![]() |
|
|
رسالة إلى الحكام
الكرام حفظهم الله بسم الله الرحمن الرحيم أرفع هذه الرسالة لحكام المسلمين ، وفقهم الله للتمسك
بالدين ، وسلام الله ورحمته عليهم أجمعيـن . أما بعد : فإن الله سبحانه في كتابه المبين وعلى لسان نبيه الصادق
الأمين قد أوجب علينا بأن ننصح من ولاه الله امرنا ، فان الدين النصيحة لله
ولعباده ولأئمة المسلمين . وقد أوجب الله على المؤمنين بأن يكونوا قوامين لله
بالقسط – أي بالعدل – في اهلهم وعيالهم إذ العدل قوام الدنيا ، والدين صلاح المخلوقين
. وإن شباب المسلمين هم جيل المستقبل يسعد الناس بصلاحهم ،
ويشقون بفسادهم وإلحادهم . فما نحل والد ولده أفضل من أن ينحله أدباً حسناً يهذبه
على الصلاح والصلاة والتقى ، ويردعه به عن السفه والفساد والردى . فمن الواجب على حكام المسلمين الذين جعلهم الله رعاة عباده
المؤمنين بأن يحموهم عما يضرهم مما يعد في استطاعتهم ، فان الوقاية خير من العلاج
. وإن أضر ما يصاب به الشباب هو إهماله وإلقاء حبله على غاربه ، يتصرف كيف يشاء
بدون وازع ولا مراقب ، والله يزع بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن ، ولو لا دفع الله
الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . إن مما ندرك على حكام المسلمين ما عسى أن يكونوا غافلين عن
مضرته وسوء عاقبته ، وذلك في فتحهم الأبواب لتسفير الطلاب إلى الخارج من بلدان
أوروبا للتعلم كما زعموا . ولا أدري ما هذا العلم الذي يبتغونه عند أساتذة النصارى
، أ هو العلم الضروري الذي يتعذر الحصول عليه في بلدان المسلمين كالعلم بوسائل
الصعود إلى سطح القمر ؟ فإن هذا مما لا رغبة فيه لأحد ، وقد باء أهله فيه بالفشل .
أم هو العلم الشهير في سائر الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس في سائر البلدان الإسلامية
؟ .. وإننا نعلم شيئاً يبتغونه خارج البلدان العربية سوى تعلم
اللغة الأجنبية ، إذ هي غاية قصدهم ونهاية علمهم وعملهم ، وإن الحصول عليها سهل
متيسر في بلدهم كسائر العلوم والفنون ، وذلك أن الله سبحانه قد أنعم على المسلمين
بنعم كثيرة منها : نعمة الغنى بالمال الوافر الذي يستطيعون أن يجلبوا به كل نفس ونفيس
، مما يحتاجون إليه من مصانع وصنّاع وأساتذة وأطباء وعلماء لسائر الفنون وكذا
المعلمات ، فهذا كله من السهل المتيسر متى صدقت العزيمة ، ومتى قويت الإرادة حصل
المراد ، أَوَ لَيْسَ من الحزم وفعل اولي العزم أن يقتصر الطلاب على التعلم لسائر
العلوم والفنون في بلادهم ليستعينوا بالبيئة والمجتمع ورقابة الأهل والأصدقاء على
حسن سيرهم في تعلمهم وعلى تهذيبهم وتأديبهم ، إذ المؤانسة تقتضي المجانسة في
العقائد والأخلاق ؟ ولا شك أن هذا أفضل من التعلم في الخارج ، الذي هو محفوف
بالأخطار والأضرار ، فهو خطر على العفاف والشرف ، وعلى العقيدة والأخلاق لكثرة من
يلقونه ويختلطون به ممن ليس على دينهم ، وقد تؤثر فيهم مجالستهم ومؤانستهم مع صغر
سنهم ، وكون قلوبهم قابلة لما يلقى فيها من الخير والشر ، ويا ليت شعري ما الذي
يرجعون به وما الذي يستفيدون من هؤلاء الأساتذة ، فإنهم بمجرد الاختبار والتجربة
يرجع أحدهم إلى أهله وهو ساذج من العلم والمعرفة ، مزيف مغشوش بشهادة النجاح
الكاذبة التي لا حقيقة لها سوى الغش بمحاولة تكثير سواد الطلاب عندهم وفي بلدهم ،
لما يكتسبونه على أثرهم من المادة وإلا فإن حقيقة علمهم جهل . وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع ، ولا
يستعيذ إلا من الشر ، إذ الغاذي شبيه بالمغتذي ، فمن العناء العظيم استيلاد العقيم
والاستشفاء بالسقيم ، فما أبعد البرء من طبيب داؤه من دوائه ، وعلته من حميته . إن من المعلوم أن الشباب يفضلون السفر إلى الخارج للتعلم
مهما كانت مضرته وسوء عاقبته ، لكونهم يفتخرون به ويرونه سبباً ووسيلة إلى رفع
مرتباتهم ، فصاروا يفضلونه على التعلم في بلادهم . وكان بدء فتح هذا الباب للسفر
للخارج في البلدان العربية حينما ابتدئ بفتح المدارس فيها على اختلاف أنواعها
وعلومها ، ولم يكن لديهم في ذلك الوقت عدد كافٍ من المعلمين ، ففتحوا هذا الباب
للطلاب ليتعلموا شتى العلوم والفنون كي يستغنوا بعلمهم وتعليمهم عن الخارج ،
فاستمر هذا الفتح إلى الآن يقتدي الناس فيه بعضهم ببعض دون أن يفكروا في الاستغناء
عنه . وإن من الرأي السديد والأمر المفيد وجوب غلق هذا الباب عن
سائر الطلاب ، لحصول الكفاية التامة بالمعلمين من داخل البلدان العربية ، والاستغناء
بهم عن السفر للخارج بالكلية ، فيا ليت شعري من الذي يفوز بالسبق إلى غلق هذا
الباب الذي أحدث القلق والاضطراب في عقائد الطلاب ، فإن خير الناس من يكون مفتاحاً
للخير مغلاقاً للشر . وإن الحكام متى أحدثوا أمراً وشرعوا مشروعاً مما يتطلع إليه
الطلاب ويؤملون نجاحهم على أثره برفع راتبهم ومرتبتهم وقبول دوائر الأعمال لهم ،
فإنه من المعلوم أن الناس يندفعون إليه بشغف وشدة بحيث يطأ بعضهم أعقاب بعض في
طلبه حتى ولو كان سيئ العاقبة في نفس الأمر والواقع ، إن فعل الحكومة لهذا الشيء
بهذه الصفة هو غاية في التشجيع والتنشيط للطلبة ، لكنهم متى سدوا عنهم هذا الباب ،
وصرفوا عنه الطلاب باليأس منه وفتحوا لهم ما هو أوفق وأرفق بهم وأصلح لهم في أمر
دينهم ودنياهم ومجتمعهم فإنهم عند ذلك يسمحون ويحمدون عاقبة أمرهم ، ثم ينشر
الثناء والشكر لمن تسبب في سد هذا الباب بحيث يذكر به في حياته وبعد وفاته . ولربما كان مكروه
النفوس إلى محبوبها
سبباً ما مثله سبب إن الحاكم يجب أن يكون بمثابة العقل المفكر والرأي المدبر
لشؤون أمر رعيته وبلده ، فيفتح أبواب العلم والتعليم لمختلف العلوم والفنون على
مصاريعها ، ويجلب لهم ما يحتاجون إليه من صنائع وصناع وأطباء وأساتذة لسائر العلوم
والفنون ، ثم يوعز للطلاب بأن يتعلموا في بلادهم بين أهلهم وأقاربهم ليكون
احتفافهم باهلم وبني جنسهم أعون على تهذيبهم وتأديبهم لاندماج الأخلاق بالأخلاق ،
ومتى عملت الحكومة عملها في غلق هذا الباب ولم تسمح بسفر أي طالب من الطلاب إلا من
يسافر في عمل وتعلم شيء لا يمكن إدراك الحصول عليه في البلد ، كعلم الطب أو شيء من
علم الهندسة لاعتبار هذه من الأمور الاستثنائية إذ لا بد من استثناء بعض التخصصات
، ثم يحكم غلق الباب عن سفر الطلاب فيما عدا هذه الأمور الضرورية . ثم ينبغي
للحكومة أن تصرف عنايتها واهتمامها للمتعلمين داخل البلاد بحيث لا يكون المتخرج في
الخارج أرقى راتباً ورتبة من المتخرج في الداخل ، لكون التفوق للخارج في الراتب
والرتبة يوهن المتعلم في داخل البلد ويجعله يكسل عن مواصلة عمله في تعلمه . ثم إن الحكومة تستفيد اختصار النفقات العظيمة من المرتبات
وأجور الطائرات ، كما تستفيد أيضاً طرح شيء كثير من العناء والشغل في سبيل سفرهم
وذهابهم وإيابهم ، وكما يستفيد أهل الطالب عدم الشغل بسفر ولدهم وتوفير ما كانوا
يوافونه به من النفقات ، فإن أكثر الطلاب لا يكفيه راتبه الشهري على كثرته بل لا
يزال يلاحق أهله في إرسال زيادة على مرتبه ، مع العلم أن مؤن المعيشة وأجور
المساكن تزداد غلاء كل يوم خاصة في تلك البلدان . فمتى عملت الحكومة عملها في سبيل التعلم في بلادها وصرفت
مرتبات الطلاب الشهرية لهم في بلدهم ، فإن الطالب يستفيد منها أكثر ، كما أن أهله
يستفيدون منها ، وكما تستفيد البلاد من انتشار هذه الرواتب الكثيرة فيها ، وكما
تستفيد الحكومة شيئاً من الراحة عن العناء والشغل في دائرة أعمالها . لقد عرفنا من أخلاق حكامنا الأكرمين رسوخ الحب والحفاء في
قلوبهم لرعاياهم ، وأنهم يحبون أن يوصلوا إليهم كل ما ينفعهم ، ويدفعوا عنهم كل ما
يضرهم بكل سبيل حسب استطاعتهم ، وأنهم متى تنبهوا لمثل هذا الرأي السديد والأمر
المفيد فأسفر لهم صبحه واتضحت لهم مصلحته وعموم منفعته في أمر الدنيا والدين فإنهم
يستقبلونه في صالحهم وصالح رعيتهم ، ثم يتواصلون ويتناصحون بالعمل به واعتماد
تنفيذه ، لاعتبار أنه حق يجب اتباعه ، وما بعد الحق إلا الضلال فأنّى تُصرفون . غير أن مثل هذا الرأي قد لا يوافق مذاق الكثيرين من الطلاب
وتنابذه نزعاتهم ، ولا عجب فإن الحق لا يتمشى على رغبة الناس ، وقد يكون الخير في
ضمن ما يكرهون ، وما أنا إلا صديقهم الحفي أخلص لهم نصحي حتى ولو كان مراً في
حلوقهم ، فإن الصديق المخلص هو من يجرع صديقه الدواء المر ليقيه من الوقوع في الضر
. فإن المر حين يسر حلو وإن
الحلو حين يضر مر واننا متى قابلنا بين المتخرجين في بلدان أوروبا وبين
المتخرجين في الجامعات والكليت والمعاهد الشرعية بالبلدان الاسلامية فإننا نجد
بينهم فرقاً واسعاً وبوناً شاسعاً في التفاوت في العلوم والفنون وفي العقائد
والأخلاق ، إذ المتخرج في بلدان أوروبا ليس معه سوى اللغة الإنجليزية ، وما خسره
من نسيان العلوم الشرعية أكثر مما استفاده ، ولن تسمع عن أحد من المتخرجين بها
شيئاً من النبوغ في شيء من العلوم التي تنفع ، لكون عادم العلم لا يعطيه ، ولأن
علماء أوروبا الذين تخرج الطلاب من أبناء المسلمين عندهم جهلاء بكل العلوم النافعة
مما يتعلق بالشرائع والأحكام وأمور الحلال والحرام وحتى علم البلاغة والبيان فهم
يزيدون الطالب جهلاً على جهله . أما المتخرج من الجامعات والمعاهد الاسلامية وكليات الشريعة
فإننا نجد عند أحدهم ما يشفي ويكفي من العلوم والفنون سواء في التفسير أو الحديث
أو السيرة أو التاريخ أو اللغى ، فتجد عنده ثمرة من العلوم النافعة ، كل على حسبه
وعلى قدر موهبته من ربه ، وخاصة القدامى الذين تخرجوا من مقدار ثلاثين أو عشرين
سنة فانهم أرقى في العلوم والمعرفة من المتخرجين في هذه السنين ، لكونه قد تغير
أسلوب التعلم والتعليم في البلدان العربية كغيرها وصاروا يسلخون ويمسخون الكتب
والفنون حتى أبقوا المنهج شبه الرمز والصورة للعلوم والفنون ، ومع هذا كله فإن
أقلّ المتخرجين معرفة في البلدان العربية هم أرقى من المتخرجين في بلدان أوروبا .
والحاصل أن الحكام متى أهملوا تربية الشباب فلم يهذبوهم على فعل الصلاح والتقى ولم
يردعوهم عن مواقع الغي والردى ، فإنهم سيعودون إلى أهلهم وهم نكبة ونقمة على
العباد والبلاد ، والفع أيسر من الرفع . وإن مما يؤكد الخطر ويوقعهم في الضرر على الأخلاق والعقائد
كون أكثر هؤلاء الطلاب يسافرون إلى الخارج وهم صغار أسنان لم ترسخ في قلوبهم
تعاليم دين الإسلام ، وقبل أن يتربوا على العلم بفرائضه وفضائله تربية عملية ، ثم
التحقوا بالمدارس النصرانية واختلطوا بالمعلمين والمتعلمين بها فجالسوهم وأنسوا
إليهم وانطبع فيهم شيء من أخلاقهم وملؤوا أفكارهم من الإلحاد وفساد الاعتقاد كجحود
الرب والتكذيب بالقرآن والتكذيب بالرسول والتكذيب بالبعث بعد الموت والتكذيب
بالجنة والنار ، فلقنوهم هذه العقيدة على سبيل الصداقة فصادفت منهم قلباً خالياً
فتمكنت ، فرجعوا إلى بلادهم وهم يهرفون بما لا يعرفون ، وناهيكم بالسذاجة وعدم
الرسوخ في العلم والمعرفة فإن القاصرة عقولهم والناقصة علومهم ينقدح الشك في قلب
أحدهم باول عارض من شبهة ، فيؤثر معهم هذا التضليل فيزيغهم عن الحق وسواء السبيل ،
فيتبعون أساتذتهم في أسوأ العادات وترك العبادات . ومما لا شك فيه أن إرسال أولادنا وبناتنا للتعليم في بلدان
أوروبا والبلدان الشيوعية له مخاطره في تكوين عقولهم وله آثاره في بناء شخصيتهم . فالطالب يجد نفسه يتلقى فلسفة الغرب المادية والعملمانية
وعقيدته السيئة الخاصة به ، ويتشبع من هذه الفلسفة ويعود إلى بلده بشخصية مختلفة
تهدم ولا تبني ، حيث إنه قد عاد بأفكار مغايرة لعقيدة أهل بلده وعاداتهم وتقاليدهم
. وهناك فرق بين نوعين من العلوم التي توجه أبناؤنا لتحصيلها
، فالعلوم الإنسانية مثل الأدب والتاريخ والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والعلوم
السياسية والقانون ، فهذه العلوم لا حاجة لأبنائنا في تحصيلها من علماء لا عقيدة
لهم ولا أخلاق حيث إنهم يتأثرون بأفكارهم وميولهم ويشربون من موردهم من الفلسفات
والآراء الهدامة التي تحطم كل القيم ةوالآداب . أما العلوم التطبيقية والعلمية البحتة كالطب والهندسة فإن
سعيهم لاستكمالها يغدو وفق شروط معينة ضرورة ملحة . ولسنا نقول ذلك ونطالب به إلا انطلاقاً من حرصنا على مستقبل
شبابنا رجال المستقبل الذين يؤتمنون على تربية الأجيال المقبلة . فالعائد من الخارج يأخذ مركزه القيادي والتربوي ، ولا تقصر
الدولة في إعطائه مكانته في قيادة البلاد والعباد في مجال التعليم والتصنيع أو
العمل الإداري . فإذا عاد إلينا بعقيدة ممسوخة وبأفكار تغاير مبادئنا وأخلاقنا
وديننا فإنه لا محالة سيؤثر في نفوس الكثيرين ويقودهم إلى المهالك .. ونحن نعلم أن مؤسسات الاستعمار ومراكز توجيهه تتلقى الطلاب
والطالبات هناك وتحوطهم بكل وسائل الإغراء والفتنة من كل لون : الفكري والجنسي
والنفسي ، وقليل من ينجو من شرهم . والصهيونية بألاعيبها وحيلها توقع كثيراً منهم في حبالها تحت
بريق العلم والخداع وغير ذلك من النوادي الليلية التي يديرونها لجر أرجل هؤلاء
الطلاب وصرفهم غن تلقي العلم المبتعث من أجله . والبلدان الشيوعية الماركسية تحرص كل الحرص على تلقين
المبتعثين من بلادنا أفكارهم وآراءهم وفلسفتهم المادية الملحدة فيعود المبتعث وهو
ناقم على دينه وعادات أهله وتقاليدهم فيخرب ويهدم ... وذلك من جراء إرسالنا
لأولادنا وتركهم في أحضانهم ، وناهيك عن وسائل التدمير في هذه المجتمعات التي أصبح
شرب الخمر والمخدرات فيها كتناول الخبز والماء ، والاتصال بين الرجال والنساء
سهلاً ميسراً . ومن يمارس هذا الحرام يسهل قياده ، ويعود مفقود الإحساس
بالكرامة ، ويفرط في كل شيء في سبيل شهوته ونزواته ، إذ أن إدمان رؤيته للمنكرات
يقوم مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التمييز والإنكار ، لأن المنكرات متى كثر
على القلب ورودها وتكرر في العين شهودها ذهبت عظيمتها شيئاً فشيئاً إلى أن يراها
الإنسان فلا يحس أنها منكرات ، ولا يمر بفكره أنها معاصٍ ، وذلك بسبب سلب القلوب
نور التمييز والإنكار على حد ما قيل إذا كثر الإمساس قل الإحساس ، ولا حجة لمن
يقول إن الطالب أو الطالبة لا يتغير مادام متحصناً بالثقافة الإسلامية في بلده ،
لأنه مهما تحصن وتحصل له من ثقافة إسلامية فإنه في ظروف الغربة والضغوط والتأثيرات
والإغراء في مجتمع متحلل لا بد وأن يتأثر أو تتشوه عقليته . وما حاجتنا إلى أن نلقي بفلذات أكبادنا في هذه المجتمعات
التي هي في مهالك الأخلاق ، ونحن قادرون على تلقينهم العلوم في بلدهم وجلب القدرات
العلمية إلى بلادنا بشروط توافق عقيدتنا وتقاليدنا ويكونون تحت بصرنا فنسلم من
شرهم ونأمن عواقب أفكارهم . أما سفرالبنات الطالبات إلى الخارج فإنه أشد ضرراً وأكبر
نكراً ، لأننا وإن قلنا إن النساء في حاجة إلى العلم والأدب وتعلم سائر العلوم
والفنون كالرجال ، فهذا صحيح والعلم النافع مطلوب ومرغب فيه حق الرجال والنساء ،
غير أن هذا العلم من الممكن تحصيلها له في بلدها بمراجعة الكتب والفنون وسائر
المؤلفات ، وبسؤال العلماء عن المشكلات ، فإن هذا هو طريق حصول العلم للرجال
والنساء . فالراسخون في العلم والمتوسعون فيه إنما توصلوا إلى ما
تحصلوا عليه بهذه الطريقة ، فلماذا تترك المرأة هذا ثم تحرص ويحرص أهلها على سفرها
وحدها الذي حرمه الشارع بقوله " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن
تسافر يوماً وليلة إلا مع ذي محرم " رواه البخاري ومسلم . خصوصاً السفر
البعيد الذي تتعرض فيه إلى الأخطار والأضرار ثم إلى فتنتها والافتتان بها الناشئ
عن وحدتها والخلوة بها وعن اختلاطها بالرجال في الملاهي والمجتمعات وسائر الأحوال
والأوقات ، تقليداً لما يسمونه تحرير المرأة عن رق أهلها وزوجها ، وهن ناقصات عقل
ودين والمشبهة عقولهن بالقوارير في سرعة تكسرهن وميولهن ، وليس من شأنها أن تطلب
علماً يوصلها إلى سطح القمر بحيث لا تجده إلا في الخارج وما عداه فإنه موجود في
بلدها بدون سفر ، لهذا يحرم على حكام المسلمين تمكين النساء من السفر إلى الخارج ،
كما يحرم إعانتهم لهن في سبيل هذا السفر ، لاعتبار أنه سفر معصية بلا شك ، وبالله
قل لي ماذا ينفع العائلة الحسيبة المسلمة من سفر ابنتها إلى المدارس النصرانية
تتربى بأخلاقهم ومساوئ آدابهم وعوائدهم . إن أكبر ما تستفيده هي اللغة الأجنبية التي لا يمكن أنن
تخاطب بها أمها ولا أباها ولا أخواتها ، وإذا رجعت من سفرها إلى أهلها رجعت إليهم
بغير الأخلاق والآداب التي يعرفونها عنها ، فترى أهلها كأنهم عالم غير العالم الذي
نشأت فيه ، وتحمل في نفسها الكِبْر والازدراء لأهلها فتعيب عليهم كل ما يزاولونه
من معيشتهم وأخلاقهم وآدابهم وعوائدهم ، ثم تقع العداوة والتنافر بينها وبينهم في
كل شيء ، وغايتها أنها تبغض أهلها وأقاربها ويبغضونها . وحتى الأزواج الأكفاء تعزف نفوسهم عن خطبتها والرغبة فيها ،
لعلمهم بأها متبرجة ومتفرنجة لا تخضع لطاعة الزوج وتكلفه شيئاً من المشاق في السفر
بها دائماً إلى البلدان الأجنبية ، ومتى تقلدت عمل الوظيفة فإنها أبعد لها عن
الزوج وعن تدبير شؤون بيته وعياله ، أفلا يكون سفرها للتعلم على هذه الحالة شقاء
وضلالة وقطعاً لأواصر الزوجية والعيال ، وما تستفيده من مرتباتها فإنها ستكون أبعد
عن اهلها ويتضخم به خبالها وعدم اعتدالها . وإننا باعتبار أننا مسلمون على الحقيقة فإنه يجب علينا
امتثال مأمورات دين الإسلام واجتناب منهياته ، فقد نهى رسول الله أن تسافر المرأة
يوماً وليلة إلا مع ذي محرم ، ونهى أن يخلو الرجل بالمرأة ، وقال : " ما خلا
رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما " . ونهى القرآن عن إبداء زينتهن للرجال ،
وهذا كله حاصل متيسر منها في سفرها فإنها تتزيى بزي نساء أهل تلك البلاد من التكشفوإبداء
مفاتن جسمها غير مبالية بالحياء والستر ، وإنما نهى رسول الله عن هذه الأشياء
لكونها كالمقدمات لما بعدها ، كما في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم
قـال : " العين تزني وزناها النظر ، والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو
يكذبه " فلا ينهى الشارع عن شيء إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة . والنبي صلى
الله عليه وسلم قال : " الإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راعٍ على أهل
بيته ومسؤول عن رعيته " . فلا أدري ما حجة هذا الرجل الذي جعله الله راعياً
على أهل بيته متى سئل عن سفر ابنته لبلدان أوروبا ، وهل يصدق عليه أنه قام بواجب
الرعاية في أمانة تربية ابنته فحاطها بحفظه وصيانته حسب استطاعته وفاء بصدق أمانته
وحسن رعايته أم ضيَّع ما استُؤمن عليه ، وفرط في رعايته ، وقذف بابنته في هاوية
الفتنة والافتتان بها ، وتركها تتصرف كيف شاءت بدون مراقب ولا وازع ؟ ومن ذا يثني الأصاغر
عن مراد وقد جلس الأكابر في
الزوايا إنه لا ينبغي لنا أن نحسن الظن بها والحالة هذه ، بل يجب أن
نحسن العمل برعاية حمايتهن عن مراتع الفتن ، فإن من وقع في الشبهات وقع في الحرام
. وحسن ظنك بالأيام
معجزة فظن شراً وكن منها على حذر وكذا يقال في الأئمة الذين جعلهم الله رعاة على عباده ،
بأنه يجب عليهم أن يغرسوا في نفوس رعاياهم التخلق بمحبة الفرائض والفضائل ،
وحمايتهم عن منكرات الأخلاق والرذائل ، باستعمال الأسباب والوسائل ، فان الوقاية خير
من العلاج ، والدفع أيسر من الرفع . أو لم يكن الأوفق لها ولأهلها أن تتعلم مبادئ
العلوم والشريعة عند أهلها وفي مدارس بلدها لتستعين بالبيئة والمجتمع على تهذيبها
وصيانتها وحسن تربيتها وحسن الظن بها ، وحتى تكون في بيت أهلها وزوجها صالحة مصلحة
، تعاملهم وتعاشرهم بالحفاء والوفاء بدون نفرة ولا جفاء ، وحتى تكون مثلاً صالحاً
لأخواتها وأهل بيتها ، وكاليد الكريمة لزوجها في إدارة شؤون بيتها وعيالها ، فتعيش
سيدة بيت وسعيدة عشيرة ، ولا يوفق لهذا إلا خيار النساء عقلاً وأدباً وديناً . إن تحويل النساء المسلمات عن أخلاقهن الاسلامية العربية يقع
بتأثير أخلاق أرواح أجنبية غايتها تحويل المسلمات عن دينهن وجميل اخلاقهن غلى
اتباع الوروبيات وتقليدهن في عاداتهن ، وكل ما ذكرنا من خطورته على العفاف والدين
فإنه من البراهين التي لا مجال للجدل في صحتها . إن النصارى لا يعدون الزنا جريمة
، وإن الاختلاط بين الطلاب من الشباب والشابات واحتكاك بعضهم ببعض جنباً إلى جنب ،
وجريان الحديث والمزاح بينهم ثم المصاحبة والخلوة كما تستدعيه المجالسة والمؤانسة
فإن هذا العمل ضار في ذاته ، ومؤد إلى الفاحشة الكبرى في غايته وسوء عاقبته ، لأنه
يعد من أقوى الأسباب والوسائل لإفساد البنات المصونات ، وتمكن الفساق من إغوائهن ،
فهل أنتم منتهون ؟ . " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، واحذروا فإن توليتم
فإنما على رسولنا البلاغ المبين " . فهذه نصيحتى لكم ، والله خليفتي عليكم ، وأستودع الله دينكم
وأمانتكم ، والسلام عليكم ورحمة االه وبركاته . |