![]() |
|
|
إزالة
الشقاق بعملية الوفاق او الفراق انها متى ساءت الطباع فسدت الأوضاع ثم ساءت النتيجة وقد جعل الله في الشريعة
الاسلامية للمؤمن من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً . ونحن نعتقد ولا شك بأن الشريعة الاسلامية عدل الله في ارضه
ورحمته لعباده وقد اباحت الزواج باربع نسوة متى علم من نفسه القدرة التامة على
القيام بالعدل والكفاية في النفقة وسائر الواجبات الزوجية ، وذلك في وجوب القسم في
الدخول والمبيت والنفقة الواجبة بخلاف ميل القلب بالمحبة وما يستدعيها من الشهوة
الجنسية فانها لا تدخل في مسمى القسم لانها ليست من امكانية الشخص كما قال تعالى :
( ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولوحرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها
كالمعلقة ) سميت معلقة لكونها لا ذات زوج ولا مطلقة . وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يقسم لنسائه ويعدل ويقول : ( اللهم هذا قسمي فيما املك تلمني فيما لا املك )
، يعني القلب ودواعيه . وكان النبي في حالة مرضه يحمل الى منزل كل امرأة من نسائه
وكان يقول : اين انا غداً . يريد يوم عائشة فاذن له ازواجه ان يمرّض في بيت عائشة
فكانت تقول : توفي رسول الله بين سحري ونحري . أما اذا لم يستطع اعطاء كل واحدة منهن حقها اما لفقره او
لعجزه عن المباشرة الجنسية او عدم عدله في قسمه ونفقته الواجبه . فان تنازلت
إحداهما عن حقها من ذلك فهو صحيح ويسقط حقها باختيارها متى خيرها زوجها على البقاء
معه بدون قسم او الطلاق فان اختارت البقاء بدون قسم فلا بأس اذ القسم من حقها ولها
اسقاطه للمصلحة الراجحة من استدامة بقائها في عصمته بدون قسم فقد وهبت سودة قسمها
لعائشة . فكان النبي يقسم لعائشة رضي الله عنها يومها ويوم سودة . أما اذا طالبت بحقها من ذلك كله فانه يحكم لهابه وعند
امتناعه يعتبر ظالماً لها بحيث تستحق الفسخ من عصمته بطلبها . فاذا لم يستطع اعطاء امرأة منهن ما تستحقه من النفقة
الواجبة أو المباضعة او عدم قسمه لها فانها تعتبر الحالة هذه اسيرة تحت قهره وظلمه
لكون الرجل لا يستحق استدامة القوامية عليها الا بالنفقة عليها مع قيامه بسائر
واجباتها يقول الله : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما
انفقوا من أموالهم ) . ولما كان من حالة عيش النبي صلى الله عليه وسلم ما هو معروف
من القلة فكان يمضي عليهم الشهر والشهران وما اوقد في بيت من بيوته نار فاجتمع
نساءه يطالبنه بالنفقة عالية اصواتهن عليه فسمع عمر أصواتهن وزجرهن وقال : "
يا عدوات اتهبني ولم تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم " فانزل الله سبحانه
آية التخيير : ( يا أيها النبي قل لازواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها
فتعالين امتعكن واسرحكن سراحاً جميلاً ، وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة
فان الله اعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً ) فقلن كلهن : نريد الله ورسوله والدار
الآخرة ولن نعود الى المطالبة بالنفقة بعد اليوم . وفيه دليل على جواز مطالبة المرأة بالفسخ عند قطع النفقة
عنها بلا سبب يوجبه منها وكونها تجب اجابتها الى ذلك لكونه لا يستحق القوامية
عليها الا ببذل النفقة التامة ، فمتى كان هذا التخيير النازل في القرآن وقع في حق
الرسول مع زوجاته ، مع العلم بواسع عذره من عوزه وقلة موجوده ، فما بالك بمن قطع
نفقته عن زوجته اضراراً وعناداً أفلا تستحق المطالبة بفسخ نكاحها واجابة دعوتها في
تخليصها من عصمته اذ لا حق له في استدامة نكاحها اذ هذا من الضرر الذي يجب ازالته
. أما اذا اتصف بالجنف ومال الى واحدة دون الأخرى فانه ينهدم
نظام منزله وتسوء معيشة عائلته ويحتقب افراد عائلته العداوة له ، ثم العداوة من
بعضهم لبعض فيتبدلون الألفة بالنفرة والمحبة بالبغض كله من اجل الجنف الذي عامل به
احدى نسائه على الأخرى وانه عندما يشتد النزاع ويستمر الشقاق ويتعذر الوفاق بينهما
فقد جعل الله لهن سبيلا ، فقد انزل الله آية التخيير في حق الرسول مع زوجاته امهات
المؤمنين ثم انزل الله ( وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من اهله وحكماً من
اهلها ان يريدا اصلاحاً يوفق الله بينهما ) وهذان الحكمان يريدان الاصلاح من
الوفاق والانفاق او الفراق فهما حكمان مستقلان بنص الكتاب بحيث يقرران الفراق عند
تعذر الحيلة في الوصول الى الوفاق ، او يقدمان اقتراحهما الى القاضي ويحكم بتنفيذه
سواء كان على عوض مالي او بدون عوض ، والدليل الثالث ما روى البخاري عن ابن عباس
" أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا
رسول الله ثابت بن قيس لا اعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الاسلام .
فقال رسول الله ، أ تردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم . فقال : أقبل الحديقة وطلقها
تطليقة " وفي رواية قالت : إني لا أطيقه بغضاً ، فجعل لها النبي فرجاً
ومخرجاً مما وقعت فيه من البغض الشديدالذي سبب الشقاق وتعذر معه الوفاق فما بالك
بالقضاة الذين يحكمون على مثل هذه المرأة بهجرانها وقطع النفقة عنها كل السنين
الطويلة مع أن الله سبحانه قد جعل لها مخرجاً مما وقعت فيـه ، ( فامسكوهن بمعروف
او سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ) . وفي نفس هذا المقام وما يقتضيه من الاحكام فانني اذكر الناس
فضيلة العدل وحسن ما يترتب عليه من صلاح الاهل والمال والعيال ، فان العدل قوام
الدنيا والدين وصلاح المخلوقين وهو الالف والمألوف المؤمن من كل مخوف به تتألف
القلوب وتلتئم الشعوب ، ويشملهم الصلاح وأسباب النجاح والفلاح فقد رأينا اناساً من
أهل الصلاح والتقى يتزوج أحدهم باثنتين وثلاث ويتمتع بهن متاعاً حسناً في عيشة
راضية مرضية وأخلاق كريمة زكية بدون تنكيد ولا تكدير ، وذلك كله من بركة العدل
وحسن الخلق ، وعلى اثره ينشأ الاولاد متحابين متجانسين متوانسين كأنهم بنو أب وأم
واحدة والعدل يمن والجنف والجور شؤم . ان من مساوئ عدم العدل في القسم او النفقة وقوع الضجر عليه
من كثرة التشكي والمطالبة بالحقوق مما عسى ان يضجره كثرة هذا القلق والشقاق
والاضطراب سيما اذا كان ضيق الصدر سيء الخلق ، فيوقع الطلاق على زوجته ام اولاده
وبناته على اثر المشاجرة فيكون طلاقه بمثابة الصاعقة النازلة عليها في بيتها
فينهدم البيت ويتفرق شمل العيال فيندم حيث لا ينفعه الندم كما قيل : ندمت وما تغني الندامة بعد ما خرجن ثلاثاً ما لهن رجيع ثلاث يحرمن الحلال على الفتى ويصد عن شمل الدار وهو جميع فتخرج من بيته ودمعها يسيل على خدها حزينة على فراق زوجها
وعلى فراق عيالها وانه لا اسوأ من حالة ام العيال متى خرجت وليس لها من تأوي اليه
ولا من يصبر على عيالها من اهلها فيشتد حزنها واسفها سيما متى علمت ان زوجته
الجديدة تعامل عيالها بالسوء وخشونة التربية من الطرد والتقريع وسوء المعيشة . اننا بتولينا للقضاء كل السنين الطويلة قد عرفنا من حالة
الناس ما لا يعرفه من لا يبتلي بالقضاء . لقد عرفنا ان القاضي الشرعي يكلف الزواج بالنفقة على مطلقته
ان كانت حاملا حتى تضع حملها ثم ينفق نفقة الرضاع لقول الله تعالى : ( وان كن
اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان ارضعن لكم فآتوهن اجورهن ) فينفق
عليها وعلى عياله منها ما داموا في حضانتها لاعتبار أنها لهم بمثابة الخادم لاصلاح
امرهم وحسن تربيتهم . وكل ما اوجب الانفاق يوجب السكنى فهو وان كلفته المحكمة
الشرعية بأن تحكم عليه بذلك طبق ما أوجبه الله عليه في قوله : ( وعلى المولود له
رزقهن وكسوتهن ) لكن اكثر الناس من اجل عدم العدل والانصاف لا يستجيبون لهذا الحكم
ولا ينقادون لتسليم ما وجب عليهم الا مكرهين وأكثر الناس وان تسموا بأنهم مسلمون
لكنهم لا ينصفون من انفسهم وحتى بعض العلماء وبعض القضاة رأينا احدهم يهمل عياله
مع كثرتهم عند امهم ويقطع نفقتهم عنها ويتركها تقاسي مرارة اكدارهم بدون نفقة ولا
اهتمام بامرهم . والمرأة لا تستطيع ان تطالب بحقها عند الحاكم الشرعي في كل
شهر فلا تقدر على الذهاب الى المطالبة في المحكمة ، وتختار ان يذهب حقها ولا تبرز
للمطالبة والشكوى لهذا تبقى حائرة حزينة ان ارسلت عيالها الى ابيهم ضاعوا وان
استدامت بقاءها بهم عند اهلها سئموا وملوا ، وحتى الخطاب يمتنعون عن الزواج بها
مهما كان من حسنها وجمالها من أجل عيالها لعلمهم انهم يكونون عبئاً ثقيلاً عليهم
فتبقى أيما مدة شبابها تتجرع غصص الفاقة والذل في سبيل تربية عيالها وصار زوجها
بمثابة من حملها ثم أهملها . وفي الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كفى بالمرء
اثماً أن يضيع من يمون ) فهذه معاملة غالب الناس في حال التزوج بالجدد من النساء
ووقوع الطلاق منه على ام عياله كأنهم لم يفهموا حكمة الله في مشروعية الطلاق
والانفاق وهؤلاء يعتبرون من النذلاء الرذلاء الذين ساءت طباعهم وفسدت اوضاعهم فلا
اخلاق ولا انفاق ولا كرم وفاق . ويستثنى من ذلك ذوو الشرف واليسار ومن لهم حظ ونصيب من
الكرم والاخلاق فانهم قد ينفقون النفقات الكثيرة على مطلقاتهم واولادهم اتباعاً
لاداء ما وجب عليهم وزيادة في الفضل وهؤلاء يندر وجودهم وهذا كله يعود الى التخلق
بمحاسن الاخلاق ، لان الله سبحانه فاوت بين الخلق في الاخلاق كما فاوت بينهم في
الارزاق ومن الدعاء المأثور : اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لاحسنها الا أنت
واصرف عني سيئها لا يصرف عن سيئها الا أنت والله اعلم ، وصلى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم . حرر في 4 جمادى الآخرة سنة 1396هـ |