الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الرد السديد في بيان بطلان محاضرة عبد الحميد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ونستعين بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله ...

أما بعد ...

فقد أهدى إلى أحد الأخلاء شريطاً يتضمن محاضرة ألقاها عبد الحميد الأنصاري أحد المعلمين في قطر في شأن المرأة وما يجب أن تفعل في المجتمع ، فألفيته منشوراً يشمل على منكر من القول وزور ، ويجادل فيه بالباطل ليدحض به الحق ، فلو اقتصر على شأن المرأة وحدها والخوض في موضوعها لكان أسهل ، لكنه تعدى عنها إلى أسَاطين العلماء الأجلاء كالإمام الذهبي في كتابه " الكبائر" والإمام الغزالي في " إحياء علوم الدين " وسفيان الثوري أحد رجال البخاري ، فجعل يَسمُهُمْ بالنقص وعدم العلم والمعرفة وكونهم متمسكين باقوال الجاهلية ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً ) لكنه يتحامل على هؤلاء العلماء بالنقص ليزيل به الاحتجاج بأقوالهم في كل ما هو حجة عليه ، وأعظم من هذا كله كونه يدَّعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات قبل إكمال الدين وهو مناقض لقوله سبحانه ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) وليس بعد التمام إلا النقص .

إذا تم شيء بدا نقصــه       توقع زوال أمرٍ إذا قيل تم

ثم إن هذا الأفاك الأثيم يرى أن كافة العلماء ومنهم الصحابة انهم ليسوا على شيء ، وكذا الفقهاء ، فهو لم يبق بسلاطة لسانه أحداً من العلماء سالماً ..

يمدون الدعوة باعاً قصيـرة        واكثرهم عند الفتاوى يكذلك

ثم إنه استقر أمره على قول منكر وزور وهو أنه يوجب على المسلمين كافة بأن يخرجوا نساءهم وبناتهم إلى المجتمعات والشركات وسائر أمور الحياة ، ففيه المخالفة لما يأمر الله به ، فإن الله سبحانه يقول : ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) وقد اختصم علي وفاطمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تزاوله فاطمة من أعمال البيت الذي شق عليها مزاولته فحكم رسول الله على أن علياً عليه جلب ما تحتاج من خارج البيت ، وعلى فاطمة خدمة داخل البيت من مهنة عملها وشأن عيالها ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ) فهذا هو محض العدل والإنصاف الذي يقطع النزاع ويعيد الخلاف إلى مواقع الإجماع .

إن تربية الأولاد مع كثرتهم ومزاولة خدمة البيت ليس من الشأن الهين ، إذ أنه يذهب بطراوة المرأة ونشاط جسمها ، حتى قيل لن ينشأ عمر إلا وقد أكل عمراً – أي من شباب أم الأولاد – يقول سبحانه : ( قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين ) فهذا والله الخطاب اللطيف والتهذيب الظريف ، يأمر الله جميع نساء المؤمنين الحرائر العفيفات بان يدنين عليهن من جلابيبهن ، والجلباب هو الملحفة الواسعة التي تُشبه الرداء بحيث تغطي بها جميع بدنها فلا تُبقي سوى عينها التي تبصر بها الطريق ، ويعلم الناس بأنها من الحرائر المصونات فيحترمونها ، لذلك وهذا معنى ( أن يُعرفن فلا يُؤذين ) .

إن أشرف حالة للمرأة أن تكون في قعر بيتها ، ملازمة لعملها من خياطتها ونظافة بيتها وعيالها ، لا يكثر خروجها لأن ثقل الالرِّجل جلال وكثرة الدخول والخروج مهانة ، ورُبما يُعرضها إلى التهمة وإلى فتنتها والافتتان بها ، إن خرجت مختفية في هيئة رثّة غير متطيبة تسلك المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق .

وقد أكثر هذا المحاضر من ترديد الكلام في شأن ستر المرأة ووجهها وزعم أنه ينتج النقص في عقلها ، وهو الناقص لا محالة ، فإن ستر المرأة وجهها كان معروفاً في زمن الصحابة ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب الإماء المملوكات إذا خمرن بوجوههن ، ويقول : لا تشبَّهن بالحرائر ، مما يدل على أن الحرائر زمن الصحابة قد تعوَّدن ستر وجوههن بالخمار ، فمنهن من تضع النقاب ومنهن من تضع البرقع كما قيل :

إذا بارك الله فـي ملبس        فلا بارك الله في البرقـع

يريك عيون المها مسبلا         ويكشف عن منظر أشنع

لأن عندهم أن المرأة الجميلة بلبس البرقع والنقاب تكون غير جميلة إذا خلعته ، ولهذا يقولون في المثل : " كل بطالة بطالة " يعنون به : أن كا امرأة جميلة بلبس النقاب أو " البطولة " تكون غير جميلة إذا كشفته ، وقالت عائشة أم المؤمنين : كنا في سفر الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نكشف وجوهنا في الخلاء ، فإذا مر بنا أحد من الرجال سدلت إحدانا خمارها على وجهها.

ثم إن النظر غلى محاسن المرأة هو سهم من سهام إبليس كما ثبت بذلك الحديث ، فمن نظر إلى محاسن المرأة ثم صرف بصره عنها أورثه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه ، لأن أكثر الحوادث مبدؤها من النظرة ، فالنظرة تكون في مبدئها نظرة ، ثم تكون خطرة في القلب ، ثم تكون خطوة بالرجْل ، ثم تكون خطيئة . وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العين تزني وزناها النظر ، والرجل تزني وزناها الخطوة ، والقلب يتمنى ويشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " . ويرحم الله نساء الأنصار لما نزل قوله سبحانه ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) فسرها ابن عباس بما ظهر منها من وجه وكفين ، وفسرها ابن مسعود بأطراف الثياب ، لهذا عمدت نساء الأنصار إلى الكثيف من الثياب فشقّقنَها على رؤوسهن فخرجن وهنّ لا يعرفهُن أحد من التستر .

إن نساء المسلمين منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وهن يشهدن الصلاة مع الرجال ، لكنهن بمعزل عنهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن " – وكان الزبير بن العوام زمن فتنة الصحابة في موقعة الجمل وصفين يحب من زوجته بأن تصلي في بيتها لكنه يتحاشى النهي حذراً من معصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى من حيلته أن يقف بطريق أسماء – زوجته – لاصقاً جنباً بالجدار ، فخرجت أسماء لصلاة العشاء ، فتقدم إليها وجسّها باللُبس فصرخت ثم رجعت إلى بيتها ، ولما انتهت صلاة العشاء جاء وسال أسماء لِمَ لم تخرج للصلاة فقالت : نعم كنا نخرج والناس ناس وقد انقلب الناس أبلاس ، وهذه سياسة حكيمة . حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل لهن باباً في المسجد لا يدخل ولا يخرج منه إلا النساء من حرصه على صيانتهن ، وكذلك كانت النساء يجاهدن مع الرجال وكانت هند زوجة أبي سفيان وصويحباتها معهن سيوف وخشب خلف الرجال يزجُّونهم إلى ساحة القتال في معركة القادسية ، وربما شجعن الرجال بشيء من الشعر ، فكنَّ لا يمكنَّ أحداً من الرجال ينصرف عن القتال إلا زجرنه وصحن به ، وغزت أم حرام بنت ملحان مع زوجها عبادة بن الصامت القسطنطينية فسقطت عن دابتها فماتت رضي الله عنها ؛ ونساء المسلمين يشتغلن مع أزواجهن في الحرث والزرع وغرس الأشجار المتنوعة وتربية الحيوانات وأقلها الدجاج فما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أحد من الفقراء إلا أمر باقتنائهم الدجاج .

إن هذا المحاضر الضال يريد منا شيئاً من التكشف العمومي للنساء حتى يتمتع بشهوته بالنظر إليهن ، يريد بذلك الفتنة نظير إخوانه من المنافقين الذين قال الله فيهم ( لا يألونكم خبالاً ودُّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) والمنافقون في هذا الزمان هم من أشر المنافقين الذين نزل فيهم القرآن ، لأن أولئك يخفون نفاقهم وهؤلاء يظهرون . إن الله سبحانه أمر في كتابه بغض البصر لكونه رائد الفرج ، فقال سبحانه ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) فهذا والله الخطاب اللطيف والتهذيب الظريف ، إذ أنه من المعلوم عند الخاص والعام أن المرأة إذا دخلت في سلك الأعمال مع الرجال فإنها لن تخلو من الانفراد وحدها ، ولن تخلو من صديق ينفرد بها في مكان خالٍ فيقع المحظور ، وما خلا رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما ، ولهذا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم سفر المرأة يوماً وليلة إلا مع ذي محرم ..

إن الرجال الناظرين إلى النساء                 مثل السباع تطوف باللحمان

إن لم تصن تلك اللحوم أسودُها          أُكلت بلا عوض ولا أثمـان

فهذا هو ما يبغيه هذا المحاضر من نسائنا ، وإن أراد فتنة أبينا .. أبينا ، إن هذا الرجل الأفاك قد بالغ بجد وجهد إلى أن تخرج النساء الخفرات التقيات إلى الشوارع والأسواق والمشاركة في العمل في الشركات حتى يكنَّ بمثابة قطعان من البقر ، تكشف المرأة يديها إلى المرفق وجليها إلى نصف الساق ، وتمشي وهي متعطرة بالطيب وحاسرة الرأس وعليها الأصباغ والزينة من الحلى ، وهذا هو غاية ما يتمنى هذا الكاتب ويدعو إليه بنات المسلمين ، وهو غاية في السفه والفساد .

وقد أجاز الشرع الحنيف كشف الوجه عند الحاجة كحالة الشهادة عليها أو القضاء ، أو في حالة نظر الخاطب إليها ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال : " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " . وقال لرجل خطب امرأة : هل نظرت إليها ؟ فقال : لا فقال : " اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما " – أي يؤلف – وقد أخذ بعض الأفاضل في هذه السنين العمل بهذه السنة فمتى طلب الخاطب النظر إلى مخطوبته فإنهم يمكّنونه من ذلك فيفتحونله الباب ويسهلون له الجناب ، فيدخل إليها وهي جالسة مع أمها ، فتقوم المخطوبة فتصب إلى خطيبها القهوة ، ثم ينصرف راغباً أو راهباً ، أما قول بعض الفقهاء : " ولا بأس بكشف وجهها عند أمن الفتنة " فهذا قول معقول ومقبول ، فالعفيفة المصونة متى صمد الشاب لرؤيتها فصرفت بصرها عنه فإن هذا عين الصواب ، وحسبنا تنويه القرآن بفضيلة غض البصر من الرجل ومن المرأة . أما المرأة الكبيرة التي انقطع عنها حيضها فقد أبيح لها أن تكشف وجهها وتلقي عنها الثياب المحتشمة مثل العباءة والثياب الزائدة على الدراعة وتمشى مع الناس بدراعة وخمار مع اجتنابها للزينة وما يدعو للنظر إليها ، فإن لكل ساقطة لاقطة يقول سبحانه ( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وإن يستعففن خير لهن ) ..

وفي الختام فقد أشار بعض الأصحاب عليّ في شأن الكاتب قائلاً : إن كلامه ساقط عند كل أحد لأنه عديم علم ، وعديم عقل ، وعديم أدب ، وكل هذه الأوصاف منطبقة عليه ومعروفة من حشو كلامه ، وأنه لا يستحق الرد عليه ، فأجبته بأن الباطل لا يقوى إلا في حالة رقدة الحق عنه ، وأن ردّ الباطل بالحق هو مما يقلل فشو الباطل وعدم انتشاره ، وردنا هذا هو من العلم النافع الذي يُرجى أن ينتفع به كل من سمع به ، وسبحان من لا رادّ لأمره ، ولا معقب لحكمه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

وفي الختام فإنه لو لم يكن عندنا في هذا الموضوع سوى قوله سبحانه : ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) لكفانا ، فقد أمر الله نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين بان يدنين عليهن من جلابيبهن ، والجلباب هو الملحفة يشبه الرداء أو يشبه العباءة تضعه المرأة فوق خمار رأسها ، فإذا مر بها أحد من الأجانب سدلته على وجهها بحيث لا تبقي من وجهها سوى العين التي تبصر بها الطريق ، ويعلم الناس بأنها حرة فيحترمونها ، وهذا معنى البرقع والنقاب كما في شعر الحفاجي في معشوقته ليلى الأخيلية حيث قال :

وكنت إذا ما زرتُ ليلى تبرقعت        وقد رابني منها الغداة سفورُها

وذلك أنها لم تسفر بوجهها إلا في حالة غضبها عليه حين زارها والناس حاضرون ينظرون إليه ، فأرادت إبعاده عنها ، وقد عَرَفَ ذلك ، وأنها إنما كشفت وجهها في حالة غضبها عليه ...