الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الـــروح وما يتعلق بهــــــا

اختلف العلماء في عذاب القبر ، هل هو على الجسم والروح أو على الروح فقط ، ورجحوا كونه على الجسم والروح وأن الجسم يفنى حتى يصير ترابا ، ولسنا من الفكرة التي يحكيها بعض أهل الكلام من قولهم : إن تراب الأرض متكون من أجسام الموتى ، وأنشدوا في ذلك:

تداس جباه تحتها وحدود

 

رويدا بأخفاف المطي فإنما

فإن هذه الفكرة لا يوافقها العقل ولا يصدقها النقل. والقول الصحيح: هو أن الروح تبقى بعد مفارقتها للبدن منعمة أو معذبة ، فهي من الأشياء التي لا يعتريها الفناء ، وقد نظمها بعضهم فقال:

من الخلق والباقون في حيز العدم

 

ثمانية حكم الفناء لا يعمها

وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم

 

هي العرش والكرسي نار وجنة

وأشار بالعجب إلى عجب الذنب كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال:
» يبلى من ابن آدم كل شيء إلا عجب الذنب ، وهو قدر الذرة « ومعنى يبلى ، أي يذهب ويضمحل ، وقد أخبر الله عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وهذه حياة أرواح غيبية يفسرها ما روى » الإمام أحمد « عن ابن عباس قال، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجوف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقبلهم قالوا: يا ليت إخواننا الأحياء يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب ، فقال الله ـ عز وجل ـ أنا أبلغهم عنكم ، وأنزل الله : » ولا تحسبن الذي قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون « . قال ابن كثير في (التفسير) وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لك مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح فيها وتأكل من ثمارها وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أهل المذاهب المتبعة ، قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حدثنا محمد بن إدريس الشافعي عن مالك بن أنس  عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن أبيه كعب بن مالك ـ رضي الله عنهم ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ، ومعنى يعلق أي يأكل وأشار إلى بقاء الروح لأنها الأصل في الإنسان لا في حياته ولا بعد موته أما البدن فإنه يذهب ويضمحل حتى يصير ترابا إلى أن ينشأه الله خلقا جديدا حين يبعثه ، أما الأرواح فإنها تبقى كما ثبتت في حديث الإسراء أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى بالأنبياء ، وهو إنما صلى بأرواحهم وإلا فإن أجسامهم بالأرض ما عدا عيسى ـ عليه السلام ـ وكذلك المراجعة الحاصلة بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين موسى ـ عليه السلام ـ ليلة الإسراء إنما هي بينه وبين روح موسى ، ويلتحق بهذا ما ورد من عرض أعمال الأحياء عن الأموات ، وكونهم يسرهم ما كان حسنا ويسوءهم ما  كان قبيحا ، وكان أبو الدرداء يقول: » اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزي به عند عبد الله بن رواحة ، وكان عمه ، فهذا العرض ونحوه هو عرض الأعمال على الأرواح لا على القبور، ومنه  ما ورد في الصحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة ، فإن صلاتكم معروضة علي ، وقال لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني أين كنتم فمن يصلي ويسلم على رسول الله بحافة قبره الشريف ومن يصلي عليه في أقصى بقاع الأرض هما في التبليغ سوى » اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد « . ومن الدليل على بقاء الأرواح وتخاطب أرواح الموتى مع الأحياء وإحساس كل منهما بالآخر ما يراه الإنسان في منامه من تخاطبه مع الأموات ويرى الرؤيا الصادقة ثم تأتي كفلق الصبح ، لهذا يصبح مسرورا ، حين ما يرى أن أحدا من الموتى أو الأحياء قد بشره بخبر أو أعطاه خيرا وهذه هي عاجل بشري المؤمن ، وفي الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: ذهبت النبوات ولم يبق إلا المبشرات ، قالوا: ما المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له وهذه الرؤيا الصادقة هي بمثابة الأنموذج لالتقاء أرواح الأحياء بالأموات وإحساس كل منهما بصاحبه ، وقد سمى الله النوم وفاة في قوله: » الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامنها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى « ، ولا ينبغي لنا أن نتكلف الزيادة على هذا فيما يتعلق بأرواح الموتى والتقاءها بأرواح الأحياء لأن الأرواح بمثابة الخيل تتشام في الهوى ، أما مشروعية السلام على القبور ، فقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » كنت نهيتكم عن زيارة القبر فزوروها فإنها تذكركم الآخرة وفي رواية نزهدكم في الدنيا فرؤية القبر يذكر بساكنه ، وإن كان قد اضمحل جسمه حتى صار ترابا، فرسول الله قد زار قبور أصحابه للدعاء والاستغفار لهم ، قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في » الهدى « : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا زار قبور أصحابه إنما يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم وأمرهم أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية ، وكان يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يفعل عند الصلاة عليها .. انتهى . فقوله السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين هو دعاء لهم بالسلامة والعافية من العذاب ، لأن السلام دعاء بالسلامة نظيره قول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وهي تشمل كل عبد صالح حي أو ميت ، والسلام على رسول الله دعاء له مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر » ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم « ، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

والحمد لله رب العالمين

حرر في 11/10/1393هـ

 

 « .

 

 

 

 « .

 « .