![]() |
|
|
الأدب
الشرعي في مولد النبي روى الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية السلمي ، عن النبي صلى الله عليه
وسلم ــ أنه قال : إني عبد الله في أم الكتاب و خاتم النبيين ، و أن آدم لمنجدل و سوف
أنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم و بشرى عيسى و رؤيا أمي آمنة ، و ذلك أنها رأت
أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام « . و هذا هو أصح حديث و أصرحه في هذا المعنى ، فمعنى : أني عبد الله و خاتم
النبيين في أم الكتاب : أي في كتابة المقادير ، فإن الله كتب مقادير الخلائق قبل
أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، و هذه الكتابة : هي عبارة عن سبق علم
الله بنبوته ، و أنه خاتم النبيين ولد النبي صلى الله عليه وسلم ــ لثمان من ربيع الأول ، و قيل لاثنتي عشرة
منه في قول المؤرخون و عاش أربعين سنة ، لم يوح إليه بشيء و كل ما يذكره قصاص
المولد من أنه ولد و لا شك أن مقام بعثته و نزول الوحي بنبوته أنه أعلى و أجل و أعظم و أفضل
من مقام ولادته ، إذ أنه ولد كما يولد سائر الناس و فضله الله بالبعثة و الرسالة
على سائر الناس ، و الله سبحانه ــ إنما امتن على عباده المؤمنين بنبوته و بعثته ،
لا بمجرد و لادته ، فقال تعالى: فساق ــ سبحانه ــ هذه الآية مساق الامتنان على عباده المؤمنين ببعثة هذا
النبي الكريم نظيره قوله تعالى » هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم
آياته و يزكيهم فبعث الله نبيه محمد ــ صلى الله عليه وسلم ـ بدين كامل و شرع شامل صالح
لكل زمان بعثه الله على حين فترة من الرسل ، و قد فشت بين الناس الجهالة و خيمت
عليهم الضلالة و صار لكل قوم آلهة
يعبدونها من دون الله ، فهم يعبدون الأشجار و الأحجار و القبور ، فبصر الناس من
العمى و أنقذهم من الجهالة ، و هداهم من الضلالة و فتح به أعينا عمياء و آذانا
صماء غلقا ، فدخل الناس ببركة بعثته في دين الله أفواجا طائعين مختارين . فقوله : » هو الذي بعث في
الأميين رسولا منهم « . يريد بالأميين : العرب سموا بالأميين لكون الأمية وهي عدم
المعرفة للقراءة و الكتابة سائدة من بينهم ليس عندهم مدارس و لا كتب يقول الله : » و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطه بيمنك إذا لارتاب
المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم و ما يجحد بآياتنا إلا
الظالمون « . ثم قال:» يتلو عليهم
آياته « أي القرآنية و
يفسرها لهم و يسألونه عما أشكل عليهم منها. قال ابن مسعود : كنا إذا تعلمنا عشر
آيات لم نتجاوزهن حتى نتعلم معانيهن و العمل بهن ، ثم قال: ثم قال : » و يعلمهم الكتاب و الحكمة
« ، فالكتاب :
القرآن و الحكمة السنة » و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين « . أي أن العرب قبل الإسلام و قبل بعثة محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ كانوا
في شر و شقاء وضلالة عمياء ، يقتل بعضهم بعضا و يسبي بعضهم نساء و أموال بعض ، و
كانوا مضطهدين بين كسرى و قيصر ، قد سادهم الغرباء في أرضهم و أذلهم الأجانب في
عقر دارهم ، لم يستقلوا استقلالا تاما إلا بالإسلام و بعد بعثة محمد ــ عليه
الصلاة و السلام ــ . ولم تعرفهم الأمم و تخضع لهم و تخشى صولتهم إلا بعد الإسلام و بعد بعثة
محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ فكانوا بالإسلام هم الصدر المقدم و السيد المرهوب
بين الأمم . فالإسلام و العمل به على التمام أنشأ العرب نشأة مستأنفة ، خرجوا من
جزيرتهم و القرآن بأيديهم يفتحون به و يسودون ، فهو السبب الأعظم الذي به نهضوا و
فتحوا و سادوا و بلغوا المبالغ كلها من المجد و الرقي و تحولوا بهدايته من الفرقة
و الاختلاق إلى الوحدة و الإئتلاف و قد أنجزهم الله و ما وعدهم به في القرآن في قوله » وعد الله الذين آمنوا منكم و
عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم
الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، يعبدونني لا يشركون بي شيئا « . و صدق الله وعده فكانوا هم ملوك
الأمصار ، بعد أن كانوا عالة في القرى و القفار ، يعز على أحدهم ستر عورته و شبع
جوعته ، كما صحيح مسلم عن عتبة بن غزوان أنه قال : » لقد رأيتني و أنا سابع سبعة من
أصحاب النبي ، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا ، و إني التقطت
بردة فشققناها بيني و بين سعد بن أبي وقاص ، فاتزرت بنصفها و اتزر سعد بنصفها ، فما
منا أحد إلا و هو أمير على مصر من الأمصار، و إني أعوذ بالله أن أكون في نفسي
عظيما و عند الله حقيرا« .و قد ذكرهم الله بهذه النعمة مقرونا بذكر ما سبق
لهم من البلاء و البأساء و ضيق
العيش ، فقال تعالى : » و اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن
يتخطفكم الناس فآواكم و أيدكم بنصره و رزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون « . قال قتادة : » كان العرب قبل الإسلام و قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا
أذل الناس ذلا و أشقاهم عيشا و أجوعهم بطونا و أعراهم ظهورا و أبينهم ضلالا ،
يؤكلون و قد بشرهم رسول الله بهذا الفتح و سعة الرزق قبل حصوله ، كما في البخاري
أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان عند أم حرام بنت ملحان ، فضحك ، فقالوا :
مم تضحك يا رسول الله؟ فقال : عرض على أناس من أمتي يركبون ثبج البحر ملوك على
الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة . فقالت أم حرام : أدع الله أن يجعلني منهم .
فقال : أنت منهم ، فخرجت غازية مع زوجها عبادة بن صامت ، فسقطت عن دابتها فماتت ــ
رضي الله عنها ــ و المقصود ، أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ لم يشرع
لأمته تعظيم مولده بمثل هذا الاحتفال و التجمع فيه ، ثم إلقاء الخطب و الأشعار فيه
، بل ثبت عنه ما يدل على كراهيته لذلك ، ففي الصحيح أن النبي ــ صلى الله عليه
وسلم ــ قال : » لا تطروني كما
أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله و رسوله « و الإطراء هو مجاوزة الحد في
المدح ، و كان يقول : » إياكم و الغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو « . لهذا لم يثبت عن الخلفاء الراشدين و لا عن الصحابة و التابعين و لا عن أئمة
المذاهب المتبوعين مثل الإمام أحمد و الشافعي و مالك و أبي حنيفة و أصحابهم ، فلم
يثبت عنهم تعظيم مولد الرسول و لا التجمع في يومه و لا يوم الإسراء و المعراج ، و
لو كان خيرا لسبقونا إليه . و ذكر صاحب » الإبداع في مضار الابتداع « أن أول من أحدث بدعة المولد هم
الفاطميون أهل مصر ، لما رأوا النصارى يعظمون مولد المسيح ، و يجعلونه عيدا يعطلون
فيه الأعمال و المتاجر ، أرادوا أن يظاهوهم على بدعتهم بتعظيم مولد الرسول ،
فقابلوا بدعة ببدعة و منكرا بزور ، و على من سنها وزر من عمل بها إلى يوم الحشر و
النشور . فتعظيم المولد النبوي ليس من الإسلام و لا من عمل السلف الصالح الكرام ، و
إنما هو من تقليد النصارى و التشبه بهم . لقد علمنا أن بعض المنتسبين إلى العلم يحبذون المولد للناس ، و يقولون :
إنها بدعة حسنة تبرهن عن محبة الرسول و تعظيمه في قلوب العوام ، لما يترتب عليه من
اجتماع الإخوان و هذا القول باطل قطعا ، فإنه ليس في الشرع بدعة حسنة ، بل كل بدعة ضلالة
في النار و من طبيعة البدعة التمدد و التفجر، ثم التنقل من بلد إلى بلد ، بحيث تشتهر
و تنتشر و مثله ما يفعله الناس في رجب باسم الإسراء و المعراج ، فكل هذه من البدع
التي يقود بعضها إلى بعض ، حتى تكون الآخرة شر من الأولى و تكون في كل عام شر من
الذي قبله. فهذا الكاتب لما بالغ في تأييد بدعة و المولد و استباح من أجلها تحريف
الآيات إلى فهذا المولد في الأمصار يفعل فيه أشياء من المنكرات ، من ضرب الدفوف و
المعازف
إن العبادات الشرعية مبنية على التوفيق و الاتباع ، لا على الاستحسان و
الابتداع ، فكل عبادة لم يتعبدها رسول الله ولا أصحابه ، فلا تتعبدوها ، فإن الأول
لم يترك للآخر مقالا فيها يتعلق بشؤون القرب الدينية ، و البدعة الحسنة إنما تكون
في العادات لا العبادات ، لقد علمنا أن هؤلاء الذين يحتفلون بالمولد و ينفقون
الكثيرة في سبيله ، أن قصدهم محبة الرسول تعظيمه بإحياء ذكرى مولده كل عام ، فهذا
هو الظاهر من أمرهم . غير أنه يجب أن نعلم بأن حسن المقاصد لا يبيح فعل البدع و أن المحبة
الطبيعية لا تغني عن المحبة الدينية شيئا ، فهذا أبو طالب عم النبي صلى الله عليه
و سلم ــ كان يحب رسول الله أشد الحب ، وقد تربى رسول الله في حجره و بالغ في
حمايته و نصرته ، و شهد بصدق نبوته و لما ادعى أناس محبة الله و رسوله ، أنزل الله عليهم آية المحبة » قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم « فكل من ادعى محبة الله و رسوله و لم يوافقه في أمره
و لم ينته عن نهيه فدعواه باطلة .
حق الرسول على أمته إن معنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعة الرسول فيما أمر و تصديقه فيما أخبر
واجتناب ما عنه نهى و زجر ، و أن لا يعبد الله إلا بما شرع لا بمجرد الاستحسان و
البدع و أن يكثروا من الصلاة و التسليم عليه في كل حالاتهم و سائر أوقاتهم ، فإن
الصلاة عليه هي من أفضل القربات و أجل الطاعات ، و من صلى عليه مرة ، صلى الله
عليه عشرا ، و الصلاة عليه هي دعاء له من أمته ، فقد أمر رسول الله بأن نكثر من
الصلاة عليه في الصلاة و خارج الصلاة ، فنقول : اللهم صل على محمد و على آل محمد ،
اللهم بارك على محمد و على آل محمد . و في مذهب الإمام أحمد بن حنبل : أن الصلاة
عليه ركن لا تصح الصلاة بدونه و عند الأئمة الثلاثة أنها مستحبة كما أمرنا أن نصلي عليه بعد إجابة المؤذن ، و أن نسأل له الوسيلة ، فقال :
إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة
، صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا
تنبغي إلا لعبد من عباد الله فالرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ أمر أمته بأن يدعوا له مع دعائهم و لا
يدعونه من دون الله أبدا ، بل يخلصوا دعائهم لربهم كله حرص منه على قطع مادة دعائه
أو التوسل به ، لأن الذي يدعي له لا يدعي من دون الله ، ثم لنعلم أن من يصلي و
يسلم على رسول الله و هو بأقصى مشارق الأرض و مغاربها و من يصلي و يسلم عليه عند
حافة قبره إنهما في التبليغ سواء ، لأن الله قد وكل ملائكته يبلغونه كل من صلى
عليه من أمته ، فهذا التزاحم عند قبره لا معنى له ، إذ التبليغ حاصل من دونه . و
روى أبو داود بسند جيد ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليهم وسلم ــ
: » لا تجعلوا قبري
عيدا و لا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم « . و عن علي بن الحسين ــ رضي الله عنه و عن أبيه وجده ــ أنه رأى رجلا يجئ
إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه و سلم ـ فيدخل فيها فيدعوا فنهاه ، و
قال : أ لا أحدثكم حديثا سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم
ــ أنه قال : » لا تتخذوا قبري
عيدا و لا بيوتكم قبورا و صلوا علي ، فإن تسليمكم علي يبلغني أين كنتم « . فنحن نشهد بالله ، لقد نصح رسول الله أمته و أدى أمانته و أن الحج صحيح
بدون زيارة قبره ، و أما حديث » من حج و لم يزرني فقد جفاني « فقد اتفق علماء الحديث على أنه
مكذوب على رسول الله ، و هو ينافي قوله : » لا تجعلوا قبري عيدا ، أي تعتادون
مجيئه و صلوا علي وعن جبير بن مطعم ، قال : جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ــ فقال: أنا نستشفع بالله عليك و بك على الله . فقال رسول الله : سبحان الله ،
سبحان الله ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال : إنه لا يستشفع
بالله على أحد من خلقه « . و قال: » إياكم و الغلو
، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو « . و في البخاري و مسلم ، أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال : » لا تطروني كما أطرت النصارى ابن
مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله و رسوله و الإطراء هو مجاوزة الحد في المدح
و الثناء « . فقد بلغ و نصح و حذر و أنذر ، و الحمد لله رب العالمين و سلام على عباده
المرسلين |