|
إنحراف الشباب عن الدين والتحاقهم بالمرتدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب
العالمين والعاقبة للمتقين، أما بعد فإن الدين الخالص المبني على العلم الصحيح
الراسخ لن يرتد عنه أحد سخطة له ورغبة عنه إلى غيره . كما في سؤال هرقل لأبي سفيان
حين سأله عن صفة رسول الله وعن صفة اتباعه فقال : هل يرتد احد منهم عن دينه سخطة
له . قال : لا . قال : فكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب . وفي صحيح مسلم عن
العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذاق طعم الايمان من
رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد نبياً رسولا " وفي الصحيحين عن أنس أن
النبي صلى الله عليه وسلم قـال : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان .
ان يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره
أن يعود في الكفر بعد أن انقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار " . لان المسلم العاقل لا يرضى ولا يختار بأن يخرج من النور الى
الظلمات زدين الاسلام هو دين النور ودين السعادة والسيادة والسلام ودين العزة
والقوة والنظام المطهر للعقول من خرافات البدع والضلال والاوهام . دين صالح لكل
زمان ومكان قد نظم احوال الناس أحسن نظام . دين العدل والمساواة في الحدود والحقوق
والاحكام . دين يطبع في القلب محبة الرب ومحبة الفرائض والفضائل والتنزه عن منكرات
الاخلاق والرذائل فهو دين الفطرة السليمة والطريقة المستقيمة . فلو ان الناس آمنوا بتعاليم دين الاسلام وانقادوا لحكمه
وتنظيمه ووقفوا عند حدوده ومراسيمه لصاروا به سعداء لانه يهدي للتي هي أقوم .
وانما ضعف المسلمون في هذه القرون الاخيرة وساءت حالهم وكثر المرتدون من اولادهم
كله من أجل أنه ضعف عملهم بالاسلام وساء اعتقادهم فيه وصار فيهم منافقون يدعون الى
نبذه والى عدم التقيد بحدوده وحكمه ويدعون الى تحكيم القوانين بدله لكون القوانين
تبيح لهم الربا والزنا وشرب الخمور وتبيح لهم الرقص والخلاعة والسفور . قد ضربهم
من الجهل سرادق ومن الغباوة اطباق وغرهم بالله الغرور تالله لقد سلكوا شعاب الضلالة
وسقطوا في هوة المذلة التي ساقهم اليها ودلهم عليها صريح الجهل وسفالة الاخلاق
ومجالسة الفساق . ان العلم الراسخ في القلب المبني على خشية الرب هو اعظم
نافع واقوى رادع لما يعرض للشباب في حياتهم من فتن الشبهات والتشكيكات وفساد
الاعتقادات التي تزيغ المسلم عن عقيدته السليمة وطريقته المستقيمة ثم تقوده الى
الالحادوالتعطيل والزيغ عن سواء السبيل . وان أكثر ما يبعد هؤلاء الشباب عن الدين ويلحقهم بالمرتدين
هو أن أكثرهم يسافرون الى البلدان الاجنبية كبلدان اوروبا وغيرها لحاجة التعلم قبل
ان ترسخ تعاليم دين الاسلام في نفوسهم وقبل ان يتربوا على العمل به تربية دينية
عملية تغرس في نفوسهم محبة الفرائض والفضائل والتنزه عن منكرات الاخلاق والرذائل
بل هم عند أهلهم وفي بلدهم قد فسقوا عن امر ربهم وتخلفوا عن العمل بواجبات دينهم من
صلاتهم وصيامهم ثم التحقوا بمدارس النصارى واختلطوا بالمعلمين والمتعلمين بها
فعاشروهم وملأوا أفكارهم من الكفر والتكذيب بالرسول والتكذيب بالبعث بعد الموت
والتكذيب بالجنة والنار فلقنوهم هذه العقيدة على سبيل المحبة والصداقة والتعليم
فصادفت منهم قلباً خالياً فتمكنا ومن يغترب يحسب عدوا صديقه . واذا المعلم لم يكن عدلا
سرى روح العدالة في الشباب
ضئيلا وناهيك بافسادها لفطر الصغار الاغرار الذين لم يميزوا بين
المنافع والمضار . وفي الصحيحين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما
من مولود يولد الا على الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ثم قرأ ( فطرة
الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) . فاخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح ان كل
مولود فانه يولد على فطرة الاسلام لو ترك على حاله ورغبته لما اختار غير الاسلام
لولا ما يعرض لهذه الفطرة من الأسباب المقتضية لافسادها وتغييرها وأهمها التعاليم
الباطلة والتربية السيئة الفاسدة وقد أشار اليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله
" فابوا يهودانه أو ينصرانه " أي أنهما يعملان مع الولد من الاسباب
والوسائل ما يجعله نصرانياً خالصاً او يهودياً لكون الوسائل والاسباب لها احكام
المقاصد . ومن نوع هذا التنصير تسليمهما اولادهما الصغار الاغرار الى
المدارس النصرانية بحجة التعلم فيتربون في حجرهم ويتلقون تعليمهم وعقائدهم منهم ،
مع العلم ان قلب الصغير قابل لما يلقى فيه من الخير والشر حتى يكون بمثابة النقش
في الحجر والغاذي شبيه بالمغتذي وعادم الخير لا يعطيه وكل إناء ينضح بما فيه . فمن
العناء العظيم استيلاد العقيم والاستشفاء بالسقيم فما أبعد البرء من طبيب داؤه من
دوائه وعلته من حميته . ولا شك ان هذا حقيقة في التنصير واليه عاقبة سوء المصير لان
من شب على شيء شاب على حبه والوسائل لها احكام المقاصد والامور منوطة بأسبابها
وللتربية اثرها المترتب عليها من الصلاح والفساد ومن الخير والشر . ألم تعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مروا
أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر " وقد أجاز حج الصبي وصومه مع
العلم أن قلم التكليف مرفوع عنه مادام بهذا السن وما ذاك الا لقصد تهذيبه وتربيته
على العمل بشرائع الاسلام الدينية بحيث تكون محبتها راسخة في قلبه تحببه الى ربه
وتقربه من خلقه وتصلح امر دنياه وآخرته سيما الصلاة المفروضة فانها الدواء الفرد
تقيم اعوجاج الولد وتصلح منه ما فسد وتذكره بالله الاكبر وتصده عن الفحشاء والمنكر
يقول الله : ( اتل ما أوحي اليك من الكتاب واقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر ولذكر الله أكبر ) . وانه متى اهمل الناس تربية اولادهم فلم يهذبوهم على فعل
الصلاة والصلاح والتقى ولم يردعوهم عن مواقع الكفر والفساد والردى فانه لا بد ان
يتولى تربيتهم الشيطان فيحبب اليهم الكفر والفسوق والعصيان وصدق الله العظيم ( ومن
يعُش – أي يعرض – عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن
السبيل ويحسبون انهم مهتدون حتى اذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين
فبئس القرين ) . ان أكثر ما يجني على الاولاد ويوقعهم في الكفر والالحاد هي
مجالسة ومصاحبة أهل السفاه والفساد الذين ساءت طباعهم وفسدت أوضاعهم فلا دين لهم
ولا أخلاق وبادمان مجالستهم ومؤانستهم تنطبع أخلاقهم وطباعهم فيهم لان الاخلاق
تتعادى والطباع تتناقل والمرء على دين خليله وجليسه واعتبروا الناس بأخدانهم فكم
من رجل شب حكيماً حسن الخلق نزيه العرض عريق الشرف صحيح الطريقة سليم العقيدة ثم
اصطحب مع سفهاء الاحلام وضعفاء العقول والأديان فافسدوا طريقته وغيروا عقيدته
وأوقعوه في الرذائل من ترك الطاعات وشرب المسكرات فساءت طباعه وفسدت أوضاعه وانتشر
عنه الذكر الخامل والسمعة السيئة ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) . ان الاجسام أشباح وان الاخلاق هي الارواح وان بقاء الامم
وحسن استقامتها ببقاء اخلاقهم فاذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا والنبي صلى الله عليه وسلم
قال : " ان الله سبحانه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم ارزاقكم وان الله
يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين الا من يحب فمن اعطاه الله الدين
فقد أحبه " . ان من عادة النصارى أنهم يوعزون الى أُجَرائهم الدجالين من
المعلمين والمبشرين بان لا يبدأوا مسلماً بادي الرأي بدعوته الى النصرانية فان هذا
مما يتعذر على المسلم انتقاله عن دينه بهذه الصفة . وانما الطريقة المثلى في تنصيرهم هو النيل من دينهم
بالتكذيب بالقرآن وبينهم والقاء التشكيكات فيه ورمي شريعته بأنها تكاليف شاقة وانه
لا يتلاءم العمل بها مع القرن العشرين ونحو ذلك من التخذيلات والقاء التشكيكات حتى
اذا خالجهم الشك في دينهم وزال عنهم ثقتهم ويقينهم وتزعزعت اركان عقيدتهم سهل
حينئذ تنصيرهم فهذا دأبهم في سياسة دعايتهم إلى دينهم وبعلمه يعملون ( ويقول الذين
كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) . وبسبب هذه التعاليم صار شباب المسلمين يخرجون من الدين
أفواجاً أفواجاً حيث ينقدح الشك في قلب احدهم بأول عارض من شبهة . وناهيك بالسذاجة وعدم العلم والمعرفة فان القاصرة عقولهم
والناقصة علومهم هم اتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح . لم يستضيئوا بنور العلم ولم
يلجأوا من الحق والتحقيق الى ركن وثيق والله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات
والعقل الكامل عند حلول الشهوات . وهذه من فتن الحياة التي كان رسول الله يستعيذ منها في
ادبار الصلوات ويقول : " اللهم اني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات " لأن
من فتن في حياته فتن بعد وفاته ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الاخرة ) والقول الثابت هو الدين القويم وسلوك الصراط المستقيم ( ومن
يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقيين والشهداء
والصالحين وحسن اولئك رفيقا) . وهو المشار اليه بقوله صلى الله عليه وسلم : " ان امتي
ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة " قالوا : وما هي يا
رسول الله . قال : " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم واصحابي " . فالعاقل لا يستوحش طرق الاسلام لقلة السالكين ولا يغتر بكثرة
الهالكين التاركين للدين فان الله يقول : ( وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (
وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله أن يتبعون إلا الظن وإن هم الا
يخرصون ) . ان هؤلاء المرتابين والمرتدين عن الدين لم يكونوا مؤمنين به
على الحقيقة وانما كانوا فيه على طرف ان اصاب أحدهم خيرٌ اطمأن به وان أصابته فتنة
أنقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين . وصار أكثرهم يفضلون الاباحة المطلقة على كل ما يقيد الشهوة
من عقل وأدب ودين . ويحبون ان يعيشوا في الدنيا عيشة البهائم ليس عليهم امر ولا
نهي ولا صلاة ولا صيام ولا حلال ولا حرام ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل
الأنعام والنار مثوى لهم ) وهذا نتيجة تعليم المدارس الاجنبية التي يتعلمون فيها
وهم صغار والتي لا يترك اهلها طريقة مستقيمة ولا معوجة الا سلكوها بزخرف القول
وخداع الالفاظ . ان هؤلاء الشباب من ابناء المسلمين متى يخرج احدهم من احدى
المدارس الاجنبية رجع الى اهله وبلده واخذ يبث جراثيم تلك التعاليم السيئة التي حملها
من المدرسة حتى يصير فتنة على أهله واقاربه وسائر من يقاربه كما قال تعالى في حق
الغلام : ( واما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا ان يرهقهما طغياناً وكفراً
فاردنا ان يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً ) . فكم ولد في هذا الزمان قد ارهق ابويه طغياناً وكفراً يسخر
بهما حين يراهما يصليان او يصومان يقول الله : ( ان من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم
فاحذروهم ) ومن للتبعيض أي أن بعض الازواج وبعض الأولاد عدو لكم من حيث لا تشعرون
بحيث يدعونكم الى النار والله يدعو الى الجنة والمغفرة باذنه ( يا أيها الذين
آمنوا لا تتخذوا آباءكم واخوانكم أولياء ان استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم
منكم فأولئك هم الظالمون ) . فنهى الله عباده المؤمنين ان يتخذوا آباءهم أو
أبناءهم واخوانهم أولياء أي أصدقاء ان استحبوا أي اختاروا الكفر على الايمان لكون
الكفر يقطع الموالاة والنسب بين الرجل وابيه وبين الرجل وابنه كما قال تعالى عن
نوح أنه قال : ( رب ان ابني من اهلي ) أي وقد وعدتني ان تنجيني بأهلي فقال تعالى :
( انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم اني اعظك ان تكون
من الجاهلين ) والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يرث المسلم الكافر ولا
الكافر المسلم " رواه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد . ان عقيدة الالحاد هي جرثومة الفساد وخراب البلاد وفساد
أخلاق العباد ومتى سطا الالحاد على قلب احد هؤلاء الاولاد فانه يطيش به عن مستواه
الى حالة الفجور والطغيان ومجاوزة الحد في الكفر والكبر والفسوق والعصيان فيمقت
الدين ويهزأ بالمصلين الراكعين الساجدين حتى كأنه انما تعلم العلم لمحاربة الدين
واهله من أجل انه لم ينطبع في قلبه محبته ولم يذق حلاوة حكمته وانما كان حظه من
العلم محض دراسته حبراً على ورق ثم زال عن قلبه بزواله عنه حتى لم يبق معه اثر منه
. ومتى جهر هؤلاء بالحادهم في بلادهم وأمنوا من العقاب فيما
يقولون فانهم حينئذ يفيضون يفنون من الطعن في الدين بالقاء الشبهات والتشكيكات
التي تزيغ العوام وضعفة العقول والافهام عن معتقدهم الصحيح وعن دينهم المستقيم ثم
تقودهم إلى الالحاد والتعطيل والزيغ عن سوء السبيل فيصيرون فتنة في الأرض وفساداً
كبيراً . وحتى الذين لا يعتقدون اعتقادهم ولا يساهمونهم في آرائهم
فانهم لن يسلموا من مضار أفكارهم واقل شيء كون الضعف والوهن يلم بأركان عقائدهم ثم
يسري هذا الفساد وسوء الاعتقاد الى اهلهم واولادهم لان أكثر الناس مقلدة في دينهم
بحيث يقلد بعضهم بعضاً في الاخلاق والعقائد وقد قال بعض السلف انه ما ترك أحد الحق
وعدل عنه إلى الباطل الا لكبر في نفسه ثم قرأ : ( ساصرف عن آياتي الذين يتكبرون في
الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه
سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها
غافلين ) . وقد قال ابو عثمان الجاحظ في أخلاق الكتاب : " قد قال
أهل الفطن ان محض العمى هو التقليد في الزندقة لانها اذا رسخت في قلب امرئ تقليداً
فانها تطيل جرأته على الدين وأهله ويتغلق على اهل الجدل افهامه " .
انتهى وقد قيل : عمي العيون عموا عن كل
فائدة لانهـم كفروا بالله تقليــدا ولم يأمر الله على لسان نبيه بقتل المرتد التارك لدينه إلا
رحمة بمجموع الامة ان تفسد بهم اخلاقهم وعقائدهم . والدين هو قوام الأمة ومناط فلاحها وعليه مدار استقامتها
واصلاح مجتمعها لانه يهذب الاخلاق ويطهر الاعراق ويزيل الكفر والشقاق والنفاق وسوء
الاخلاق وانما تنجم الافعال الفظيعة والفواحش الشنيعة من القتل والزنا وشرب الخمور
وانتهاك الحدود والمحرمات من العادمين للدين الذين ساءت طباعهم وفسدت اوضاعهم
وتركوا فرائض ربهم ونسوا أمر آخرتهم . ان كل من تأمل احوال الناس بعين الاعتبار
فانه يرى بأن هؤلاء الذين ارتدوا عن دينهم وتركوا فرائض ربهم ونسوا امر آخرتهم
فاضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وخرقوا سياج الشرائع واستخفوا بحرمات الدين
واتبعوا غير سبيل المؤمنين فانه يجدهم من أسوأ الناس حالا وابينهم ضلالا واشدهم
اضطراباً وزلزالا وانهم جديرون بزوال النعم والالزام بالنقم لان الله سبحانه قد
توعد كل من اعرض عن عبادة ربه ونسي امر آخرته بأن له معيشة ضنكاً في حياته كما وعد
كل من اتقاه واتبع هداه وعمل بطاعته بأنه لا يضل في سعيه ولا يشقى في دنياه ولا آخرته
فقال تعالى : ( من اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة
ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى ) . وهذه المعيشة الضنك هي ضربة لازب في حق كل من أعرض عن عبادة
ربه ونسي أمر آخرته وصرف جل عقله وجل عمله واهتمامه للعمل في دنياه واتباع شهوات
بطنه وفرجه فانه يكون دائماً مهموماً مغموماً يتمتع بعيشة منكدة وحياة مكدرة فهو
شقي في دنياه وآخرته . كما وعد سبحانه كل من عمل صالحاً من ذكر وانثى بأن يحيا
حياة طيبة وان يجعل له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب
ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا وفي الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" قال الله عز وجل يا ابن آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى واسد فقرك وان لا
تفعل ملأت قلبك شغلا ولم اسد فقرك " . ومعنى تفرغ لعبادتي ليس معناه التخلي
عن الدنيا بترك البيع والشراء والاخذ والعطاء فان هذا مذموم شرعاً وانما معناه
الحث على التحفظ على العبادات الواجبة من الصلاة والزكاة والصيام ثم التزود بنوافل
العبادات . فمن لازم هذه الاعمال وسعى سعيه في كسب المال الحلال أحياه الله حياة
سعيدة طيبة يجد لذتها في نفسه وتسري بالصحة والسرور على جسمه وعلى سائر أهله
وعياله فيكون سعيداً في حياته سعيداً بعد وفاته لأن عمل الآخرة نعم العون على أمر
الدنيا ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا . فيا معشر شباب المسلمين ان الله سبحانه قد شرفكم بالاسلام
وفضلكم على سائر الانام متى قمتم بالعمل به على التمام وان الاسلام بمثابة الروح
للانسان فضياعه من اكبر الخسران وانه ليس الاسلام هو محض التسمي به باللسان
والانتساب اليه بالعنوان ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الاعمال فاعملوا باسلامكم
تعرفوا به وادعوا الناس اليه تكونوا من خير أهله . ومتى سافر أحدكم الى الاقطار الاجنبية لحاجة التعلم أو
لحاجة العلاج او لاي حاجة من الحاجات فمن واجبه ان يظهر اسلامه في أي مكان يحل به
فيدعو الى دينه والى طاعة ربه بالحكمة والموعظة الحسنة واذا حضرت فريضة من فرائض
الصلوات امر من عنده بأن يصلوا جماعة حتى يكون مباركاً على نفسه وعلى جلسائه . أما اذا صرفتم في سفركم جل عقولكم واهتمامكم للعمل في
دنياكم واتباع شهوات بطونكم وفروجكم وتركتم فرائض ربكم ونسيتم امر آخرتكم صرتم
مثالا للمعايب ورشقاً لنبال المثالب وسيسجل التاريخ مساوئكم السيئة التي خالفتم
بها سيرة سلفكم الصالحين الذين شرفوا عليكم بتمسكهم بالدين وطاعة رب العالمين فلا
ادري من احق بالأمن ان كنتم تعلمون . نسأل الله سبحانه وتعالى ان يثبتنا واياكم على دينه القويم
وان يسلك بنا وبكم صراطه المستقيم ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن
همزات الشياطين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . حرر في 22/4/1396هـ
|