![]() |
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . وأشهد
أن لا إله إلا الله أما بعد : فقد قدم إلي أحد العلماء الكرام رسالة قد أبدى إنكاره لما تضمنه
من الكلام و هذه الرسالة عنوانها » الاحتفال بذكر النعم واجب « ، و قد سمى مؤلفها نفسه بالعلامة
السيد حامد المحضار . فبعد التصفح مني لمبناها من مبدأها إلى منتهاها و الوقوف على حقيقة مغزاها
و معناها ثم أخذ يركب في سبيل تعلية باطله و تحلية عاطله فنونا من التضليل و
التعاسيف في التأويل و الاستدلال بما ليس له فيه دليل و الزيغ عن سواء السبيل . و يدل فحوى كلامه على نقص علمه و قصور رأيه و فهمه ، و أنه حائر مبهوت
يتمسك في استدلاله بما هو أوهى من سلك العنكبوت ، و بما أنه يخشى أن ينخدع بهذه
التسمية بعض العوام و ضعفة العقول و الأفهام ، فيظنونها حقا و هي بالحقيقة باطل ،
أحببت أن أبين ما تحت هذه للكلمة من الضلال و سوء الاعتقاد في الأقوال ، فإن
غايتها الضلال ، و أنه بهذا العنوان فقوله : إن الاحتفال بالنعم واجب ، هو بدلا من القول و زور و ليس له مستند
من المأثور وإنما الواجب الشكر عند حلول النعم و زوال النقم ، و الشكر هو الاعتراف
بالنعمة باطنا والتحدث بها ظاهرا ، وصرفها في مرضاة وليها و مسريها ، و كان النبي
صلى الله عليه وسلم إذا جاءه أمر يسره خر ساجدا شكرا لله على ذلك . فمتى أنعم الله
على عبد بالصحة و العافية فمن واجبه أن يستعمل صحته في طاعة ربه و المحافظة على
أداء واجباته من صلاته و صيامه إن طبيعة البدعة على اختلاف أنواعها التمدد و التفجر ، ثم التنقل من بلد
إلى بلد على سبيل العدوى و التقليد الأعمى ، لحيث أنها تبتدئ بالأفراد على سبيل
الاستحسان ، ثم بالجماعات ، ثم تقود إلى ما هو شر منها ، بحيث تكون الآخرة شر من
الأولى ، و تكون كل عام شر من الذي قبله ، ثم ينشأ عن البدعة فنون البدع تقود إلى
ما هو شر منها ، كما رأيت من فعل هذا الكاتب ، حيث حمله تعصبه على تأييد بدعة
الاحتفال بالمولد النبوي إلى القول منه: بالاحتفال بالنعم و هي بدعة جديدة لم نر
من سبقه إلى القول بها ، و قد استباح تحريف القرآن و صرفه عن المعنى المراد منه في
سبيل إثبات هذه البدع بالدلائل البعيدة في سبيل تأييده و تمهيده . و قد قال العلماء : أنه ما ظهر بدعة إلا رفع مقابلتها من السنة ، فتمسك
بسنة خير من إحداث بدعة . و أكثر ما يفسد الإسلام زلة العالم و جدال المنافق بالقرآن و حكم الأئمة
المضلين ، كما قال عمر بن الخطاب . و لو لا دفع الله من العلماء الصالحين لدفع الملحدين و دحض حجج المبطلين
لفسد الدين و هذا الاحتفال بالمولد الذي يبالغ في تحسينه و تأييده ، يفحش في مكان دون
مكان و زمان بعد زمان ، حتى أشيع في بعض البلدان أن من لم يحضر المولد فإنه كافر ،
وأن من لم يقم عند ذكرالرسول فليس بمسلم ، و هذا من فنون تنوع البدع ، و كل بلد لا
يؤمر فيها بالمعروف و مبنى الشريعة على حماية الدين و الأنفس و الأموال و العقول و الأعراض فهي
قائمة على جلب المصالح و تكثيرها و درء المفاسد و تقليلها . أما الاحتفال بالنعم أو بميلاد النبي أو بالإسراء به ، فإنها كلها من البدع
التي ما أنزل الله بها من سلطان ، فهي من محدثات الأمور التي نهى عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم و قال: » كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة « لكون البدعة في اللغة هي الزيادة
في الدين بعد كماله و أكثر من يشيدها و ينشطها هم العلماء القاصرة أفهامهم و الناقصة علومهم
مما يجعل العامة يغترون بهم و ينبعثون على أثرهم ، و باستمرار فعلهم لها خاصة في
هذا اليوم المعين يستقر في نفوسهم فضلها أو فرضها ، والعامي مشتق من العمى ، و قد
قيل » إن أكثر الناس همج رعاع أتباع كل
ناعق ، يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجئوا من الدين إلى ركن
وثيق أقرب شبها بهم الأنعام السائبة ، اللهم بل لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة
لكيلا تبطل حجج الله على عباده أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون عند الله قدرا ،
يقيم الله بهم حججه على عباده حتى يؤدوها إلى نظرائهم ، و يزرعوها في قلوب
أشباههم « انتهى . و شبهوا غلط العالم بغرق
السفينة ، يغرق بغرقها الخلق الكثير ، و قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم طريق
الهدى و طريق الضلال ، و أن على كل طريق من طرق الضلال شيطان يدعوا إلى بدعته.
وروى الإمام أحمد و النسائي عن ابن مسعود ، قال : خط رسول الله خطا مستقيما فقال:
هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه و شماله ، ثم قال : هذه سبل على كل سبيل شيطان
، ثم قرأ:
و قد قال أنس بن مالك : أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله
عليه وسلم و كانوا يقومون إذا رأوه ، لما يعلمون من كراهته لذلك ، بل يجلس حيث
ينتهي به المجلس و هذه سنة رسول الله و سيرة أصحابه في حياته ، فما بالك بذلك بعد
موته ، و ما هو إلا محض الغلو الذي نهى عنه ، و روى أبو داود ، بسند جيد عن عبد
الله بن الشخير ، قال : انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ــ
فقلنا: أنت سيدنا ، فقال السيد الله ـ تبارك و تعالى ــ فقلنا: و أفضلنا فضلا و
أعظمنا عظما . فقال: » قولوا بقولكم أو بعض قولكم و لا يستجرينكم الشيطان« . و عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أن أناسا قالوا : يا رسول الله ، يا خيرنا و
ابن خيرنا فالرسول حما حمى التوحيد و سد طرق البدع و الغلو فيه بالإطناب بالمدح
بالشعر أو النثر لكون الإطناب
بالمدح ليس من هديه ، و قد ورد النهي الشديد عنه و كذلك الصحابة من بعده بالغوا في
حماية الدين و سد طرق البدع ، لكون البدع بريد الشرك ، و أول ما دخل الشرك على
الناس هو بسبب الغلو في الأنبياء و الصالحين ، حتى صيروا قبورهم أوثانا يعبدونها ،
و لما رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ــ أناسا يتسللون لواذا جماعة و فرادى إلى
شجرة ، قال : ما هؤلاء يذهبون ؟ قالوا : يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي ــ صلى
الله عليه وسلم ــ الصحابة تحتها و يصلون فيها . فقال عمر : اقطعوها ، فإنما هلك
من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم ، حتى جعلوا آثارهم معابد ، فأمر بقطعها ،
فقطعت فكان آخر العهد بها ، فرحم الله عمر الفاروق ، فإنه لو ترك هذه الشجرة
بحالها لصارت وثنا يعبد من دون الله ، بدعوى محبة رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم
ــ كما سنوا بدعة المولد و الإسراء ، بدعوى محبة رسول الله . لكون البدع كبدعة المولد و غيرها تبدأ بالأفراد ، ثم تشتهر و تنتشر
بالجماعات ، فتنتقل من بلد إلى بلد ، لكون الناس يقلد بعضهم بعضا في الخير و الشر
و في نفوس الناس قبول للباطل ، بحيث تألفه و يتمركز فيها محبته ، و قد حفت النار
بالشهوات ، كما حفت الجنة بالمكاره . و كان أصحاب رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ بمثابة الحماة دون دخول
البدع على الدين ، لأن كل بدعة تحدث ، فإنه يرفع مقابلتها من السنة فاقتصاد في سنة
خير من اجتهاد في بدعة ، فمن ذلك ما روى الدارمي ، قال : أخبرنا الحكم بن مبارك ،
أنبأنا عمر بن يحي ، قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه ، قال : كنا نجلس على باب عبد
الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد ، فجاءنا أبو موسى
الأشعري ، فقال : أ خرج أبو عبد الرحمن ؟ قلنا: لا ، فجلس معنا فلما خرج ابن مسعود
، قال له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن ، إني رأيت في المسجد أمرا أنكرته . قال :
فما هو ؟ قال : إن عشت فستراه . قال رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا في كل حلقة
رجل و في أيديهم حصا ، فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة ، و يقول هللوا مائة ،
فيهللون مائة ، و يقول : سبحوا مائة فيسبحون مائة . قال : فماذا قلت لهم . قال : ما
قلت لهم شيئا أنتظر أمرك . قال : أ فلا أمرتهم أن يحصوا سيئاتهم و ضمنت لهم بأن لا
يضيع شيء من حسناتهم . ثم مضى و وقف عليهم ، فقال : يا أمة محمد ، ما أسرع هلكتكم
هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون و الذي نفسي بيده إنكم مفتتحوا باب ضلالة . قالوا : و
الله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير . فقال : و كم من مريد للخير لم يصبه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ حدثنا أن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم
، و أيم الله لعل أكثرهم منكم . قال عمر بن سلمة: و لن تجد أفصح و لا أنصح من رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم في إنذاره و
تحذيره عن البدع ، فقال جابر بن عبد الله : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
خطبنا احمرت عيناه رجعنا إلى مناقشة صاحب
الرسالة على علاته و وضوح زلاته و يظهر أنه متعصب في الجهالة ، غير عارف بحقائق
الدلالة ، مع ما به من الغرور على مساوئ أقواله ، فتراه يقول فالجواب أن نقول : إنه لما
نشر هذا الإعلان لإعلام الخاص و العام ، بأن لديه الفكر العميق و سيولة علم في
التحقيق و التدقيق ، أصغينا إليه الآذان و أفرغنا له الأذهان ، و تتبعنا
إنه لم يأت على صحة ما يقول
بدليل الغرور و الجزاف غير موزونة بمعيار الصحة
ثم قال : ( أن كثيرا من أئمة
علماء الإسلام من الحفاظ و الفقهاء و أصحاب السير كتبوا عن المولد النبوي و ما
سبقه من الإرهاصات و ما يترتب عليه من البركات ، مما يحتاج كل قادر على التأسي بهم
في هذا الميدان ) . فالجواب ، أن هذا حق و قد
أراد به الباطل ، فإن كل متصد للدعوة إلى الباطل فإنه يقدم أمام دعوته من الترويح
بالحق ما يستدعي ستر الباطل تحته و قبوله معه لكون الناس لا يقبلون الباطل المحض ،
و إنما يقبلونه إذا كان ملبوسا بحق ، قال الله تعالى : » يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل و تكتمون الحق و أنتم
تعلمون « ، فلبس الحق بالباطل هو تغطيته به ، بحيث يظهر للناس أنه حق و هو
في الحقيقة باطل ، و من لوازم هذا اللبس كتمان الحق و عدم بيانه لعلمه أنه بين
الحق لم يتم مقصوده في تنفيذ الباطل ، و هذا كله منطبق على تصرف هذا الكاتب فأخبر الله سبحانه ، أن من
الناس من يجادل في الله بغير علم نقلي يرشده إلى التحقيق و إنما يقصدون في ذكر مولده
الاحتفاظ بتاريخه ، إذ هو نبي الرحمة ، و لم نجد في شي ء من الكتب المتعمدة القول
باستيعاب التجمع و الاحتفال بمولده و لا في اليوم الذي أسرى به فالجواب : أن نقول أن كل ما
كره من الأدلة العقلية و النقلية و الاجتماعية في مشروعية الاحتفال بالنعم ، فكله
من الكذب و المكشوف المفترى على الله و على كتابه و دينه ، قصد به نصر رأيه و
إعلاء كلمته و استباح لأجله صرف القرآن عن المعنى المراد به بتحريفه عن مواضعه ،
فكان كما قال:
و أن هذا الآيات التي سردها
و الأقوال التي أسندها و استدل بها ، كلها خارجة عن موضوع البحث الذي يريد تأييده
، فلا يتعلق به بصلة ، و لكنه مزجى البضاعة من معرفة الصناعة ، إذ موضوع البحث
مشروعية الاحتفال بمولد الرسول و بمولد سائر الأنبياء ، و بما أن الاحتفال هو
التجمع و التحشد ، و لا أدري من أين أخذ وقوع الاحتفال بمريم و عيسى و يحي بن
زكريا ، و أين مكانه و متى زمانه ، و هل وقع في السماء من الرب مع ملائكته أو في
الأرض و قد قيل : أن أفضل الكلام ما
جلى الحقائق و هدى لأقوم الطرائق و هذا الكاتب قد اعتاد إلقاء مثل هذه الجمل من
كيس نفسه على سبيل الخرص و الجزاف غير موزونة بميزان الصحة و الإنصاف ، لأنه قد
صرف جل عقله و عمله و اهتمامه إلى تأييد رأيه و التمويه على الناس بصحته و هو باطل
من أصله و لم يورد حرفا واحدا لصحته ، و كأنه يملي كتابه على قطيع من البقر لا على
علماء من نقاد البشر ، الذين يعرفون المعروف و ينكرون المنكر و الحمد لله الذي جعل
في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى و يبصرون بنور الله أهل
العمى إذ لو لا من يقيمه الله لحماية الدين و دحض شبه الملحدين ودفع بدع المبتدعين
لفسد الدين . والمقصود أن بركة الرسول
على أمته لا تعد و لا تحصى ، و أنه رحمة للعالمين و حجة على الخلق أجمعين ، و قد
امتن الله ببعثة على المؤمنين ، فقال : » لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم
آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين « فقد بلغ الرسالة و أدى الأمانة و نصح الأمة . و لما قسم رسول الله غنائم
حنين و أعطى المؤلفة كل واحد مائة من الإبل فوقع في نفس الأنصار شيء من ذلك و
قالوا : » يعطي غنائمنا صناديد العرب
، و يدعنا فسمع رسول الله بخبرهم فجمعهم ثم قال : » يا معشر الأنصار ، أ لم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي و عالة
فأغناكم الله بي ، و متفرقين فجمعكم الله بي ، و في كل كلمة يقولون الله و رسوله
أمن ، ثم قال: ألا ترضون أن ينصرف الناس بالمال و تنصرفون برسول الله إلى رحالكم .
قالوا : قد رضينا إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يطلب من أمته على هدايته و دعوته منة و لا على عمله مكافأة و أجرا إلا
بالدعاء و كثرة الصلاة و التسليم عليه ثم بمتابعته بامتثال أمره و اجتناب نهيه ،
لقوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ : »
كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي قالوا : و من يأبى فهذا قوله في حياته و ينطبق على حالته بعد وفاته ، لأن ما كره
في حياته فإنه يكره بعد وفاته ، كما كره العلماء رفع الصوت عند قبره . و قد بالغ هذا الكاتب في
مدح شوقي ، على شعره و رفع عقيرته بمدحه ، لحيث أنه ( قد يعترض معترض و يقول
قائل : أنه ليس فيما ذكرتموه سابقا دليل ناصع على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي
على النحو المعروف . و نحن نقول : إن هذا
الاعتراض لا يصلح ردا لمشروعية الاحتفال بنعم الله و منها ميلاد محمد ــ عليه
الصلاة و السلام ــ ) . و الجواب : أن من عادة الله
في خلقه أن كل من أسر سريرة أو استبطن عقيدة ، فإن الله سبحانه يظهر سر عمله و
عقيدته على فلتات خطابه و صفحات كتابه ، إن خيرا فخير و إن شرا فشر ، لأن كل إناء
ينضح بما فيه و عادم الخير لا يعطيه ، قال تعالى » ذلك و لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم و لتعرفنهم في لحن
القول « و هذا الكاتب قد اعترف على
نفسه بما عسى أن يقول الناس فيه بأنه ليس فيما يورده دليل صحيح على مشروعية
الاحتفال بالمولد النبوي لا من القرآن و لا من قول الرسول و لا من قول أحد من
الصحابة و التابعين و لا من أئمة المذاهب
إنه متى ساء الهم ساءت
النتيجة ، و إذا ساءت النتيجة فسدت الغاية ، لقد رأينا هذا الكتاب ــ هداه الله ــ
لما تقحم الخوض في موضع سنية الاحتفال بالمولد دليلا واضحا يؤيده و لا نصا صريحا
يسنده . اضطره انتصاره لهذه البدعة إلى بدعة أخرى قد سنها بنفسه ابتداء و لم نعلم
من سبقه إلى القول بها و هي الاحتفال بالنعم ، ثم استباح في تأييدهما صرف القرآن
عن مواضعه إلى غير المعنى المراد منه ، ليقيم من ذلك حجة على الاحتفال بالنعم و
الاحتفال بالمولد النبوي ، فأكثر في سبيل ذلك من الصدر و الورود و الاستدلال بما
يعد بعيدا عن المقصود ، ديدن الحائر المبهوت يتمسك في استدلاله بما هو أوهى من سلك
العنكبوت ، و يظهر أنه مزجى البضاعة من هذه الصناعة ، فليس للشريعة معظما و لا
للقرآن محترما لا للحديث موقرا ، فانظر إلى كلامه في سائر كتابه تجده لا طالب أثر
و لا متبع خبر و لا مناضلا عن سنة و لا راغبا و مرغبا في أسوة حسنة ، يتلعب
بالقرآن العظيم و يحاول أن يجعل منه أمثالا للبدع السيئة ليخدع بها العوام
ثم قال : ( و لدينا دليل
آخر مدني أنصاري نقله إمام السنة أحمد بن حنبل و حكاه عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ،
قال أحمد : ثبت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : لو
نظرنا يوما فاجتمعنا و ذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا ، فقالوا : يوم
السبت . فقالوا: فالجواب : أننا بحمد الله
نؤمن بالكتاب كله من كل ما ثبت عن الله و رسوله ، و لسنا ممن يؤمن ببعض الكتاب و
يكفر ببعض و يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ، و هذا الذي ذكره من اجتماع الأنصار
يطالبون بيوم يجتمعون فيه لعبادة ربهم هو صحيح كما وصف ، و أما صلاتهم الجمعة ،
فإنما وقع بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ــ لما تتابع المهاجرون إلى المدينة ،
أمر مصعب بن عمير ، بأن يصلي بهم الجمعة و يترجح أنها فرضت الجمعة مع فرض سائر
الصلوات ، و الله سبحانه قد افترض الصلوات الخمس و آكدها صلاة الجمعة و التي هي
عيد الأسبوع و التي هي أفضل من عيد الأضحى و عيد الفطر ، فاختار الله لهذه الأمة
يوم الجمعة قال عبد الرحمن بن كعب ، و
كان قائد أبيه بعد ما عمى ، قال : كان أبي إذا سمع أذان الجمعة ترحم لأسعد بن
زرارة . فقلت : يا أبت إنك إذا سمعت أذان الجمعة ترحمت لأسعد بن زرارة . قال : نعم
أي بني إنه أول من جمع بنا في حرة بني بياضة في نقيع الخضمات فذبح لنا شاة فتغدينا
عنده ، قلت ، كم كنتم ؟ قال : كنا أربعين . رواه أبو داود و ابن ماجه . و قد استدل به من اشترط
لصحة الجمعة حضور أربعين من أهل وجوبها و ليس فيه دليل قاطع على اشتراط هذا العدد
، لأنها قضيت حال وافق كونهم أربعين بدون تحديد لهذا العدد منه ــ عليه الصلاة و
السلام ـ و الصحيح أن الجمعة تصح و لو بدون أربعين و لو بدون اثني عشر من أهل
وجوبها و من غيرهم . أما أول جمعة صلاها النبي
صلى الله عليه وسلم ـ مباشرة منه ، فهي في مسجد بني عبد الأشهل بالمدينة ، حين قدم
مهاجرا فوافق قدومه يوم الجمعة فنزل على أبي أيوب الأنصاري و سميت جمعة ، لأنها مشتقة
من الجمع ، و أن أهل الإسلام يجتمعون فيها في كل أسبوع مرة يتفرغون فيها لعبادة
ربهم ، و أنزل الله » يا أيها الذين آمنوا إذا
نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم
تعلمون « ، لهذا حرم الفقهاء تعدد الجمع لغير ضرورة ، و النبي صلى الله
عليه وسلم قال : » الجمعة حق واجب على كل
مسلم في جماعة إلا على أربعة : مملوك وامرأة و صبي و مريض « . رواه أبو داود من حديث طارق بن شهاب ، و قال : لم يسمع طارق من
النبي صلى الله عليه وسلم ، و رواه الحاكم عن طارق بن أبي موسى ، و هذا الاجتماع
هو مشروع بالكتاب و السنة و إجماع الأمة ، و قد تواترت الأحاديث الكثيرة في فضلها
و المحافظة على فعلها و الوعيد الشديد في تركها ، فروى مسلم عن ابن عمر ، قال :
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ــ يقول على أعواد منبره : » لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم
ليكونن من الغافلين « فلا يقاس هذا الاجتماع المشروع على الاجتماع
للمولد الذي ليس له أصل من الكتاب و لا من السنة و لا من فعل الصحابة و التابعين و
لم يقل بمشروعيته أحد من أئمة المذاهب ، و يترتب عليه مفاسد كثيرة فكيف يقاس على
يوم الجمعة الذي يجتمع فيه المسلمون لعبادة ربهم ، منهم المصلى و منهم التالي
للقرآن و منهم المسبح و المستغفر ، و إذا قام الخطيب يذكرهم استمعوا له و أنصتوا ،
و لهذا كره للرجل أن يتخطى رقاب الناس و أن يتكلم و الإمام يخطب ، فهو كمثل الحمار
يحمل أسفارا ، أو من قال لصاحبه : أنصت فقد لغا و من لغا فلا جمعة له ، و الجمعة
الصحيحة تكفر ما بينها و بين الجمعة الأخرى ، و فضل ثلاثة أيام ، فهذا الاجتماع
بهذه الصفة هو شرع الله الحكيم و دينه القويم الذي قال الله فيه : » ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع
أهواء الذين
ثم قال : ( إن حديث كل » بدعة ضلالة «
معارض أو مخصص بحديث أوضح منه و أكثر طرقا و هو حديث » من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من
عمل بها إلى يوم القيامة و من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل
بها إلى يوم القيامة « . رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله . فالجواب أن نقول : لقد عرف
هذا الكاتب أن عملهم في الاحتفال بمولد الرسول ، أنه بدعة لكنه أراد أن يزيل اسم
هذه البدعة بحديث من سن في الإسلام سنة حسنة إلى آخره ، فمتى تحقق أنه بدعة حسبما
شهد به على نفسه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ قال : » كل بدعة ضلالة و هي نكرة مضافة تعم كل بدعة ، فليس في الشرع بدعة
حسنة ، بل إن البدعة تنافي السنة و البدعة هي ما فعل على
سبيل القربة مما لم يكن له أصل في الشرع فهي زيادة في الدين بعد تمامه ، و هي بدع
من القول و زور ، و قد قيل : اتبعوا و لا تبتدعوا ، قالوا : كل عبادة
فالبدعة حسنة إنما تكون في
العادات لا العبادات ، ثم قال : ( إن الاحتفال بالمولد النبوي إنما يكون بذكر الله
و الصلاة على رسول الله و ذكر سيرته و فضله و بإطعام الطعام و إفشاء السلام و
التقاء الإخوان على رياض جنة الذكر ) . فالجواب أن نقول : إن كل
بدعة اختلاف على أنواعها ، فإن طبيعتها التمدد من الذكر إلى فنون من المنكر ، لأن
البدع بريد الكفر و رب مريد للخير لا يدركه و إنما حذر النبي صلى الله عليه وسلم
عنها و حرص الصحابة على إزالتها ، حيث قطع عمر بن الخطاب الشجرة التي كانوا يصلون
تحتها و يقولون أن النبي بايع الصحابة تحتها ، و مثله نهى ابن مسعود و أبي موسى
الأشعري للجماعة الذين يجتمعون و يقول أحدهم : هللوا مائة فيهللون مائة ، و يقول :
سبحوا مائة فيسبحون مائة ، و يقول : كبروا مائة فيكبرون مائة ، فزجرهم هذا و قال
لهم : أحصوا سيئاتكم و نحن كفلاء بأن لا يضيع من حسناتكم شيء و إنما دخلت الوثنية
على العرب ، بسبب الغلو في الأنبياء و الصالحين ، حتى صيروا قبورهم أوثانا
يعبدونها و ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مكانها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث
بدعة . إنه لو كان عمل هؤلاء صحيحا
في محبة الرسول لاتبعوا أمره واجتنبوا نهيه وأكثروا من الصلاة والتسليم عليه وهم
في بيوتهم وطرقهم ، ولكن هذه المآكل الشهية التي أشار إليها الكاتب بقوله : إنهم
يطعمون في هذا المحفل الطعام ويلتقي عليه الإخوان ، فإن هذا هو أكبر عامل لتشييد
هذه البدعة ، فإن البراطيل تنصر الأباطيل . وأما
حديث » من سن في الإسلام سنة حسنة فله
أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة« فإن السنة الطريقة تطلق على العمل الحين وعلى العمل
السيئ ، ولكل وارد في الكتاب والسنة ، أما السنة الحسنة ففي قوله : » لقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة « ، ومنه قول النبي – صلى الله عليه
وسلم - : » عليكم بسنتي
وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، و إياكم
ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة
« ومعنى سنة الخلفاء أي طريقة الخلفاء
الراشدين . نظيره قول عمر بن عبد العزيز : لقد سن رسول الله و أولاة الأمر من بعده
سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة في دين الله ، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها
ولا النظر في يخالفها ، من اهتدى بها فهو المهتدي ومن استنصر بها فهو المنصور ومن
تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا . فلا يظن أحد أن الخلفاء الراشدين يسنون الناس سننا من العبادات تخالف أمر
الرسول ونهيه ، لأن التشريع خالص حق الله ورسوله . أما السنة السيئة ، فقد جاء بها الحديث في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ،
أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : » لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو
القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه « ، و قالوا : يا رسول الله اليهود
والنصارى ، قال : فمن؟ يعني طرق اليهود والنصارى . ومثله ما روى مسلم عن بن عباس ،
قال : قال رسول الله : » أعتى الناس على الله ثلاثة : من قتل غير قاتله أو
قتل لدخل الجاهلية أو ابتغى في الإسلام سنة الجاهلية ، الجاهلية في عملها وقولها ،
ومثله حديث : ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه أول
من سن ليقتل ، فقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : » من سن في الإسلام سنة حسنة فله
أجرها وأجر من عمل بها « يفسره ما ثبت في الحديث نفسه الذي
رواه مسلم عن جرير بن عبد الله أنه قال : كنا عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم
– في صدر النهار فجاء قوم غزاة عراة مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر ،
بل كلهم من مضر ، فتمعر وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة فدخل وخرج ثم أقبل و أدبر ، ثم خطب الناس فقال
: » يا أيها الناس
اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرة ونساء
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام « . تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره . حتى قال:
و لو بشق تمرة ، فتتابع الناس فجاء رجل بصاع تمر فلمزه المنافقون و قالوا : إن
الله غني عن صاع هذا ، ثم جاء رجل بصرة دنانير كادت كفه أن تعجز عنها ، فقالوا :
مرابي ، حتى اجتمع عند رسول الله كومين من الطعام و كان إذا سر استنار وجهه ، فقال
: » من سن في
الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة « يريد بذلك صاحب الصرة . و تتابع
الناس بعد على القدوة في الصدقة ، و لهذا قال العلماء : إن الإعلان بالصدقة متى
كان يقتدي به أفضل من إخفائها ، يقول الله » إن تبدوا الصدقات فنعما هي و إن
تخفوها و تؤتوها الفقراء فهو خير لكم« فمدح كلا الحالتين . فليس في الحديث دليل على صحة ما يرمي إليه الكاتب من تسمية البدع بالسنة
الحسنة أو البدعة الحسنة . و إذا أردنا أن نفسر السنة الحسنة لم نجد لها تفسيرا أوضح و لا أفصح من
تفسير النبي لها في هذا الحديث و قضية الرجل الذي تصدق بصرة الدنانير و أخذ الناس
يتبعونه في الصدقة كل على حسبه و الفضل للمتقدم ، و إذا أردنا أن نعرف السنة
السيئة لم نجد لها تفسيرا أقرب من تفسيرها بالاحتفال بالمولد النبوي ، سنة
الفاطميين من أهل مصر ، ثم تبعهم الناس على ضلالهم لأن الناس مقلدة لبعضهم من بعض
في الخير ، لما رأوا النصارى يعظمون مولد المسيح كما أن من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل من اتبعه ، إذ ليس ذلك
الصحابي هو الذي سن الصدقة ابتداء من غير سبق الشرع بها ، فإن الصدقة ثابتة
بالكتاب و السنة و الإجماع على هذه الأمة و على سائر الأمم قبلها ، كما قال تعالى
: » و إذ أخذنا
ميثاق بني إسرائيل لقد علمنا من هؤلاء المشايخ الذين يتصدون للجلوس في صدر المحفل النبوي و
يتبعهم الناس في عملهم و يقولون : أنه سنة حسنة أو بدعة حسنة ، يبرهن بزعمهم عن
محبة الرسول و قد علق الناس على هذه البدعة ما يستدعي قبولها و إقبال الناس إليها من
ذلك قولهم : أن من يحضر المولد النبوي فإنه يصح في جسمه و يعافى في ولده و يسعد
بالأرباح الطائلة في ماله و ينشرون
بين الناس بأن الرسول يحضر محفل المولد و يعرف الحاضرين و يقولون بوجوب القيام عند
ذكره و عند ولادته ، و أن من لم يحضره فإنه يبتلي بالمرض في جسده و أولاده
ثم قال : ( لا ريب أن مضاعفة الأجور العظيمة إنما كانت للأتباع في الابتداع
الحسن الذي هو الاستنان الحسن لحديث
» من سن سنة حسنة
فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة« وهذا الحديث قاض على كل ما يقوله
خصوم البدعة الحسنة و هو يدك دكا قولهم : أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة ، و
قولهم لو كان خيرا لسبقونا إليه ، و لا ريب أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة
و سنة حسنة وفق الله لها من سنها و عمل بها و جعل له أجرها و أجر من عمل بها إلى
يوم القيامة ) . فالجواب أن نقول :
إنه في آخر الزمان يصير العلم جهلا و الجهل علما و البدعة سنة و السنة بدعة
، ينشأ على هذا الصغير و يهرم عليه الكبير ، حتى إذا غيرت البدعة قالوا غيرت السنة
و هذا الكاتب مبتلى بقلب الحقائق في المعقول و المنقول ، فيجعل البدعة الحسنة سنة
و السنة بدعة ، و يجعل المأزور على تأسيس البدع مأجورا فيحرف الكلم عن مواضعه و
يخالف الحق مخالفة غير خافية على أحد
لاعتقاده أنه قد وضع ناموسا للناس بعقله و لن يخر فريسة لتعاليمه السخيفة
سوى همجي رعديد قليل العلم و المعرفة بحقائق العلوم النافعة و لا يروج إلا على كم
هو أجهل الناس و أقلهم معرفة و علما . يزيف الحق القويم و يزخرف الباطل الذميم و يصد عن الصراط المستقيم و يقول
هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، و حسبنا اعترافه على نفسه ، بأن الاحتفال
بالمولد بدعة ، و قد أراد التهرب من مسمى هذه البدعة بقوله : إنها بدعة حسنة ثم
أفرغ الثناء على من سن هذه البدعة فليس في شريعة الإسلام بدعة حسنة قطعا و إن غلط بعض العلماء في ذلك و قد
جاءت الشريعة الإسلامية بجلب المصالح و تكثيرها و درء المفاسد و تقليلها ، و أن
الوسائل لها أحكام المقاصد ، فكل ما نهى عنه رسول الله من محدثات الأمور ، فإن
مضرته واضحة و مفسدته راجحة و إن لم تظهر للناس في الحال ، فإنها ستصير إلى ذلك في
مستقبل الزمان ، فلا راد لحكم رسول الله و لا مبدل لكلماته . و إنما قطع عمر الشجرة التي كان الناس يتحرون الصلاة تحتها و هي الشجرة
التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم ــ الصحابة تحتها ، لعلمه أن هذه الصلاة في
خاصة هذا المكان ستؤول إلى فتنة من عبادة هذه الشجرة ، لأن ما أهلك من قبلنا و
أوقعهم في الشرك هو تتبعهم آثار أنبيائهم حتى جعلوا قبورهم أوثانا يعبدونها و
الدفع أيسر من الرفع ، و اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة . و هذا الكاتب مبتلى بقلب الحقائق في المعقول و المنقول و في تأويله و
القرآن و أحاديث الرسول ، فيجعل من ابتدع بدعة ضلالة مما ليس له أصل في كتاب الله
و لا عن سنة رسول الله و لا عن
الصحابة و التابعين و لا عن أحد من أئمة المذاهب الأربعة أنه مصيب في عمله و أنه و هؤلاء الذين يجادلون في إثبات سنية المولد هم يعرفون من المفاسد المترتبة
عليه أكثر مما نعرف ، لكنهم يجحدونها لكون هذا الاجتماع كما أشار إليه الكاتب من
أنه ( يلتقي فيه الإخوان و يطعم الطعام ) و حبك الشيء يعمى و يصم و البراطيل تنصر
الأباطيل ، و لقد كان من الحزم و فعل أولى العزم في حق هذا الكاتب هو أن يصرف شيئا
من جهده و جهاده و نشاطه إلى دعوة الناس إلى ما دعاهم إليه كتاب ربهم و سنة نبيهم
بالوصية منه في سلوك طريق السلف الصالح و نهى الناس عن البدع الغاشية و الظلمات
الغاشية ، و يفسر لهم النصوص التي جعلت قبور الصالحين و الأنبياء أوثانا و أن سببه
هو الغلو في الدين و الغلو في الأنبياء و الصالحين
و أما الاستدلال بجمع الصحابة للقرآن على البدعة الحسنة . فجوابه : أن جمع القرآن ليس من البدعة الحسنة في شيء ، بل من الأمر المحتم
المفروض على خاصة الصحابة و على كافة الأمة لو تركوه أثموا . لأن حفظ القرآن عن ضياعه و نسيانه ، واجب ، و كان القرآن ينزل على النبي
صلى الله عليه وسلم تدريجيا حسب الوقائع ، و قالوا : » لو لا نزل القرآن جملة واحدة كذلك
لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا « فبقى مفرقا في صدور الرجال وفي
الصحف و الرقاع و اللخاف ، فما كانت وقعة اليمامة في قتال مسيلمة فوكلوا أمر تتبعه و جمعه إلى ثلاثة من قراء الصحابة يرأسهم زيد بن ثابت
فجمعوا القرآن، و بقي آية منه ، يقول زيد بن ثابت : كنت أسمع رسول الله يقرأها و
هي قوله: » لقد جاءكم رسول
من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم … إلخ « فوجدتها مع خزيمة بن ثابت
الأنصاري . فهذا الجمع للقرآن هو من الأمر الواجب على الصحابة لكونه لا يتم الانتفاع
بالقرآن إلا بذلك و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لكون القرآن في أحكامه و
بيان حلاله و حرامه ثم إن القرآن بفحوى لفظه و خطابه يوجب أن يكون مجموعا بمقتضى شرع الله و
قدره و من صفة هذه الأمة أن أناجيلها في صدورها و لا بد مع طول الزمان أن ينسى
الإنسان شيئا منه ، لأن طبيعة الإنسان النسيان و قيل أنه سمى إنسانا من أجل نسيه ،
كما قال تعالى:
و لو لم يكن مجموعا لمراجعة ما عسى أن ينسون منه لفات عليهم أكثره ، سيما
في آخر الزمان عند زهد الناس في حفظ القرآن في صدورهم . ثم أن قوله : » ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين « ، و قوله » شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان « ، أي هدى للناس إلى سبيل الحق إذ لو لا هذا الجمع للقرآن الذي هو من واجب هذه الأمة و من ضرورية حفظهم
لدينهم و كان أول ما أنزل الله من وحيه بالكتابة فقال سبحانه : » اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق
الإنسان من علق ، اقرأ و ربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم
يعلم « . وها هنا ينبغي التنبيه عليه مما يتعلق بترك أبي بكر المبادرة بإباحة عمر
إلى جمعه قال عمر : فما سمعت الآية انقطع لها ظهري كأني لم أسمعها قبل اليوم و تحققت
أن رسول الله قد مات « ، فما بقي رجل و لا امرأة في المدينة إلا يتلو هذه الآية بعد
استنباط أبي بكر لها و الحكماء يحبون الرأي الخمير و يكرهون الرأي الفطير ، و أما
عدم جمع النبي للقرآن في حياته ، فإن الأمر فيه معقول ، و ذلك أن القرآن ينزل
تدريجيا منجما على حسب الوقائع و قد استحر نزوله و تتابع قرب وفاة رسول الله صلى
الله عليه وسلم فنزل عليه وهو واقف بعرفة ثم أنزل الله عليه في أوسط أيام التشريق سورة النصر » إذا جاء نصر الله و الفتح |