الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .

أما بعد فان القضاء والقدر قد ضل فيه خلق من البشر حيث حملوه على غير المعنى المراد منه فتفرقوا فيه شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون .

فهدى الله الذين آمنو لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وقد صار من سيما الملاحدة أهل الجدل ، شدة اللحاح في السؤال عن القضاء والقدر ، لا لأجل الاستفادة والاستفسار عن الحق وإنما هو لأجل التضليل به والتشكيك فيه ، فعندما تلقى أحدهم فإنه يبادرك بالسؤال عن القدر لكونهم وجدوا فيه لظنهم نوعاً من العذر لهم في اسقاط الواجبات وارتكاب المنكرات وشرب المسكرات . حتى اذا أمرت أحدهم بالخير أو نهيته عن الشر قال : هذا أمر كتبه الله علي . يريدون ان يلقوا جريمتهم على كاهل القضاء والقدر ، لاعتقادهم ان القضاء والقدر بمثابة الغل في أعناقهم والقيد في أرجلهم وحجتهم به داحضة عند ربهم . لأنهم على طريقة المجبرة فما اذنب القضاء والقدر ولكنهم المذنبون " يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون " .

وقد يتجارى بهم الهوى والتوسع في فنون الفجور فيقولون : كيف يكتب الرب علينا الشقاء ثم يعذبنا بالنار .

وسمع من بعض الملاحدة قوله : كيف يخلق الله ابليس ويسلطه على الناس ثم يعذب من أطاعه بالنار والذنب الذي خلق ابليس . تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً . وهؤلاء يسميهم العلماء مجوس هذه الأمة لأنهم على طريقة المجبرة يرون أنهم مجبورون على فعل الجرائم بطريق القضاء والقدر . قال الخطابي : قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إحبار الله العبد وقهره على ما فعل ما قدره وقضاه ، وليس الامر كما يتوهمون وانما معناه الاخبار يسبق علم الله بما يكون من اكساب العبد وصدورها عن اختيار منه . والله سبحانه قد اعذر وأنذر لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فانزل القرآن فيه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان يفرق الله فيه بين طريق أهل الكفر والايمان والهدى والضلال ، وارسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل . يقول الله : ( ولقد بعثنا في كل امة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هذى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) وأنزل الله على سبيل الأعذار والانذار : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة )

والله سبحانه خلق الانسان وعلمه البيان وخلق له السمع والبصر والعقل ليتمكن بذلك من فعل ما ينفعه والتباعد عما يضره في امر دنياه وآخرته اذ هو مختار في عمله ( من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) ثم ان الله سبحانه خلق الانسان وخلق الشيطان ليبلوكم أيكم أحسن عملا كما خلق الجنة جزاء وكرامة لمن أطاعه واتقاه وخلق النار عقاباً وعذاباً لمن أطاع الشيطان . والناس بين مؤمن تقي وفاجر شقي ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) .

وأنزل الله ( ألم أعهد اليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان – أي لا تطيعوا الشيطان – إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيراً أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون اليوم نختم على افواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون فاخبر الله سبحانه أن اعتناقهم للكفر ودخولهم النار حصل عليهم بسبب كسبهم واختيارهم لانفسهم حيث اختاروا الكفر على الايمان واستحبوا العمى على الهدى كما قيل لا ادانة الا بعد التحقيق .

وقد حقق سبحانه ذلك بقوله : ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ) وقال : ( انا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا ) فعلى الله قصد السبيل وعلى العبد العمل .

وحتى أن ابليس يتبرأ يوم القيامة من الذين اتبعوه واشركوا به ( وقال الشيطان لما قضي الأمر – أي دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار – إن الله وعدكم وعد الحق – أي وعدكم وصدقكم – ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما انتم بمصرخي اني كفرت بما اشركتمون من قبل ان الظالمين لهم عذاب اليم ) .

فأفصح ابليس عن نفسه بأنه لم يخرج الى الناس بمدافع وبنادق يحدوهم بها بطريق الجبر الى طاعته وانما غاية كيده وعمله هو الوسوسة في الصدر فقط فلا حجة لهم في الاعتذار به .

( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين ناراً احاط بهم سرادقها ) .