الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . وأشهد أن لا إله إلا الله
شهادة مبرأة من كل قول واعتقاد لا يحبه الله ولا يرضاه. وأشهد أن محمدا نبيه ورسوله الذي اصطفاه من بين خلقه واجتباه واختاره لحمل نبوته وتبليغ رسالته ، فأوحى إليه ما أوحاه ، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وعملوا بمقتضاه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد : فقد قدم إلي أحد العلماء الكرام رسالة قد أبدى إنكاره لما تضمنه من الكلام
وتحريف آيات القرآن ، و طلب مني بإيعاز من أهل بلدها بأن أعلق عليها ما عسى أن ينتفع به أهل الإسلام نصيحة لله و للخاص و العام .

و هذه الرسالة عنوانها » الاحتفال بذكر النعم واجب « ، و قد سمى مؤلفها نفسه بالعلامة السيد حامد المحضار .

فبعد التصفح مني لمبناها من مبدأها إلى منتهاها و الوقوف على حقيقة مغزاها و معناها
تبين لي بطريق الوضوح بأنها دعاية سافرة إلى وجوب الاحتفال بالمولد النبوي ، و كان اعتماده واستناده في تأييده هذه البدعة بدعة أخرى قد اخترعها بنفسه ، بدون أن يسبقه إلى القول بها أحد من علماء المسلمين ، و هي بدعة الاحتفال بالنعم ، و أنه واجب ، فاستدل للبدعة ببدعة و للمنكر بمنكر و زور ، فعلى من سنها وزر من عمل بها إلى يوم الحشر و النشور .

ثم أخذ يركب في سبيل تعلية باطله و تحلية عاطله فنونا من التضليل و التعاسيف في التأويل و الاستدلال بما ليس له فيه دليل و الزيغ عن سواء السبيل .

و يدل فحوى كلامه على نقص علمه و قصور رأيه و فهمه ، و أنه حائر مبهوت يتمسك في استدلاله بما هو أوهى من سلك العنكبوت ، و بما أنه يخشى أن ينخدع بهذه التسمية بعض العوام و ضعفة العقول و الأفهام ، فيظنونها حقا و هي بالحقيقة باطل ، أحببت أن أبين ما تحت هذه للكلمة من الضلال و سوء الاعتقاد في الأقوال ، فإن غايتها الضلال ، و أنه بهذا العنوان
قد طبع رسالته بطابع البطلان ، حيث سمى الاحتفال بالنعم واجب على الناس ، و هي بدعة منه
ولم نر من سبقه إلى القول به
» قل فأتوا بكتاب من قبل هذا أو إثارة من علم إن كنتم صادقين «
وينبغي أن نفهم معنى هذا الاحتفال الذي حكم بوجوبه على الناس لغة و عرفا ، إذ الواجب هو ما يثاب فاعله و يعاقب تاركه ، قال في القاموس : الاحتفال ، الاجتماع مأخوذ من حفل القوم
واحتفلوا إذا اجتمعوا واحتشدوا ، و محفل القوم و محتفلهم مجتمعهم ، و في الصحاح بمعنى ذلك.

فقوله : إن الاحتفال بالنعم واجب ، هو بدلا من القول و زور و ليس له مستند من المأثور
ولم يقل به عالم مشهور ، فإن نعم الله على العباد كثيرة
» و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها «
فلو أن كل نعمة ينعم الله بها على عباده يجب الاحتفال لها لعطل الناس منافعهم و متاجرهم
وبيعهم و شرائهم في سبيل الاحتفال لكل نعمة فتنقلب النعم حقهم نقم .

وإنما الواجب الشكر عند حلول النعم و زوال النقم ، و الشكر هو الاعتراف بالنعمة باطنا والتحدث بها ظاهرا ، وصرفها في مرضاة وليها و مسريها ، و كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه أمر يسره خر ساجدا شكرا لله على ذلك . فمتى أنعم الله على عبد بالصحة و العافية فمن واجبه أن يستعمل صحته في طاعة ربه و المحافظة على أداء واجباته من صلاته و صيامه
وسائر ما خلق لأجله ، مع مراعاة ما ينفعه في دنياه من وسائل الكسب و سعة الرزق وطلب الحلال المباح و من كل ما لا يضره بدينه ، فإن هذا من واجبات عمله و يدخل في عموم شكر صحته ، و إذا أنعم الله عليه بالغنى بالمال ، فمن واجبه أن يقوم بأداء زكاته و صلة أقاربه
والنفقة في وجوه البر و الخير الذي خلق لأجله ، فإن هذا هو عنوان شكر النعم المستلزم لنموها
وبركتها و ثباتها
» و إذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدك و لئن كفرتم إن عذابي لشديد « ، وإذا أنعم الله على الإنسان بالعلم و بالذكاء و الفطنة و المعرفة ، وجب عليه أن يصرف هذا العلم في سبيل ما ينفع الناس من اتباع السنن و اجتناب البدع ، بدلا من أن يشوق الناس إلى مثل هذه البدع بالدلائل البعيدة في سبيل تأييده و تمهيده لها .

إن طبيعة البدعة على اختلاف أنواعها التمدد و التفجر ، ثم التنقل من بلد إلى بلد على سبيل العدوى و التقليد الأعمى ، لحيث أنها تبتدئ بالأفراد على سبيل الاستحسان ، ثم بالجماعات ، ثم تقود إلى ما هو شر منها ، بحيث تكون الآخرة شر من الأولى ، و تكون كل عام شر من الذي قبله ، ثم ينشأ عن البدعة فنون البدع تقود إلى ما هو شر منها ، كما رأيت من فعل هذا الكاتب ، حيث حمله تعصبه على تأييد بدعة الاحتفال بالمولد النبوي إلى القول منه: بالاحتفال بالنعم و هي بدعة جديدة لم نر من سبقه إلى القول بها ، و قد استباح تحريف القرآن و صرفه عن المعنى المراد منه في سبيل إثبات هذه البدع بالدلائل البعيدة في سبيل تأييده و تمهيده .

و قد قال العلماء : أنه ما ظهر بدعة إلا رفع مقابلتها من السنة ، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة .

و أكثر ما يفسد الإسلام زلة العالم و جدال المنافق بالقرآن و حكم الأئمة المضلين ، كما قال عمر بن الخطاب .

و لو لا دفع الله من العلماء الصالحين لدفع الملحدين و دحض حجج المبطلين لفسد الدين
 و لكن الله سبحانه بفضله و رحمته لا يزال يغرس لهذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته ، ينفون عن الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين .

و هذا الاحتفال بالمولد الذي يبالغ في تحسينه و تأييده ، يفحش في مكان دون مكان و زمان بعد زمان ، حتى أشيع في بعض البلدان أن من لم يحضر المولد فإنه كافر ، وأن من لم يقم عند ذكرالرسول فليس بمسلم ، و هذا من فنون تنوع البدع ، و كل بلد لا يؤمر فيها بالمعروف
ولا ينهى فيها عن المنكر ، و ليس فيها رقابة دينية تمنع محدثات الأمور و البدع ، فإن اللازم أن تنشأ فيها فنون البدع و المذاهب الهدامة من كل ما يزيغ الناس عن معتقدهم الصحيح و يقودهم إلى الإلحاد و التعطيل لعدم ما يمنع إنشاء هذه الأشياء من أصلها ، لأن إنكارها هو مما يقلل فشوها و انتشارها ،
» و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون  « .

و مبنى الشريعة على حماية الدين و الأنفس و الأموال و العقول و الأعراض فهي قائمة على جلب المصالح و تكثيرها و درء المفاسد و تقليلها .

أما الاحتفال بالنعم أو بميلاد النبي أو بالإسراء به ، فإنها كلها من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ، فهي من محدثات الأمور التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم و قال: » كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة « لكون البدعة في اللغة هي الزيادة في الدين بعد كماله
وفسرت بأنها ما فعل على سبيل القربة مما لم يكن له أصل في الشرع ، و هذا الوصف منطبق على الاحتفال بالمولد أو الإسراء أو الاحتفال للنعم .

و أكثر من يشيدها و ينشطها هم العلماء القاصرة أفهامهم و الناقصة علومهم مما يجعل العامة يغترون بهم و ينبعثون على أثرهم ، و باستمرار فعلهم لها خاصة في هذا اليوم المعين يستقر في نفوسهم فضلها أو فرضها ، والعامي مشتق من العمى ، و قد قيل  » إن أكثر الناس همج رعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجئوا من الدين إلى ركن وثيق أقرب شبها بهم الأنعام السائبة ، اللهم بل لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله على عباده أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون عند الله قدرا ، يقيم الله بهم حججه على عباده حتى يؤدوها إلى نظرائهم ، و يزرعوها في قلوب أشباههم  « انتهى . و شبهوا غلط العالم بغرق السفينة ، يغرق بغرقها الخلق الكثير ، و قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم طريق الهدى و طريق الضلال ، و أن على كل طريق من طرق الضلال شيطان يدعوا إلى بدعته. وروى الإمام أحمد و النسائي عن ابن مسعود ، قال : خط رسول الله خطا مستقيما فقال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه و شماله ، ثم قال : هذه سبل على كل سبيل شيطان ، ثم قرأ:
» وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله « ، و قد سمع من بعض العلماء المضللين في محفل محشود و مجمع مشهود عقد لذكرى مولد الرسول ، فقال للحاضرين : إن من لم يقم عند ذكر الرسول فليس بمسلم ، فلينظر العاقل إلى هذه الكلمة التي طاش بها عقله و هواه فجعل فيها الحق باطلا و الباطل حقا و قد قيل :

ومتبع بالذنب ليس له ذنب

 

وكم من مليم لم يصب بملامه

و قد قال أنس بن مالك : أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم و كانوا يقومون إذا رأوه ، لما يعلمون من كراهته لذلك ، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس و هذه سنة رسول الله و سيرة أصحابه في حياته ، فما بالك بذلك بعد موته ، و ما هو إلا محض الغلو الذي نهى عنه ، و روى أبو داود ، بسند جيد عن عبد الله بن الشخير ، قال : انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ــ فقلنا: أنت سيدنا ، فقال السيد الله ـ تبارك و تعالى ــ فقلنا: و أفضلنا فضلا و أعظمنا عظما . فقال: » قولوا بقولكم أو بعض قولكم و لا يستجرينكم الشيطان« .

و عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أن أناسا قالوا : يا رسول الله ، يا خيرنا و ابن خيرنا
وسيدنا و ابن سيدنا . فقال :
» يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم و لا يستهوينكم الشيطان  أنا محمد عبده و رسوله و ما أحب أن ترفعوني فوق منزلي التي أنزلني الله عز و جل  « رواه النسائي بسند جيد» ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر  « .

فالرسول حما حمى التوحيد و سد طرق البدع و الغلو فيه بالإطناب بالمدح بالشعر أو النثر  لكون الإطناب بالمدح ليس من هديه ، و قد ورد النهي الشديد عنه و كذلك الصحابة من بعده بالغوا في حماية الدين و سد طرق البدع ، لكون البدع بريد الشرك ، و أول ما دخل الشرك على الناس هو بسبب الغلو في الأنبياء و الصالحين ، حتى صيروا قبورهم أوثانا يعبدونها ، و لما رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ــ أناسا يتسللون لواذا جماعة و فرادى إلى شجرة ، قال : ما هؤلاء يذهبون ؟ قالوا : يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ الصحابة تحتها و يصلون فيها . فقال عمر : اقطعوها ، فإنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم ، حتى جعلوا آثارهم معابد ، فأمر بقطعها ، فقطعت فكان آخر العهد بها ، فرحم الله عمر الفاروق ، فإنه لو ترك هذه الشجرة بحالها لصارت وثنا يعبد من دون الله ، بدعوى محبة رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ كما سنوا بدعة المولد و الإسراء ، بدعوى محبة رسول الله .

لكون البدع كبدعة المولد و غيرها تبدأ بالأفراد ، ثم تشتهر و تنتشر بالجماعات ، فتنتقل من بلد إلى بلد ، لكون الناس يقلد بعضهم بعضا في الخير و الشر و في نفوس الناس قبول للباطل ، بحيث تألفه و يتمركز فيها محبته ، و قد حفت النار بالشهوات ، كما حفت الجنة بالمكاره .

و كان أصحاب رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ بمثابة الحماة دون دخول البدع على الدين ، لأن كل بدعة تحدث ، فإنه يرفع مقابلتها من السنة فاقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة ، فمن ذلك ما روى الدارمي ، قال : أخبرنا الحكم بن مبارك ، أنبأنا عمر بن يحي ، قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه ، قال : كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد ، فجاءنا أبو موسى الأشعري ، فقال : أ خرج أبو عبد الرحمن ؟ قلنا: لا ، فجلس معنا فلما خرج ابن مسعود ، قال له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن ، إني رأيت في المسجد أمرا أنكرته . قال : فما هو ؟ قال : إن عشت فستراه . قال رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا في كل حلقة رجل و في أيديهم حصا ، فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة ، و يقول هللوا مائة ، فيهللون مائة ، و يقول : سبحوا مائة فيسبحون مائة . قال : فماذا قلت لهم . قال : ما قلت لهم شيئا أنتظر أمرك . قال : أ فلا أمرتهم أن يحصوا سيئاتهم و ضمنت لهم بأن لا يضيع شيء من حسناتهم . ثم مضى و وقف عليهم ، فقال : يا أمة محمد ، ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون و الذي نفسي بيده إنكم مفتتحوا باب ضلالة . قالوا : و الله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير . فقال : و كم من مريد للخير لم يصبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ حدثنا أن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، و أيم الله لعل أكثرهم منكم . قال عمر بن سلمة:
لقد رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج ، انتهى .

و لن تجد أفصح و لا أنصح من رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم في إنذاره و تحذيره عن البدع ، فقال جابر بن عبد الله : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطبنا احمرت عيناه
واشتد غضبه و علا صوته ، كأنه منذر جيش يقول : صبحكم و مساكم و يقول : إن خير الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ــ و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .

رجعنا إلى مناقشة صاحب الرسالة على علاته و وضوح زلاته و يظهر أنه متعصب في الجهالة ، غير عارف بحقائق الدلالة ، مع ما به من الغرور على مساوئ أقواله ، فتراه يقول
( إنك حين تقرأ هذه الرسالة باستيعاب يحملك على أن تحسب لكاتبها ألف حساب و توقن أنك أمام فكر عميق و سيولة في التحقيق و التدقيق ) .

فالجواب أن نقول : إنه لما نشر هذا الإعلان لإعلام الخاص و العام ، بأن لديه الفكر العميق و سيولة علم في التحقيق و التدقيق ، أصغينا إليه الآذان و أفرغنا له الأذهان ، و تتبعنا
ما عسى أن يورده من عميق الفكر و البيان و الدليل و البرهان ، فنتبعه على الرغم منا و الإذعان لأن  واجب المسلم قبول الحق و الانقياد له ، لكننا لما بحرنا عميق فكره وجدناه سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، و أنه من بعد تتبعنا لهذه الرسالة و الوقوف على حقيقة ما تقتضيه من الدلالة وجدناها أضغاث أحلام و لم توف بشيء من حقيقة البيان أو الدليل
والبرهان ، و من ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان .

فأبدى الكير عن خبث الحديد

 

سبكناه و نحسبه لجينا

إنه لم يأت على صحة ما يقول بدليل الغرور و الجزاف غير موزونة بمعيار الصحة
والصدق و الإنصاف ، ثم أخذ يركب لتحقيقها التعاسيف في الصدور و الورود ، و يستدل لها بما يعد بعيدا عن المقصود ، ديدن الحائر المبهوت ، يتمسك في استدلاله بما هو أوهي من سلك العنكبوت .

فشبه الماء بعد الجهد بالماء

 

أقام يعمل أياما رويته

ثم قال : ( أن كثيرا من أئمة علماء الإسلام من الحفاظ و الفقهاء و أصحاب السير كتبوا عن المولد النبوي و ما سبقه من الإرهاصات و ما يترتب عليه من البركات ، مما يحتاج كل قادر على التأسي بهم في هذا الميدان ) .

فالجواب ، أن هذا حق و قد أراد به الباطل ، فإن كل متصد للدعوة إلى الباطل فإنه يقدم أمام دعوته من الترويح بالحق ما يستدعي ستر الباطل تحته و قبوله معه لكون الناس لا يقبلون الباطل المحض ، و إنما يقبلونه إذا كان ملبوسا بحق ، قال الله تعالى : » يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل و تكتمون الحق و أنتم تعلمون  « ، فلبس الحق بالباطل هو تغطيته به ، بحيث يظهر للناس أنه حق و هو في الحقيقة باطل ، و من لوازم هذا اللبس كتمان الحق و عدم بيانه لعلمه أنه بين الحق لم يتم مقصوده في تنفيذ الباطل ، و هذا كله منطبق على تصرف هذا الكاتب
وإن سمى نفسه بالإمام العلامة ، فكان فيه حظ وافر و نصيب كبير من قوله تعالى:
» و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدى و لا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي و نذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك و إن الله ليس بظلام للعبيد« 

فأخبر الله سبحانه ، أن من الناس من يجادل في الله بغير علم نقلي يرشده إلى التحقيق
ولا هدى عقلي يهتدي به لسلوك أقوم طريق و لا كتاب منير ينقل منه و يقتدي به ، بل هو مسلوب الرواية و الدراية و مصروف عن الهداية ثاني عطفه : أي متكبر عن قول الحق و قبوله ليضل الناس عنه ، فجمع بين الضلال و الإضلال ، ثم إن أكثر علماء الإسلام و الحفاظ و أهل السير كتبوا في مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينوا حمل أمه آمنة بنت وهب به و ذكروا ولادته و رضاعه ، و خروجه رضيعا إلى الصحراء مع مرضعته حليمة السعدية كسائر أولاد قريش لكنهم يستمجدون رضاع نساء البوادي لأولادهم ، و ذكروا نشأته و حضانة عمه أبي طالب له ، و مبدأ نبوته و حماية أبي طالب له و دخوله مع عمه في الشعب و معارضة قومه لدعوته ، كل هذا يكتبونه و يقرأونه في المساجد و في المدارس و في المجالس و في كل الحالات و سائر الأوقات بعقل و أدب و احترام ، لا يقصدون بكتابتهم تشييد أو تنشيط هذه الاجتماعات
والاحتفالات التي أحدثها الناس ، فإن علماء السلف متفقون على أنها من محدثات الأمور التي نهى عنها رسول الله أشد النهي ، لكونها محدثة في الدين و تقود إلى ما هو شر منها ، فإن البدع بريد الكفر ، و حسبك أنه قد شاع في بعض البلدان أن من لم يحضر المولد فإنه كافر و من يقم عند ذكر ولادته فإنه كافر . فكل هذا و أمثاله نتيجة هذه البدعة .

و إنما يقصدون في ذكر مولده الاحتفاظ بتاريخه ، إذ هو نبي الرحمة ، و لم نجد في شي ء من الكتب المتعمدة القول باستيعاب التجمع و الاحتفال بمولده و لا في اليوم الذي أسرى به
ولم نجد من علماء المسلمين المتقدمين والمتأخرين من يقول: أن الاحتفال بالنعم واجب كما يقوله هذا الكاتب
» قل فأتوا بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين « ، ثم قال: ( و هذا أوان الشروع في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي و تأييده بالأدلة العقلية و النقلية و الاجتماعية بما لم يسبق له مثيل ، و ذلك أن ميلاد محمد ـ صلوا ت الله و سلامه  عليه ــ نعمة و كذلك ميلاد أنبياء الله و حملة رسالاته ، و لقد نوه القرآن بميلاد مريم و ابنها و نوه بميلاد يحي بن زكريا
و لقد احتفل القرآن بميلادهم و إليك بعض الآيات التي احتفلت بميلاد من سبق ذكرهم ــ ثم ساق في استدلاله صدر سورة آل عمران و بعض آيات من صدر سورة المائدة ) انتهى كلامه.

فالجواب : أن نقول أن كل ما كره من الأدلة العقلية و النقلية و الاجتماعية في مشروعية الاحتفال بالنعم ، فكله من الكذب و المكشوف المفترى على الله و على كتابه و دينه ، قصد به نصر رأيه و إعلاء كلمته و استباح لأجله صرف القرآن عن المعنى المراد به بتحريفه عن مواضعه ، فكان كما قال:

هو استوفى الشروط فكان ذا بطلان

 

لا وافق الحكم و لا

و أن هذا الآيات التي سردها و الأقوال التي أسندها و استدل بها ، كلها خارجة عن موضوع البحث الذي يريد تأييده ، فلا يتعلق به بصلة ، و لكنه مزجى البضاعة من معرفة الصناعة ، إذ موضوع البحث مشروعية الاحتفال بمولد الرسول و بمولد سائر الأنبياء ، و بما أن الاحتفال هو التجمع و التحشد ، و لا أدري من أين أخذ وقوع الاحتفال بمريم و عيسى و يحي بن زكريا ، و أين مكانه و متى زمانه ، و هل وقع في السماء من الرب مع ملائكته أو في الأرض
وأين الدليل الشرعي في صحته و مكانه و لكنه لجهله العريق و جفائه العميق يوهم الناس أن الاحتفال بمولد الرسول أنه مجمع عليه بالمعقول و المنقول و هو كذب و زور ، فكل العلماء المحققين بريئو ن مما يقول ، فهو لجهله لا يفرق بين المشروع و غير المشروع و لا بين ما فعل للعادة أو العبادة .

و قد قيل : أن أفضل الكلام ما جلى الحقائق و هدى لأقوم الطرائق و هذا الكاتب قد اعتاد إلقاء مثل هذه الجمل من كيس نفسه على سبيل الخرص و الجزاف غير موزونة بميزان الصحة و الإنصاف ، لأنه قد صرف جل عقله و عمله و اهتمامه إلى تأييد رأيه و التمويه على الناس بصحته و هو باطل من أصله و لم يورد حرفا واحدا لصحته ، و كأنه يملي كتابه على قطيع من البقر لا على علماء من نقاد البشر ، الذين يعرفون المعروف و ينكرون المنكر و الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى و يبصرون بنور الله أهل العمى إذ لو لا من يقيمه الله لحماية الدين و دحض شبه الملحدين ودفع بدع المبتدعين لفسد الدين .

والمقصود أن بركة الرسول على أمته لا تعد و لا تحصى ، و أنه رحمة للعالمين و حجة على الخلق أجمعين ، و قد امتن الله ببعثة على المؤمنين ، فقال : » لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين « فقد بلغ الرسالة و أدى الأمانة و نصح الأمة .

و لما قسم رسول الله غنائم حنين و أعطى المؤلفة كل واحد مائة من الإبل فوقع في نفس الأنصار شيء من ذلك و قالوا : » يعطي غنائمنا صناديد العرب ، و يدعنا فسمع رسول الله بخبرهم فجمعهم ثم قال : » يا معشر الأنصار ، أ لم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي و عالة فأغناكم الله بي ، و متفرقين فجمعكم الله بي ، و في كل كلمة يقولون الله و رسوله أمن ، ثم قال: ألا ترضون أن ينصرف الناس بالمال و تنصرفون برسول الله إلى رحالكم . قالوا : قد رضينا
قد رضينا
« و سيأتي الكلام على هذه الآية فيما بعد إن شاء الله .

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلب من أمته على هدايته و دعوته منة و لا على عمله مكافأة و أجرا إلا بالدعاء و كثرة الصلاة و التسليم عليه ثم بمتابعته بامتثال أمره و اجتناب نهيه ، لقوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ : » كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي قالوا : و من يأبى
يا رسول الله ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد أبى 
« ، و أن لا يعبدوا الله إلا بما شرع لا بمجرد الاستحسان و البدع ، يقول الله » قل لا أسألكم عليه وأجرا و ما أنا من المتكلفين
إن أنا إلا نذير مبين
« فليس من شأن الرسول و لا من هديه الإطراء و المبالغة في مدحه بشعر شوقي أو غيره ، بل هذا من منهياته ، قد قال ــ صلى الله عليه و سلم : » لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله و رسوله  « . رواه البخاري و مسلم.
والإطراء هو مجاوزة الحد في المدح و الثناء ، وقد قدمنا قول عبد الله بن الشخير ، لما قدم في بني عامر ، فقالوا : أنت سيدنا و أفضلنا ، فقال : قولوا بقولكم أو بعض قولكم و لا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد عبد الله و رسوله ، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله . مع العلم أنه سيد الأولين و الآخرين على الإطلاق ، و أنه أفضل الناس على الإطلاق ، و مع هذا قال:
» لا تفضلوني على الأنبياء « ، كله حرص منه ــ صلى الله عليه وسلم ــ على حفظ أصل الدين لئلا يتجارى بهم الهوى في حبه إلى الغلو الذي نهى عنه بقوله : » إياكم و الغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو « لأنها إنما عبدت قبور الأنبياء بالغلو في محبتهم .

 فهذا قوله في حياته و ينطبق على حالته بعد وفاته ، لأن ما كره في حياته فإنه يكره بعد وفاته ، كما كره العلماء رفع الصوت عند قبره .

و قد بالغ هذا الكاتب في مدح شوقي ، على شعره و رفع عقيرته بمدحه ، لحيث أنه
قد وافق هواه في الإطراء ، و متى جاء سيل الله بطل نهر معقل ، ثم قال :

( قد يعترض معترض و يقول قائل : أنه ليس فيما ذكرتموه سابقا دليل ناصع على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي على النحو المعروف .

و نحن نقول : إن هذا الاعتراض لا يصلح ردا لمشروعية الاحتفال بنعم الله و منها ميلاد محمد ــ عليه الصلاة و السلام ــ ) .

و الجواب : أن من عادة الله في خلقه أن كل من أسر سريرة أو استبطن عقيدة ، فإن الله سبحانه يظهر سر عمله و عقيدته على فلتات خطابه و صفحات كتابه ، إن خيرا فخير و إن شرا فشر ، لأن كل إناء ينضح بما فيه و عادم الخير لا يعطيه ، قال تعالى » ذلك و لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم و لتعرفنهم في لحن القول « و هذا الكاتب قد اعترف على نفسه بما عسى أن يقول الناس فيه بأنه ليس فيما يورده دليل صحيح على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي لا من القرآن و لا من قول الرسول و لا من قول أحد من الصحابة و التابعين و لا من أئمة المذاهب
فهذا مجرد اعترافه على نفسه و هو واقع و الناس صادقون فيما يقولون ، فمن العناء العظيم استيلاد العقيم و الاستشفاء بالسقيم ، فما أبعد البرء من طبيب داءه من دوائه و علته من حميته
بل ثبت عن رسول الله ما يدل على صريح النهي عنه حيث قال
» عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة « و هذا من محدثات الأمور بإجماع علماء المسلمين و إن سماه من سماه بدعة حسنة ، فليس في الشرع بدعة حسنة ، بل كل بدعة سيئة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ، ثم إنه حاول الفرار من هذه البدعة إلى بدعة أخرى و هي أشنع منها و هي بدعة الاحتفال بالنعم ، فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار ، فإن استدلاله بالاحتفال بالنعم هو استدلال فاسد بالنص و القياس و لن يقول أحد ممن يحتج به أنها سنة أو بدعة حسنة ، و حسبنا شهادته على نفسه بأنه ليس فيما يورده دليل صحيح على مشروعية هذا و لا ذاك ، فكان كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثا و غايته أنه يتقلب مع الأهواء و يخبط خبط عشواء والعالم و النحرير و المفكر البصير إنما يستدل بالدلائل المنقولة والمعقولة مما يشهد علماء المسلمين بصحته ، لأنها أوقع في القلوب و أليق بالقبول ، لأن العلماء يحاربون البدع بالسنة ، أما القول الخارج عن معيار الصحة من سائر أقوال الناس ، فإن كل أحد يقدر على رده و المقابلة بضده ، فيكون استدلال بدعة ببدعة يزداد بها الطين بلة .

فأكثر ما أعلك ما شفاك

 

و إذا استشفيت من داء بداء

إنه متى ساء الهم ساءت النتيجة ، و إذا ساءت النتيجة فسدت الغاية ، لقد رأينا هذا الكتاب ــ هداه الله ــ لما تقحم الخوض في موضع سنية الاحتفال بالمولد دليلا واضحا يؤيده و لا نصا صريحا يسنده . اضطره انتصاره لهذه البدعة إلى بدعة أخرى قد سنها بنفسه ابتداء و لم نعلم من سبقه إلى القول بها و هي الاحتفال بالنعم ، ثم استباح في تأييدهما صرف القرآن عن مواضعه إلى غير المعنى المراد منه ، ليقيم من ذلك حجة على الاحتفال بالنعم و الاحتفال بالمولد النبوي ، فأكثر في سبيل ذلك من الصدر و الورود و الاستدلال بما يعد بعيدا عن المقصود ، ديدن الحائر المبهوت يتمسك في استدلاله بما هو أوهى من سلك العنكبوت ، و يظهر أنه مزجى البضاعة من هذه الصناعة ، فليس للشريعة معظما و لا للقرآن محترما لا للحديث موقرا ، فانظر إلى كلامه في سائر كتابه تجده لا طالب أثر و لا متبع خبر و لا مناضلا عن سنة و لا راغبا و مرغبا في أسوة حسنة ، يتلعب بالقرآن العظيم و يحاول أن يجعل منه أمثالا للبدع السيئة ليخدع بها العوام
وضعفة العقول و الأفهام .

له عن عدو في لباس صديق

 

و إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت

ثم قال : ( و لدينا دليل آخر مدني أنصاري نقله إمام السنة أحمد بن حنبل و حكاه عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ، قال أحمد : ثبت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : لو نظرنا يوما فاجتمعنا و ذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا ، فقالوا : يوم السبت . فقالوا:
لا نجامع اليهود في يومهم . قالوا : الأحد . قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم . قالوا : فيوم العروبة ، و كانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة ، فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زراه
فذبح لهم شاة فكفتهم ) . انتهى .

فالجواب : أننا بحمد الله نؤمن بالكتاب كله من كل ما ثبت عن الله و رسوله ، و لسنا ممن يؤمن ببعض الكتاب و يكفر ببعض و يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ، و هذا الذي ذكره من اجتماع الأنصار يطالبون بيوم يجتمعون فيه لعبادة ربهم هو صحيح كما وصف ، و أما صلاتهم الجمعة ، فإنما وقع بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ــ لما تتابع المهاجرون إلى المدينة ، أمر مصعب بن عمير ، بأن يصلي بهم الجمعة و يترجح أنها فرضت الجمعة مع فرض سائر الصلوات ، و الله سبحانه قد افترض الصلوات الخمس و آكدها صلاة الجمعة و التي هي عيد الأسبوع و التي هي أفضل من عيد الأضحى و عيد الفطر ، فاختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة
كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه ــ قال :
» أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، و للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا ، فهدانا ليوم الجمعة نحن الآخرون السابقون « . و في رواية » بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا و أوتينا من بعدهم
فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه ، فهدانا الله له 
« فافترضت الجمعة على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة كسائر الصلوات الخمس ، لكنه لم يتمكن من إقامتها بمكة من أجل أن المشركين يمنعونه من ذلك ، و لما هاجر بعض أصحابه إلى المدينة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ــ مصعب بن عمير بأن يصلي الجمعة بالناس .

قال عبد الرحمن بن كعب ، و كان قائد أبيه بعد ما عمى ، قال : كان أبي إذا سمع أذان الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة . فقلت : يا أبت إنك إذا سمعت أذان الجمعة ترحمت لأسعد بن زرارة . قال : نعم أي بني إنه أول من جمع بنا في حرة بني بياضة في نقيع الخضمات فذبح لنا شاة فتغدينا عنده ، قلت ، كم كنتم ؟ قال : كنا أربعين . رواه أبو داود و ابن ماجه .

و قد استدل به من اشترط لصحة الجمعة حضور أربعين من أهل وجوبها و ليس فيه دليل قاطع على اشتراط هذا العدد ، لأنها قضيت حال وافق كونهم أربعين بدون تحديد لهذا العدد منه ــ عليه الصلاة و السلام ـ و الصحيح أن الجمعة تصح و لو بدون أربعين و لو بدون اثني عشر من أهل وجوبها و من غيرهم .

أما أول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ـ مباشرة منه ، فهي في مسجد بني عبد الأشهل بالمدينة ، حين قدم مهاجرا فوافق قدومه يوم الجمعة فنزل على أبي أيوب الأنصاري
فصلى بالناس .

و سميت جمعة ، لأنها مشتقة من الجمع ، و أن أهل الإسلام يجتمعون فيها في كل أسبوع مرة يتفرغون فيها لعبادة ربهم ، و أنزل الله » يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون  « ، لهذا حرم الفقهاء تعدد الجمع لغير ضرورة ، و النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا على أربعة : مملوك وامرأة و صبي و مريض  « . رواه أبو داود من حديث طارق بن شهاب ، و قال : لم يسمع طارق من النبي صلى الله عليه وسلم ، و رواه الحاكم عن طارق بن أبي موسى ، و هذا الاجتماع هو مشروع بالكتاب و السنة و إجماع الأمة ، و قد تواترت الأحاديث الكثيرة في فضلها و المحافظة على فعلها و الوعيد الشديد في تركها ، فروى مسلم عن ابن عمر ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ــ يقول على أعواد منبره : » لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين  « فلا يقاس هذا الاجتماع المشروع على الاجتماع للمولد الذي ليس له أصل من الكتاب و لا من السنة و لا من فعل الصحابة و التابعين و لم يقل بمشروعيته أحد من أئمة المذاهب ، و يترتب عليه مفاسد كثيرة فكيف يقاس على يوم الجمعة الذي يجتمع فيه المسلمون لعبادة ربهم ، منهم المصلى و منهم التالي للقرآن و منهم المسبح و المستغفر ، و إذا قام الخطيب يذكرهم استمعوا له و أنصتوا ، و لهذا كره للرجل أن يتخطى رقاب الناس و أن يتكلم و الإمام يخطب ، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، أو من قال لصاحبه : أنصت فقد لغا و من لغا فلا جمعة له ، و الجمعة الصحيحة تكفر ما بينها و بين الجمعة الأخرى ، و فضل ثلاثة أيام ، فهذا الاجتماع بهذه الصفة هو شرع الله الحكيم و دينه القويم الذي قال الله فيه : » ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين
لا يعلمون
« . أما الاجتماع للاحتفال بمولد الرسول أو الإسراء و المعراج أو الاحتفال بالنعم
فإنه من شريعة المخلوقين ، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ، فكيف يقاس شرع الله الحكيم بشريعة المخلوقين الذي قام بتشريعه علماء الضلال فتبعهم العامة عليه ، لظنهم أنه دين وحق وهو باطل في نفس الأمر والواقع إذ لو كان خيرا لسبقونا إليه ، ثم إن أكثر هؤلاء يخدعون العوام و يغشونهم و يلبسون عليهم باسم الدين فيجعلون لهم الباطل حقا و البدعة سنة
بسبب ما يترتب على هذا الاحتفال من المآكل الشهية ، كما يقول هذا بأنه مشروع بالأدلة العقلية و النقلية و الاجتماعية ، ثم يقيسه على اجتماع الناس للجمعة و العيد و يجعل صوم النبي يوم عاشوراء ، حيث أنجى الله فيه موسى و قومه أنه من الاحتفال بالنعم ، فيا سبحان الله ، متى كان الاحتفال بالنعم مشروعا و في أي كتاب وجده أو أي عالم قال به ، و إذا كان الاحتفال هو التجمع و محفل القوم مجتمعهم ، فأين هذا من ذاك و كأنه يملي كتابه من تفكير منامه ، لا من عقله
يقول الله :
» و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم
ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله
« ، و كل قول لا دليل عليه يقدر كل أحد على رده ، و المقابلة بضده ، و العامي بلا شك ينخدع بمثل هذه الأقوال و يعتقد مشروعيته بالقرآن
سيما إذا نمقه قائله بزخرف القول و خداع الألفاظ ، بحيث تروج صحته في أذهان العوام
وضعفة العقول و الأفهام . كما قيل:

و الحق قد يعتريه سوء تعبير

 

في زخرف القول تزيين لباطله

و إن تشأ قلت هذا قيئ الزنابير

 

تقول هذا مجاج النحل تمدحه

و الحق قد يعتريه سوء تعبير

 

مدحا و ذما و ما جاوزت وصفها

ثم قال : ( إن حديث كل » بدعة ضلالة « معارض أو مخصص بحديث أوضح منه و أكثر طرقا و هو حديث » من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة و من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة  « . رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله .

فالجواب أن نقول : لقد عرف هذا الكاتب أن عملهم في الاحتفال بمولد الرسول ، أنه بدعة لكنه أراد أن يزيل اسم هذه البدعة بحديث من سن في الإسلام سنة حسنة إلى آخره ، فمتى تحقق أنه بدعة حسبما شهد به على نفسه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ قال : » كل بدعة ضلالة و هي نكرة مضافة تعم كل بدعة ، فليس في الشرع بدعة حسنة ، بل إن البدعة تنافي السنة
وتنافي الحسنة و كل بدعة سيئة و لو كان عند هؤلاء محبة صحيحة للرسول لا تبعوا أمره اجتنبوا نهيه ، و حيث تقرر عنده أنها لم تكن معرفة زمن النبي صلى الله عليه و سلم ــ و لا زمن أصحابه ، فإنها تعتبر زيادة في الدين
» أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله  « .

و البدعة هي ما فعل على سبيل القربة مما لم يكن له أصل في الشرع فهي زيادة في الدين بعد تمامه ، و هي بدع من القول و زور ، و قد قيل : اتبعوا و لا تبتدعوا ، قالوا : كل عبادة
لم يتعبدها رسول الله و أصحابه ، فلا تتعبدوها ، فإن الأول لم يترك للآخر مقالا فيما يتعلق بشأن العبادة و القرب الدينية .

و كل شر في ابتداع من خلف

 

و كل خير في اتباع من سلف
 

فالبدعة حسنة إنما تكون في العادات لا العبادات ، ثم قال : ( إن الاحتفال بالمولد النبوي إنما يكون بذكر الله و الصلاة على رسول الله و ذكر سيرته و فضله و بإطعام الطعام و إفشاء السلام و التقاء الإخوان على رياض جنة الذكر ) .

فالجواب أن نقول : إن كل بدعة اختلاف على أنواعها ، فإن طبيعتها التمدد من الذكر إلى فنون من المنكر ، لأن البدع بريد الكفر و رب مريد للخير لا يدركه و إنما حذر النبي صلى الله عليه وسلم عنها و حرص الصحابة على إزالتها ، حيث قطع عمر بن الخطاب الشجرة التي كانوا يصلون تحتها و يقولون أن النبي بايع الصحابة تحتها ، و مثله نهى ابن مسعود و أبي موسى الأشعري للجماعة الذين يجتمعون و يقول أحدهم : هللوا مائة فيهللون مائة ، و يقول : سبحوا مائة فيسبحون مائة ، و يقول : كبروا مائة فيكبرون مائة ، فزجرهم هذا و قال لهم : أحصوا سيئاتكم و نحن كفلاء بأن لا يضيع من حسناتكم شيء و إنما دخلت الوثنية على العرب ، بسبب الغلو في الأنبياء و الصالحين ، حتى صيروا قبورهم أوثانا يعبدونها و ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مكانها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة . 

إنه لو كان عمل هؤلاء صحيحا في محبة الرسول لاتبعوا أمره واجتنبوا نهيه وأكثروا من الصلاة والتسليم عليه وهم في بيوتهم وطرقهم ، ولكن هذه المآكل الشهية التي أشار إليها الكاتب بقوله : إنهم يطعمون في هذا المحفل الطعام ويلتقي عليه الإخوان ، فإن هذا هو أكبر عامل لتشييد هذه البدعة ، فإن البراطيل تنصر الأباطيل .

وأما حديث  » من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة« فإن السنة الطريقة تطلق على العمل الحين وعلى العمل السيئ ، ولكل وارد في الكتاب والسنة ، أما السنة الحسنة ففي قوله : » لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة  « ، ومنه قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : » عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، و إياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة  «  ومعنى سنة الخلفاء أي طريقة الخلفاء الراشدين .

نظيره قول عمر بن عبد العزيز : لقد سن رسول الله و أولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة في دين الله ، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في يخالفها ، من اهتدى بها فهو المهتدي ومن استنصر بها فهو المنصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا .

فلا يظن أحد أن الخلفاء الراشدين يسنون الناس سننا من العبادات تخالف أمر الرسول ونهيه ، لأن التشريع خالص حق الله ورسوله .

أما السنة السيئة ، فقد جاء بها الحديث في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : » لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه « ، و قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال : فمن؟ يعني طرق اليهود والنصارى . ومثله ما روى مسلم عن بن عباس ، قال : قال رسول الله : » أعتى الناس على الله ثلاثة : من قتل غير قاتله أو قتل لدخل الجاهلية أو ابتغى في الإسلام سنة الجاهلية ، الجاهلية في عملها وقولها ، ومثله حديث : ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه أول من سن ليقتل ، فقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : » من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها  « يفسره ما ثبت في الحديث نفسه الذي رواه مسلم عن جرير بن عبد الله أنه قال : كنا عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في صدر النهار فجاء قوم غزاة عراة مجتابي النمار متقلدي السيوف عامتهم من مضر ، بل كلهم من مضر ، فتمعر وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة فدخل  وخرج ثم أقبل و أدبر ، ثم خطب الناس فقال : » يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرة ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام « . تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره . حتى قال: و لو بشق تمرة ، فتتابع الناس فجاء رجل بصاع تمر فلمزه المنافقون و قالوا : إن الله غني عن صاع هذا ، ثم جاء رجل بصرة دنانير كادت كفه أن تعجز عنها ، فقالوا : مرابي ، حتى اجتمع عند رسول الله كومين من الطعام و كان إذا سر استنار وجهه ، فقال : » من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة « يريد بذلك صاحب الصرة . و تتابع الناس بعد على القدوة في الصدقة ، و لهذا قال العلماء : إن الإعلان بالصدقة متى كان يقتدي به أفضل من إخفائها ، يقول الله » إن تبدوا الصدقات فنعما هي و إن تخفوها و تؤتوها الفقراء فهو خير لكم« فمدح كلا الحالتين .

فليس في الحديث دليل على صحة ما يرمي إليه الكاتب من تسمية البدع بالسنة الحسنة أو البدعة الحسنة .

و إذا أردنا أن نفسر السنة الحسنة لم نجد لها تفسيرا أوضح و لا أفصح من تفسير النبي لها في هذا الحديث و قضية الرجل الذي تصدق بصرة الدنانير و أخذ الناس يتبعونه في الصدقة كل على حسبه و الفضل للمتقدم ، و إذا أردنا أن نعرف السنة السيئة لم نجد لها تفسيرا أقرب من تفسيرها بالاحتفال بالمولد النبوي ، سنة الفاطميين من أهل مصر ، ثم تبعهم الناس على ضلالهم لأن الناس مقلدة لبعضهم من بعض في الخير ، لما رأوا النصارى يعظمون مولد المسيح
ويجعلون لهم عيدا يعطلون فيه المتاجر و البيع و الشراء ، أخذوا يقتدون بهم في تعظيمهم المولد النبوي ، ثم اشتهر و انتشر في البلدان على سبيل العدوى و التقليد الأعمى ، و من عادة البدع على اختلاف أنواعها أن يقود بعضها إلى البعض حتى تكون الآخرة شر من الأولى ، فقد نشأ عن هذه البدعة بدعة أخرى سنها الكاتب و هي بدعة الاحتفال بالنعم ، حيث يزعم أنه واجب
فالاحتفال بالمولد هو من سنة الفاطميين ليس من سنة الدين و يرجع إلى أتباع النصارى في مثل عيدهم ، فهو من تقليدهم و التشبه بهم و ليس من عمل السلف الصالح ، و بهذا نعرف بأنه
لا تعارض بين قوله :
» إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة « و بين قوله : » من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجرمن عمل بها إلى يوم القيامة « و أن الكل حق و معنى السنة الطريقة و سنة الرسول طريقته .

كما أن من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل من اتبعه ، إذ ليس ذلك الصحابي هو الذي سن الصدقة ابتداء من غير سبق الشرع بها ، فإن الصدقة ثابتة بالكتاب و السنة و الإجماع على هذه الأمة و على سائر الأمم قبلها ، كما قال تعالى : » و إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل
لا تعبدون إلا الله و بالوالدين إحسانا و ذي القربى و اليتامى و المساكين و قولوا للناس حسنا
وأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم و أنتم معرضون
« .

لقد علمنا من هؤلاء المشايخ الذين يتصدون للجلوس في صدر المحفل النبوي و يتبعهم الناس في عملهم و يقولون : أنه سنة حسنة أو بدعة حسنة ، يبرهن بزعمهم عن محبة الرسول
وتعظيمه في قلوب العوام ، فإن هذا القول و الفعل باطل قطعا ، فإنه بالاستمرار على فعله كل عام يصير سنة عند العوام متى غيرت قالوا : غيرت السنة ، فيلحقون في الدين ما ليس منه
وما لم يأذن به الله و رسوله . فتمسك بالسنة خير من إحداث بدعة .

و قد علق الناس على هذه البدعة ما يستدعي قبولها و إقبال الناس إليها من ذلك قولهم : أن من يحضر المولد النبوي فإنه يصح في جسمه و يعافى في ولده و يسعد بالأرباح الطائلة في ماله  و ينشرون بين الناس بأن الرسول يحضر محفل المولد و يعرف الحاضرين و يقولون بوجوب القيام عند ذكره و عند ولادته ، و أن من لم يحضره فإنه يبتلي بالمرض في جسده و أولاده
ويخسر في ماله و لا يدخل شفاعة الرسول ، و حسبك ما أملاه هذا الكاتب من تمثيله بصلاة الجمعة و العيد و بصيام عاشوراء و الاثنين و غير ذلك ، ثم استباحة صرف الآيات القرآنية عن المعنى المراد منها بتحريفها إلى غير معناها في سبيل نصر رأيه و تقوية باطله ، و أن من طبيعة البدع على اختلاف أنواعها كهذه البدعة و غيرها أنها تتوسع و تتفجر إلى فنون من الشر ، فإذا أردت أن تبحث عن حقيقة ذلك فاسأل عن بدعة المولد و عما يفعله الناس فيها في مصر و لبنان وسوريا و العراق و إيران ، و أنهم قد أحدثوا فيها أشياء كثيرة من الغلو و الإطراء و البكاء
والنياحة و ضرب الخدود و القيام و القعود و ضرب الدفوف و شرب الخمور و اختلاط الرجال بالنساء و أنواعا من المفاسد حتى ألحقوا مولده بلهو الحديث ، لأن كل ما نهى عنه رسول الله
فإن مفسدته راجحة و مضرته واضحة ، و أن لم يظهر ضررها حالا فإنه سيظهر بعد حين
لا يقال أن الاحتفال بالمولد سنة فجهلها الصحابة و السلف الصالح و لا أنهم علموها فتركوا العمل بها ، كل هذا لا ينطبق عليهم و الدين كامل قبلها و قد قيل :

المولد و المأتم و الزار

 

ثلاث تشقى بهن الدار

ثم قال : ( لا ريب أن مضاعفة الأجور العظيمة إنما كانت للأتباع في الابتداع الحسن الذي هو الاستنان الحسن لحديث  » من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة« وهذا الحديث قاض على كل ما يقوله خصوم البدعة الحسنة و هو يدك دكا قولهم : أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة ، و قولهم لو كان خيرا لسبقونا إليه ، و لا ريب أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة و سنة حسنة وفق الله لها من سنها و عمل بها و جعل له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) .

فالجواب أن نقول :

أ نحب فيقضى أم ضلال و باطل
 

 

ألا تسألان المرء ماذا يحاول
 

إنه في آخر الزمان يصير العلم جهلا و الجهل علما و البدعة سنة و السنة بدعة ، ينشأ على هذا الصغير و يهرم عليه الكبير ، حتى إذا غيرت البدعة قالوا غيرت السنة و هذا الكاتب مبتلى بقلب الحقائق في المعقول و المنقول ، فيجعل البدعة الحسنة سنة و السنة بدعة ، و يجعل المأزور على تأسيس البدع مأجورا فيحرف الكلم عن مواضعه و يخالف الحق مخالفة غير خافية على أحد  لاعتقاده أنه قد وضع ناموسا للناس بعقله و لن يخر فريسة لتعاليمه السخيفة سوى همجي رعديد قليل العلم و المعرفة بحقائق العلوم النافعة و لا يروج إلا على كم هو أجهل الناس و أقلهم معرفة و علما .

يزيف الحق القويم و يزخرف الباطل الذميم و يصد عن الصراط المستقيم و يقول هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، و حسبنا اعترافه على نفسه ، بأن الاحتفال بالمولد بدعة ، و قد أراد التهرب من مسمى هذه البدعة بقوله : إنها بدعة حسنة ثم أفرغ الثناء على من سن هذه البدعة
وحكم له بأجور من علم عمل بها عكس ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم ــ فقد حكم حكما يقطع عن الناس النزاع و يعيد خلافهم إلى مواقع الإجماع ، و هو أن كل بدعة ضلالة و لا ندري هل نقدم حكم رسول الله أم حكم صاحب الرسالة ، فإن بدعة الفعل و الزور لن تنقلب عملا صالحا مبرورا إذ الأسماء لا تغير الحقائق عن مسمياتها و البدعة في اللغة هي : الزيادة في الدين بعد كماله ، فسروها أيضا بأنها : ما فعل على سبيل القربة مما لم يكن له أصل في الشرع .

فليس في شريعة الإسلام بدعة حسنة قطعا و إن غلط بعض العلماء في ذلك و قد جاءت الشريعة الإسلامية بجلب المصالح و تكثيرها و درء المفاسد و تقليلها ، و أن الوسائل لها أحكام المقاصد ، فكل ما نهى عنه رسول الله من محدثات الأمور ، فإن مضرته واضحة و مفسدته راجحة و إن لم تظهر للناس في الحال ، فإنها ستصير إلى ذلك في مستقبل الزمان ، فلا راد لحكم رسول الله و لا مبدل لكلماته .

و إنما قطع عمر الشجرة التي كان الناس يتحرون الصلاة تحتها و هي الشجرة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم ــ الصحابة تحتها ، لعلمه أن هذه الصلاة في خاصة هذا المكان ستؤول إلى فتنة من عبادة هذه الشجرة ، لأن ما أهلك من قبلنا و أوقعهم في الشرك هو تتبعهم آثار أنبيائهم حتى جعلوا قبورهم أوثانا يعبدونها و الدفع أيسر من الرفع ، و اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة .

و هذا الكاتب مبتلى بقلب الحقائق في المعقول و المنقول و في تأويله و القرآن و أحاديث الرسول ، فيجعل من ابتدع بدعة ضلالة مما ليس له أصل في كتاب الله و  لا عن سنة رسول الله و لا عن الصحابة و التابعين و لا عن أحد من أئمة المذاهب الأربعة أنه مصيب في عمله و أنه
قد سن للناس سنة حسنة له أجرها و أجر من عملها ، فهو يسير على نسبة عكسية من قول الرسول و حكمه ، كما أن من دعا إلى الضلالة فإن عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، و صدق الله و رسوله و كذب من افترى عليه و زاد في الدين ما لم يأذن به الله
و رسوله.

و هؤلاء الذين يجادلون في إثبات سنية المولد هم يعرفون من المفاسد المترتبة عليه أكثر مما نعرف ، لكنهم يجحدونها لكون هذا الاجتماع كما أشار إليه الكاتب من أنه ( يلتقي فيه الإخوان و يطعم الطعام ) و حبك الشيء يعمى و يصم و البراطيل تنصر الأباطيل ، و لقد كان من الحزم و فعل أولى العزم في حق هذا الكاتب هو أن يصرف شيئا من جهده و جهاده و نشاطه إلى دعوة الناس إلى ما دعاهم إليه كتاب ربهم و سنة نبيهم بالوصية منه في سلوك طريق السلف الصالح و نهى الناس عن البدع الغاشية و الظلمات الغاشية ، و يفسر لهم النصوص التي جعلت قبور الصالحين و الأنبياء أوثانا و أن سببه هو الغلو في الدين و الغلو في الأنبياء و الصالحين
وينهى عن اتخاذ القبور مساجد و عن تعليتها و بناء القباب فوقها ، و إيقاد السرج عليها ، و ينهى عن الذبح للقبر و الذبح للجن و الذبح للزار ، و أنه شرك بالله ، يأمر بالوقوف عند حدود السنن
واجتناب البدع ، و يأمر بالمحافظة على فرائض الصلاة و الصيام و سائر شرائع الإسلام
والإكثار من الدعاء و التضرع و كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل الحالات
وسائر الأوقات ، فإنها من أجل الطاعات و أفضل القربات ، و أن هذه الأمة تفترق على ثلاث
وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قالوا : و من هي يا رسول الله ؟ قال:
» من كان على مثل ما أنا عليه و أصحابي « ، فلو ذكر الناس بمثل هذا لكان أفضل له و أعظم لأجره و لكان له أجر من عمل به .

و أحسب أن الحي ليس بآهل
 

 

أنادي فلا ألقى مجيبا سوى الصدى

و أما الاستدلال بجمع الصحابة للقرآن على البدعة الحسنة .

فجوابه : أن جمع القرآن ليس من البدعة الحسنة في شيء ، بل من الأمر المحتم المفروض على خاصة الصحابة و على كافة الأمة لو تركوه أثموا .

لأن حفظ القرآن عن ضياعه و نسيانه ، واجب ، و كان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم تدريجيا حسب الوقائع ، و قالوا : » لو لا نزل القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا و لا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا « فبقى مفرقا في صدور الرجال وفي الصحف و الرقاع و اللخاف ، فما كانت وقعة اليمامة في قتال مسيلمة
وأصحابه و استحر القتل في القراء من الصحابة ففزع عمر من الخوف على ضياع القرآن أو ضياع شيء منه بموت حملته ، و أخذ يراجع أبا بكر و يطالبه بجمعه ، و كان أبا بكر استثقل ذلك لعدم سبق جمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ــ و لم يزل يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر كما شرح له صدر عمر و كذلك سائر الصحابة . رأوه أمرا واجبا تقتضيه المصلحة .

فوكلوا أمر تتبعه و جمعه إلى ثلاثة من قراء الصحابة يرأسهم زيد بن ثابت فجمعوا القرآن، و بقي آية منه ، يقول زيد بن ثابت : كنت أسمع رسول الله يقرأها و هي قوله: » لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم … إلخ « فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري .

فهذا الجمع للقرآن هو من الأمر الواجب على الصحابة لكونه لا يتم الانتفاع بالقرآن إلا بذلك و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لكون القرآن في أحكامه و بيان حلاله و حرامه
وأمره و نهيه مرتبط بعضه ببعض . و كذلك سعة شريعة شموله على سائر ما ينفع الناس في أمر دينهم و دنياهم فمصلحة جمعه راجحة و منفعته واضحة و هم في حالة جمعه لم يأتوا بشيء زائد على أصله لا في لفظه و لا معناه و مبنى الشريعة على حماية الدين و حفظه ، و هذا من بابه فهو من المصالح المرسلة الملائمة لمقاصد الشارع ، و قد تكفل ــ سبحانه ــ بجمعه في قوله :
» إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون « .

ثم إن القرآن بفحوى لفظه و خطابه يوجب أن يكون مجموعا بمقتضى شرع الله و قدره
كما قال تعالى :
» إن علينا جمعه و قرآنه  « و روى البخاري و مسلم عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة ، فكان إذا نزل عليه جبريل يحرك شفتيه خشية أن ينسى شيئا منه ، فأنزل الله » لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه و قرآنه  « أي جمعه في صدرك ثم تقرأه ، فإذا قرأناه أي أوحيناه فاتبع قرآنه ، أي فاستمع و أنصت له ، فحكم ــ سبحانه بجمع القرآن المستلزم لحفظه و ضبطه ، كما تولى ــ سبحانه حفظه بقوله تعالى : » إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون « فجمعه هو من عناية حفظ الله له ، بخلاف الكتب السماوية النازلة على سائر الأنبياء ، فقد استحفظ أهلها عليها فحصل فيها التبديل و التغيير لعدم عناية أمتهم بحفظ دينهم
كما قال تعالى :
» فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم و ويل لهم مما يكسبون « .

و من صفة هذه الأمة أن أناجيلها في صدورها و لا بد مع طول الزمان أن ينسى الإنسان شيئا منه ، لأن طبيعة الإنسان النسيان و قيل أنه سمى إنسانا من أجل نسيه ، كما قال تعالى:
» ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما « و أنشدوا في هذا المعنى:

و ما القلب إلا أن يتقلب
 

 

و ما سمى الإنسان إلا لنسيه
 

و لو لم يكن مجموعا لمراجعة ما عسى أن ينسون منه لفات عليهم أكثره ، سيما في آخر الزمان عند زهد الناس في حفظ القرآن في صدورهم .

ثم أن قوله : » ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين « ، و قوله » شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان « ، أي هدى للناس إلى سبيل الحق
والرشاد و المنهج السوي ، و قو له 
» و بينات من الهدى و الفرقان « ، يعني البينات الدالة على حدود الله و فرائضه و حلاله و حرامه ، و الفرقان هو الفصل بين الحق و الباطل  » كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد  « » كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم حميد « » كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون
بشيرا و نذيرا فاعرض أكثرهم فهم لا يسمعون
« » كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته
وليتذكر أولوا الألباب
« ، فها الكتاب إنما يعني به مجموع المكتوب في المصحف الإمام لسبق علم الله بجمعه فلا ينطبق هذا الوصف بهذا الاسم على سورة مفردة من سورة كسورة » لإيلاف قريش « أو سورة » إنا أعطيناك الكوثر « .

إذ لو لا هذا الجمع للقرآن الذي هو من واجب هذه الأمة و من ضرورية حفظهم لدينهم
وكتاب ربهم لذهب و تفرق و تمزق و زالت الثقة به ، لاحتمال دخول فيه ما ليس منه ، كما دخل في الكتب قبله ، و لو أهمل الصحابة جمعه لصاروا آثمين .

و كان أول ما أنزل الله من وحيه بالكتابة فقال سبحانه : » اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ و ربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم  « .

وها هنا ينبغي التنبيه عليه مما يتعلق بترك أبي بكر المبادرة بإباحة عمر إلى جمعه
وذلك أن بعض المسائل المستغربة تحدث زمن الصحابة و من بعدهم فجأة تتفرق الآراء و قد ينسون فيها حكم الله و هو معهم لكنه يغيب عنهم حال المحاضرة ، ثم يعود إليهم بغوص أحدهم إلى استنباط العلم به ، فمن ذلك موت النبي صلى الله عليه وسلم فقد أنكره الكثيرون و ارتدت العرب من أجله ، و قالوا لو كان نبيا لم يمت ، و كان أبو بكر غائبا بالسنح في عوالي المدينة عند زوجة له ، فلما سمع بالخبر جاء فكشف عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم ــ و قبله و قال : ما أطيبك حيا و ميتا ، ثم صعد المنبر فاقبل الناس إليه ، فحمد الله و أثنى عليه ، ثم قال :
» أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات و من كان يعبد الله فأن الله حي لا يموت ، ثم قرأ
» و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين  « .

قال عمر : فما سمعت الآية انقطع لها ظهري كأني لم أسمعها قبل اليوم و تحققت أن رسول الله قد مات « ، فما بقي رجل و لا امرأة في المدينة إلا يتلو هذه الآية بعد استنباط أبي بكر لها و الحكماء يحبون الرأي الخمير و يكرهون الرأي الفطير ، و أما عدم جمع النبي للقرآن في حياته ، فإن الأمر فيه معقول ، و ذلك أن القرآن ينزل تدريجيا منجما على حسب الوقائع و قد استحر نزوله و تتابع قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل عليه وهو واقف بعرفة
» اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا « و ليس بعد التمام إلا النقص و ذلك في حجة الوداع ، و أخذ يودع الناس فيها و يقول : » لعلكم لا تلقوني بعد عامي هذا « فسميت حجة الوداع من أجل ذلك .

ثم أنزل الله عليه في أوسط أيام التشريق سورة النصر » إذا جاء نصر الله و الفتح
ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك و استغفره إنه كان توابا