![]() |
|
وفاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحمد لله الكريم المنان ، خلق الإنسان من عدم
، ثم قال كن فكان ، كل يوم هو في شأن ، وكل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو
الجلال والإكرام ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من قال ربي الله ثم استقام .
وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله سيد الأنام . اللهم صل على نبيك ورسولك محمد ، وعلى
آله وصحبه البررة الكرام ، وسلم تسليما كثيراً . أما بعد : فإن الله سبحانه كتب على الناس في
الدنيا الفناء ، وعلى الآخرة البقاء . ولا بقاء لما كتب عليه الفناء . ( يا قوم
إنما هذه الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار ) (1) . فسمى الله الدنيا متاعاً. والمتاع هو ما
يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع عنه. مأخوذ من متاع المسافر ( أرضيتم بالحياة الدنيا
من الآخرة فما متاع الدنيا في الآخرة إلا قليل) (2). وقال: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (3) . فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها ، وتقلب
أحوالها. وهو أدل دليل على زوالها . فتتبدل صحتها بالسقم ، ونعيمها بالبؤس ،
وحياتها بالموت ، و عمارها بالخراب ، واجتماع أهلها بفرقة الأحباب . وكل ما فوق
التراب تراب ، وهذا الموت الذي يفزع الناس منه ليس هو فناء أبداً ، ولكنه انتقال
من دار إلى دار أخرى ، ليجزي فيها الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا
بالحسنى . فلا يجزع من الموت ويهوله الفزع منه إلا الذي لم يقدم لآخرته خيراً.
(1)
39 – غافر (2)
38- التوبة (3)
185- آل
عمران فهذا
الذي يكره الموت لكراهة لقاء ربه لسوء ما قدمه ، ويجتمع عليه عد فراقه للدنيا سكرة
الموت وحسرة الفوت ، و هول المطلع ،
فيندم حيث لا ينفعه الندم . ويقول: ( يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه
أحد . و لا يوثق وثاقه أحد ) (1) . إن
الناس في الدنيا بمثابة الغرباء الذين يعرفون بأن لهم داراً غير دار الدنيا، فهم
يجمعون لها ، ويعملون عملهم في تمهيد النقلة إليها ، لأن من قدم خيراً أحب القدوم
عليه . فالمحسن في عمله يحب الموت لمحبته للقاء ربه ، ومن أحب لقاء الله ، أحب
الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله ، كره الله لقاءه . وقد قال الصحابة : يا رسول
الله ، كلنا يكره الموت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنه ليس الأمر كذلك ، ولكن الإنسان إذا كان في انقطاع
من الدنيا ، وإقبال على الآخرة ، فإن كان من أهل الخير بشر بالخير ، فأحب لقاء
الله ، وأحب الله لقاءه. وإن كان من أهل الشر بشر بالشر ، فكره لقاء الله ، وكره
الله لقاءه» (2). و مكث
النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة من عمره لم يوح إليه بشيء كما قال في معرض
الاحتجاج على قومه ( فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون) (3) . حتى
فاجأه الحق ، ونزل عليه الوحي بعد الأربعين ، وهو بغار حراء ، فأنزل عليه ( اقرأ
بإسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم .
وعلم الإنسان ما لم يعلم ) (4) . وهذا هو زمن البعثة الذي امتن الله على عباده المؤمنين
بها .
(1)
24-26 –
الفجر (2)
رواه البخاري
ومسلم (3)
16- يونس (4)
1-5- العلق فقال
: ( لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) (1). ثم استمر الوحي وتتابع ، فلما كانت السنة العاشرة من الهجرة ظهر له
أمارات اقتراب أجله وارتحاله من الدنيا إلى لقاء ربه . فحج بالناس تلك السنة ،
وعلمهم مناسك حجهم ، ونادى في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ، فقدم
المدينة بشر كثير ، كلهم يريد أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل
عمله. وأنزل الله عليه وهو
واقف بعرفة ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكن الإسلام ديناً )
(2) . وليس بعد التمام إلا النقص.
وفي يوم عرفة أشار في
خطبته إلى اقتراب أجله فقال: « لعلي لا ألقاكم بعد عامي
هذا ،ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض » (3) . فسميت حجة الوداع من أجل أنه ودع الناس فيها ، وخطبهم الخطبة العظيمة
فقال فيها: « إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم
هذا ، في بلدكم هذا ، ألا وكل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع » . ثم ذكر تحريم الربا ،
وحثهم على الإحسان إلى النساء ، وعلى التمسك بكتاب الله . وفي أواسط أيام التشريق
أنزل الله عليه ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً
، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً) (4). ففي هذه السورة إعلام باقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما
فسرها بذلك ابن عباس.
(1)
164 – آل
عمران . (2)
3 – المائدة
. (3)
من خطبته صلى
الله عليه وسلم في حجة الوداع. (4)
صورة النصر. معناه
إذا جاء نصر الله يا محمد والفتح ــ يعني فتح مكة ، ورأيت الناس يدخلون في دين
الله أفواجا فإنه حينئذ قد اقترب أجلك ، فتأهب للقائنا . وكان العرب قد تحينوا
بإسلامهم فتح مكة ، ويقولون إن كان نبياً فسيفتح مكة ، ويظهر على قريش . فلما
فتحها عام ثمان ، أقبل الناس إلى الدخول في الإسلام طائعين مختارين. ولهذا قال
الله : ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) فكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعد نزول هذه السورة لا يقوم و لا يقعد إلا قال: «
سبحنك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر لي». ولما وصل إلى
المدينة خطب الناس فقال في خطبته : « إن عبداً خيره الله
بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا قال بعض الصحابة :
فعجبنا من أبي بكر : كيف يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل خيره الله بين
أن يعطيه من زهرة الدنيا وزينتها ، وبين ما عند الله ، وأبو بكر يقول : فديناك
بآبائنا وأمهاتنا ؟ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير بين البقاء في
زهرة الدنيا ، وبين ما عند الله . وكان أبو بكر هو أعلمنا به(1) . كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعتكف كل سنة في العشر الأخيرة من رمضان ، فاعتكف تلك السنة عشرين يوماً
. وكان يعرض القرآن على جبريل كل سنة مرة ، فعرضه تلك السنة مرتين.
(1)
في الصحيحين
عن أبي سعيد الخدري وفي
آخر شهر صفر في السنة العاشرة من الهجرة ابتدأ الوجع برسول الله صلى الله عليه
وسلم فدخل على عائشة وهي مضطجعة على حصير ، وهي تشتكي رأسها وتقول: وارأساه !!
فقال لها وددت أن ذلك كان وأنا حي فغسلتك ، وكفنتك ، وصليت عليك . فقالت كأني بك
في ذلك اليوم وأنت عروس ببعض نسائك . فقال له بل أنا وارأساه! ثم أخذ يتزايد به
وجعه ، فدخلت عليه فاطمة إبنته رضي الله عنها فسارها فبكت ، ثم سارّها مرة أخرى ،
فضحكت ، فقيل لها في ذلك . فقالت: إما إذ سارني فبكيت ، فإنه قال ما أرى إلا أني
سأموت من وجعي هذا ، فاصبري ، واحتسبي، فبكيت عند ذلك . وأما إذا سارني فضحكت فإنه
قال لي : إنك أول أهلي لحوقا بي ، فضحكت. فتوفيت رضي الله عنها بعد أبيها بأربعة
أشهر. وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول في مرضه : الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم. وقيل له أن الناس
ينتظرونك فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس ، يأبى الله ورسوله إلا أبا بكر . ولما
كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ، ورأي الناس صفوفاً يصلون ، اشتاق
إلى الخروج إليهم ليصلي معهم . فدعا عليا والعباس ، فأمرهما أن يحملاه . فخرجا به
يحملانه ورجلاه تخطان بالأرض. فوضعها جنب أبي بكر . حتى كاد الناس أن يفتتنوا في
صلاتهم من الفرج برؤيته ، ثم رجع إلى البيت فلم يخرج حتى توفي صلى الله عليه وسلم
. ووصى رسول الله صلى الله
عليه وسلم في مرضه بثلاث فقال: نفذوا جيش أسامة ، وأجيزوا الوفد بما كنت أجيزه ،
وأخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب . وقال: لا تبقي خوخة في المسجد إلا سدت
إلا خوخة أبي بكر. والخوخة هي الفرجة التي يدخل إلى المسجد من جهتها . وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقسم لنسائه في مرضه ، فيأمر من يحمله إلى المرأة في
يومها ونوبتها حرصاً منه على العدل والمساواة . وكان يقول أين أنا غداً ؟ حرصاً
على أن يكون عند عائشة. ولم علم نساؤه أنه يحب
أن يكون عند عائشة وقد اشتد به المرض أذنّ له في ذلك . فبقي في بيت عائشة ، فكانت
تقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري (1) . وأخذ يعالج من شدة النزاع حتى قالت عائشة : ما كنت أغبط أحداً يهون عليه
الموت بعد الذي رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يمسح العرق عن وجهه
ويقول: إن للموت لسكرات . « اللهم الرفيق الأعلى » (2). فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة. وهذا هو
معترك المنايا الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : حصاد أمتي ما بين الستين
إلى السبعين. وأقلهم من يجوز ذلك ، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا
المعترك. وتوفي أبو بكر وهو ابن
ثلاث وستين سنة . وتوفي عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة . وتوفي علي وهو ابن ثلاث
وستين سنة . رضي الله عنهم أجمعين. ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب
الناس اضطرابا شديدا . فبعضهم يقول توفي ــ وبعضهم يقول لم يمت. وكان أبو بكر
غائباً في عوالي المدينة عند اٍمرأة من نسائه ، فلما علم بالخبر جاء فكشف عن وجه
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أطيبك حياً وميتاً ! وقبله ، ثم خرج إلى
المسجد والناس فيه وزاع متفرقين يبكون. فصعد المنبر، وأقبل الناس إليه ، فحمد الله
، وثنى عليه ، ثم قال: يا أيها الناس: من كان
يعبد محمداً فأن محمداً قد مات . ومن كان يعبد الله ،فإن الله حي لا يموت . ثم قرأ
( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم .
ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً ، وسيجزي الله الشاكرين) (3) .
(1)
رواه مسلم عن
عائشة ، وسحري : أي الرئة وما تعلق بها. (2)
رواه مسلم. (3)
144- آل
عمران. قال
عمر فلما تلى هذه الآية انقطع لها ظهري! حتى كأني لم أسمع بها قبل اليوم ! وأيقنت
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، ولم يبق في المدينة رجل ولا امرأة إلا
ويتلو هذه الآية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهز جيشا وأمر لعيها أسامة
بن زيد . وكان عمر بن الخطاب في جمل هذا الجيش . فنزلوا بالجرف بالقرب من المدينة
، ينتظرون خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهل يبرأ من مرضه. فلما توفي وقع الاضطراب
في المدينة ، حيث ارتدت العرب عن الدين وقالوا: إنه لو كان نبياً لم يمت. فجعل
الصحابة على سك المدينة رجالا يحرسونها. فلما اشتد الأمر ، جاء الصحابة إلى أبي
بكر ، وطلبوا منه أن يرد إليهم جيش أسامة ، ليتقووا به على ردع المرتدين. فقال أبو
بكر: والله لا أحل لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ولو رأيت نساء
رسول الله صلى الله عليه وسلم تخطف من بين أيدينا. فقالوا أما إذا أبيت فأذن لعمر
أن يرجع إلينا. فقال : أما عمر وحده فلا بأس . فمضى أسامة بجيشه في سبيله ، فكان
في حبشه البركة والعز للمسلمين. فكانوا لا يمرون بأحد من المرتدين إلا ردوهم إلى
دين الإسلام. قال أنس رضي الله عنه :
لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم : كنا كالغنم المطيرة ، فما زال أبو بكر
يشجعنا حتى كنا كالأسود المتنمرة . ثم إن جماعة الصحابة
اشتغلوا بعقد البيعة حرصا على حفظ البيضة ، وجمع شمل المسلمين فبايعوا أبا بكر
طائعين مختارين ، وقالوا رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ، أفلا نرضك
لدنيانا؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لهم يأبى الله ورسوله إلا أبو
بكر. وفي اليوم الثالث من موته أخذوا يشتغلون في تجهيزه ، فتولى تغسيله علي
والعباس رضي الله عنهما ، وقالت عائشة لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول
الله إلا نساؤه ، لكون المرأة يجوز لها أن تغسل زوجها ، كما يجوز للزوج أن يغسل امرأته
، وقد غسلت أم سليم زوجها أبا بكر ، كما غسل علي رضي الله عنه زوجته فاطمة. وبعد الفراغ من تجهيزه
قدموا للصلاة عليه ، فصلى عليه الرجال . ثم صلى عليه الغلمان ، ثم صلى عليه النساء
، وكانوا يصلون عليه أفراداً ، وكان قد قال (1) لهم : إنه لم يمت نبي إلا دفن في المكان الذي
توفى فيه ، فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، ثم توفي أبو بكر
بعده فدفن بجواره ثم توفي عمر ،
فطلب من عائشة أن تسمح له ، بأن يدفع مع صاحبيه ، فسمحت له بذلك . وكانت عائشة قد رأت في
منامها أن سقط في بيتها ثلاثة أقمار ، فوقع تأويله بذلك ، وجاءت التعزية : السلام
عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته. إن في الله عزاءً من كل فائت ، وخلفاً من كل
هالك . فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب . والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته . وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم . « نحن معاشر الأنبياء لا نورث . ما تركناه صدقة» . فهذا مخلص وفاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أخبر أن أعمال أمته تعرض عليه ، فيسر بإستقامتهم ،
ومحافظتهم على طاعة ربهم ، ويسوؤه مخالفتهم ومعصيتهم لربهم . ويقول: . « إنكم تعرضون على يوم القيامة فأعرفكم بسيماكم وأسمائكم كما يعرف الرجل
الغريبة من الإبل في إبله وأنه يؤخذ بأناس من أمتي ذات الشمال ، فأقول : يا رب
أمتي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول بعدا وسحقاً لمن غير بعدي .
أقول كما قال العبد الصالح ( وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت
الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد . إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت
العزيز الحكيم ) (2). تم الكتاب بعون الله وتوفيقه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 8/8/1399
هـ 2/7/1979
م الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بدولة قطر
(1)
فيما رواه
مسلم عن عائشة رضي الله عنها . (2)
رواه مالك
وأبو داود والآية رقم 117 و 118 المائدة . |