الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الايمان باليوم الآخر

ان الايمان باليوم الآخر هو الاصل لصلاح الاعمال واستقامتها والتحفظ على الفرائض والفضائل والتخلي عن المنكرات والرذائل ويغرس في القلب محبة الرب والتقرب اليه بطاعته فهو ينظم الانسان في حياته أحسن نظام بحيث يخاف عواقب سيئاته ويرجو ثواب حسناته أما عدم التصديق باليوم الآخر بالثواب والعقاب والجنة والنار فانه ينشأ عنه غالباً الاعمال الفضيعة والفواحش الشنيعة ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا . لان من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ومن خاف الله لم يشف غيظه ومن اتق الله لم يصنع ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون وذلك ان المؤمن يعلم ان الدنيا دار ابتلاء وامتحان ودار فناء وزوال ( انا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ايهم أحسن عملا وانا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً ) وقد سمى الله الدنيا دار متاع ( قل متاع الدنيا قليل وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور ) . والمتاع هو ما يتمتع به صاحبه وقتاً من الزمن ثم ينقطع عنه مأخوذ من متاع المسافر ارضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل .

ثم ان هذا الموت الذي أفسد على أهل الدنيا نعيمهم ولذاتهم ليس هو فناء ابداً لكنه انتقال من دار الى دار اخرى ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى ) فلا يجزع من الموت ويهوله الفزع منه الا الذي لم يقدم لآخرته خيراً والذي يقول ( ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ) فهذا هو المفرط في حياته الذي عمر دنياه وأخرب آخرته ( خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) فيندم حينما ينزل به الموت اشد الندم ( ويقول يا ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) وأنه ما بين أن يثاب الانسان على الطاعة والاحسان او يعاقب على الاساءة والعصيان الا ان يقال فلان قد مات وما أقرب الحياة من الممات وكل ما هو آت آت .

والمؤمن يعتقد ان له حياة في الآخرة هي أبقى وارقى من حياته في الدنيا والموت وان كان مكروهاً لدى النفوس لكنه سبب في انتقال المؤمن من دار الشقاء والفناء الى دار السعادة والبقاء ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " فقال الصحابة : يا رسول الله كلنا يكره الموت . فقال : انه ليس الامر كذلك ولكن الانسان اذا كان في انقطاع من الدنيا واقبال على الآخرة فان كان من اهل الخير بشر بالخير فاحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وان كان من أهل الشر بشر بالشر فكره لقاء الله وكره الله لقاءه " . ان من كانت عقيدته التكذيب باليوم الآخر وانكار البعث للحساب والثواب على الحسنات والعقاب على السيئات فانه ينصرف بعقله وعمله واهتمامه الى العمل في دنياه واتباع شهوات بطنه وفرجه ويترك فرائض ربه وينسى أمر آخرته وقد حذر الله المؤمنين أن يكونوا أمثاله فقال : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسو الله فأنساهم انفسهم اولئك هم الفاسقون ) أي نسوا حق الله عليهم من صلاتهم وزكاتهم وسائر واجباتهم فانساهم الله انفسهم أي أنساهم مصالح أنفسهم الدينية والدنيوية وحذر الله المؤمنين ان يكونوا امثالهم .

فهؤلاء الذين ينكرون وجود الرب ويكذبون بالبعث بعد الموت ويكذبون بالجنة والنار هم عند المحققين من علماء المسلمين أكفر من اليهود والنصارى وضررهم على الاسلام والمسلمين أشد من ضرر اليهود والنصارى من أجل أن المسلمين يغترون بهم ينخدعون لاقوالهم ولم يأمر الله على لسانه نبيه بقتل المرتد عن دينه الا رحمة بمجموع الامة أن تفسد بهم عقائدهم واخلاقهم فان الاخلاق تتعادى والطباع تتناقل . فمتى جهر هؤلاء بإلحادهم في بلادهم ترتب على جهرهم فتنة في الارض وفساد كبير لان الجهر بالالحاد هو جرثومة الفساد وخراب البلاد وفساد اخلاق العباد وخاصة النساء والأولاد لان الناس مقلده لبعضهم من بعض في الخير والشر .

فمتى وجد من يجاهر الدين بالعداء ويرمي القلوب بانكاره وكراهيته ويدعو الى الاعراض عنه والتكذيب به وعدم التقيد بحدوده وفرائضه فأولئك هم نواة الفتنة والمحاربون لله ورسوله وقد اوجب الله قتلهم وقتالهم وسماهم أئمة الكفر فقال تعالى : ( وان نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون ) .

فسماهم أئمة الكفر من أجل ان الناس يقتدون بهم في كفرهم وضلالهم وكان من عادة السلف أنهم يكتبون عقيدتهم في صدر وصيتهم ليعلموا الناس أنهم ماتوا على عقيدة أهل السنة فيقولون : هذا ما اوصى به فلان ابن فلان وهو شهد ان لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله وان عيسى رسول الله وكلمته القاها الى مريم وروح منه وان الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور شهادة عليها أحيا وعليها أموت وعليها ابعث انشاء الله تعالى والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

حرر في 19 جمادى الاولى سنة 1396هـ