذ عنه . فالجواب: أن هذه كلمة جامعة ، فإن المناسك التي نسكها
رسول الله والتي أمر أن تؤخذ عنه تشمل الواجبات و المستحبات مثل الاغتسال
لإحرام والتلبية و الاضطباع في الطواف والرمل وتقبيل الحجر وصلاة ركعتي
الطواف ، و غير ذلك من العبادات التي نسكها رسول الله في حجه و هي من
المستحبات ، و كل من عرف قواعد الشريعة و أصولها المعتبرة و ما تشتمل عليه من
الحكمة و المصلحة و الرحمة و منافاتها للخرج و المشقة ، عرف حينئذ تمام
المعرفة أن في الشريعة السمحة ما يخرج الناس عن هذه الشدة والمشقة التي
يعانيها الناس عند الجمار ، لأن الدين عدل الله في أرضه و رحمته لعباده لم
يشرعه إلا لسعادة البشر في أمورهم الروحية و الجسدية و الاجتماعية ومن قواعده
أنه إذا ضاق الأمر اتسع و المشقة تجلب التيسير : » و ما جعل
عليكم في الدين من حرج ، يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم
العسر«
. فهذه المشقة التي يعانيها الناس عند الجمار لا يجوز
نسبة القول بها إلى الشرع و هو لا دليل على هذا التحديد لا من الكتاب و لا من
السنة و لا قياس و لا إجماع . غاية القول فيها أنه جرى على حسب الاجتهاد من الفقهاء
الذين ليسوا بمعصومين من الخطأ ، و ليس من كلام رسول الله الذي لا ينطق عن
الهوى إن هو إلا وحي يوحي ، فإن رمى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ و خلفائه
و أصحابه فيما بين الزوال إلى الغروب هو بمثابة وقوفهم بعرفة فيما بين الزوال
إلى الغروب ، على أنه لم ينته بذلكم حد الوقوف ، بل الليل كله وقت للوقوف
. و بما أن الرمي من واجبات الحج ، فإنه يتمشى مع نظائره
من الواجبات مثل النحر و الحلق و التقصير فيدخل بدخولها في الزمان ، و
يجاريها في الميدان إذ الكل من واجبات الحج الذي يقاس بعضها على بعض عند عدم
ما يدل على الفرق ، و قد دلت نصوص الشريعة السمحة على أن الصواب في مثل هذه
المسألة هو وجوب التوسعة ، و عدم التحديد بالزوال ، بل يجوز قبله و بالليل ،
كما دلت عليه نصوص طائفة من العلماء فلم تجمع الأئمة و لله الحمد على المنع و
لا على وجوب هذا التحديد ، إذ كانوا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله و إلى
الرسول ، فيتبين لهم بذلك كمال دين الله و حكمة شريعته و كونه صالحا لكل زمان
و مكان ، قد نظم حياة الناس أحسن نظام في شئون عباداتهم من حجهم و صلاتهم و
صيامهم . و بالجملة ، فإن القول بجواز رمي أيام التشريق قبل
الزوال مطلقا هو مذهب طاوس و عطاء و نقل في التحفة عن الرافعي أحد شيخي مذهب
الشافعي الجزم بجوازه ، قال : و حققه الأسنوي و زعم أنه المعروف مذهبا . و ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يجوز الرمي قبل الزوال
للمستعجل مطلقا وهي رواية عن الإمام أحمد ، ساقها في الفروع بصيغة الجزم
بقوله : وعنه يجوز رمي متعجل قبل الزوال ، قال في الإنصاف : وجوز ابن الجوزي
الرمي قبل الزوال ، وقال في الواضح: ويجوز الرمي بعد طلوع الشمس في الأيام
الثلاثة وجزم به الزركشي ونقل في بداية المجتهد عن أبي جعفر محمد بن علي ،
أنه قال: رمي الجمار من طلوع الشمس ، وروى الدار قطني عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده أن رسول الله أرخص للرعاة أن يرموا جمارهم بالليل أو أية ساعة من
النهار، قال الموفق في كتابه الكافي : وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله
كالرعاة في هذا لأنهم في معناهم ، قال: فيرمون كل يوم في الليلة المستقبلة ،
قال: في الإنصاف وهذا هو الصواب ، وقاله في الإقناع والمنتهي وهو المذهب ،
فعلم من هذه الأقوال أن للعلماء المتقدمين مجالا في الاجتهاد في القضية وأنهم
قد استباحوا الافتاء بالتوسعة ، فمنهم من قال بجواز الرمي قبل الزوال مطلقا ،
أي سواء كان لعذر أو لغير العذر ، ومنهم من قال بجوازه لحاجة التعجل ، ومنهم
من قال بجوازه لكل ذي عذر ، كما هو الظاهر من المذهب ، فمتى أجيز لذوي
الأعذار في صريح المذهب أن يرموا جمارهم في أية ساعة شاءوا من ليل أو نهار،
فلا شك أن العذر الحاصل للناس في هذا الزمان من مشقة الزحام والخوف من السقوط
تحت الأقدام أنه أشد وآكد من كل عذر فيدخل به جميع الناس في الجواز بنصوص
القرآن والسنة وصريح المذهب ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما سئل يوم
العيد و لا في أيام التشريق عن شيء من التقديم والتأخير إلا قال:
» افعل ولا
حرج « ، فلو وجد
وقت نهي غير قابل للرمي أمام السائلين لحذرهم منه ، إذ حرر في 5 شعبان عام 1393هـ |