الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

شبهة النصارى على المسلمين في عقيدة القضاء والقدر

عقيدة القضاء والقدر قد كثر من النصارى الخلط والخبط في الطعن على الاسلام والمسلمين فيها لظنهم فيها الظنون الكاذبة حيث أخرجوها عن حدود ما أنزل الله وعن حقيقة ما يؤمن به المؤمنون .

وقالوا ان المسلمين في فقر وفاقة وفي تأخر في القوى الحربية والسياسية عن سائر الأمم من اجل اعتقادهم بالقضاء والقدر .

لظنهم ان المسلمين كانوا على عقيدة الجبر القائلين ان الانسان لا يعدو أن يكون مجبوراً محضاً في جميع افعاله .

وتوهموا ان المسلمين يرون انفسهم كالريشة المعلقة في الهواء تقلبها الرياح كيف تميل وانه لا حول لهم ولا قوة ولا اختيار وانما ذلك بقوة جابرة وقدرة قاسرة فلا ريب ان تتعطل قواهم ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى ويزول عن خواطرهم داعية السعي والكسب والحرفة ثم يتحولون من عالم الوجود الى عالم العدم ويسلبون العزة والقوة ويحكم فيهم الضعف والضعة ورموا المسلمين من أجلها بصفات المذلة وسيما الهوان .

ذلك ظن الذين كفروا في المسلمين وتبعهم على ظنهم هذا ضعفاء العقول من العرب الذين اولعوا بتقليد النصارى وتصديقهم فيما يقولون فهم يلفظون لفظهم كلما لفظوا ويتبعون ظلهم اينما انبعثوا .

واقول انهم افتروا الكذب على الله وعلى عباد الله فيما يقولون فانه لا يوجد مسلم صحيح الاسلام في هذا الزمان يعتقد مذهب الجبر المحض ويعتقد سلب القدرة والاختيار عن نفسه او عن غيره ولو وجد فانهم يلحقونه بالمجانين .

وكل الطوائف من المسلمين من زمن الصحابة الى زماننا هذا يعتقدون للانسان قدرة واختياراً وأن قدرته تؤثر في مقدورها حسب تأثير القوي والطبائع بما يسمى الكسب والاختيار وهو مناط التكليف الذي عليه مدار الثواب والعقاب والفوز بالجنة والنجاة من النار يقول الله : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما تعملون ) .

فهم يعتقدون انهم محاسبون على ما وهبهم الله من القوى والاختيار ومطالبون بامتثال جميع الاوامر والنواهي الربانية ان احسنوا فلانفسهم وان اساءوا فعليها .

فهم يلومون ويذمون كل من يحتج بالقدر في ترك الامر وارتكاب النهي وانه لا حجة له في ذلك بل حجته داحضة عند ربه .

وقد امر رسول الله امته بأن يأخذوا بالكيس والحزم وفعل اولي العزم في جميع اعمالهم من امور دينهم ودنياهم وان يأخذوا حذرهم ويستعدوا بالقوة لعدوهم وبما استطاعوا من الكيد والقوة ونهى عن الكسل والعجز واخبر ان الله يلوم عليه كما ارشدهم ودلهم على الدواء عند الحاجة اليه وقال ان الله لم ينزل من داء إلا وانزل له دواء وقال تداووا ولا تداووا بحرام .

ونهى اشد النهي عن ان يتكلوا على القضاء والقدر في شيء من أعمالهم بل قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له وهذا هو مناط التكليف الشرعي وبه تتم الحكمة والعدل والمصلحة وعليه مدار عقيدة المسلمين وقد قيل : العاقل خصم نفسه والجاهل خصم اقدار ربه .

أما عقيدة الجبر كالذين يحيلون جميع تصرفاتهم في ترك واجباتهم أو ارتكاب محرماتهم الى القضاء والقدر فهذا الاعتقاد قد انقرض اهله من غير أنه في هذا الزمان نشأ طائفة من شباب العرب الماردين والمارقين عن الدين يحتجون بالقدر في ترك الواجبات وارتكاب المنكرات وشرب المسكرات ومتى عذلته أو نهيته عن سوء عمله قال هذا أمر كتبه الله علي فيجعلون عجزهم توكلا وكفرهم وفجورهم قضاء وقدراَ .

وسمع من بعض الملاحدة انه يقول الذنب ذنب الذي خلق ابليس ليس ذنبي وهؤلاء يعدهم المسلمون ملاحدة ليسوا من المسلمين .

ان اعتقاد القضاء والقدر الصحيح تنجم عنه الافعال الصحيحة وتتبعه الصفات الحميدة من بسط اليد في النفقة والصدقة والجرأة والاقدام وخلق الشجاعة ويبعث على اقتحام المهالك في سبيل الحق وحماية الدين والوطن ويلهج اهله بقولهم : ( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ان هذا الاعتقاد يطبع في النفوس الثبات على المكارم وتحمل المكاره ومقارعة الاهوال الشديدة بجأش ثابت ويحلي الانفس بحلية الجود والسخاء لاعتقاده ان ما انفقه فان الله سيخلفه كما يحملها على التضحية بالروح في سبيل الحق والتخلي عن الدنيا وزينتها .

فالمسلم الذي يعتقد هذا الاعتقاد وان نواصي الخلق بيد رب العباد يتصرف فيها كيف يشاء لله ما اخذ ولله ما اعطى وان الدنيا دار متاع يتمتع بها صاحبها برهة من الزمن ثم يزول عنها وان الآخرة هي دار القرار وان كل امرئ مجازى ان خيراً فخير وان شراً فشر .

فهذا الاعتقاد متى رسخ في قلب المؤمن فانه لا يرهب الموت ابداً ولا يجزع منه إذا نزل به لاعتقاده ان له داراً هي أبقى وارقى من دار الدنيا وعيشاً ونعيماً هو أرغد وأنعم من عيش الدنيا فانه لن يجزع من فراق الدنيا والحالة هذه .

ثم ان هذا الموت ليس بفناء ابداً لكنه انتقال من دار الى دار أخرى ليجزى فيها الذين اساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى فلا يجزع من الموت الا الذي لم يقدم لآخرته خيراً ويقول ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فهذا يجتمع عليه عند فراقه للدنيا سكرة الموت وحسرة الفوت وهول المطلع فيندم حيث لا ينفعه الندم ويقول يا ليتني قدمت لحياتي .

لقد اندفع المسلمون بصحة عقيدتهم في اوائل نشاطهم في القرن الاول والثاني والثالث بشجاعة باسلة وقلوب ثابتة وايمان راسخ فاندفعوا الى الممالك البعيدة في مشارق الارض ومغاربها وبأيديهم القرآن يفتحون به ويسودون ويدعون الناس الى العمل به فهو السبب الاعظم الذي به نهضوا وفتحوا وسادوا وبلغوا المبالغ كلها من المجد والرقي حتى استطاعوا أن يثلوا عروش كسرى وقيصر في أصر مدة من الزمان وهم ارقى الامم حضارة وقوة ونظاماً وعدداً وعدة .

فما كان خوضهم لهذه المعارك التي هي غاية في اقتحام المهالك إلا من أجل ايمانهم بالقضاء والقدر على الوجه الصحيح وانها لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فهذا الاعتقاد هو الذي ثبت اقدام المسلمين مع قلتهم وضعفهم أمام جيوش أعداءهم التي يغص بها الفضاء وتعج من كثافتها الارض والسماء فكشفوهم بقوة الايمان ثم نشروا التوحيد والصلاح والسعادة في سائر البلدان وكانوا ممن قال الله فيهم : ( الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) .

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حرر في 20 ربيع الثاني سنة 1396هـ .