الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

المسارعة إلى الخيرات قبل الفوات 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، و بالعمل بطاعته تطيب الحياة ، و تفيض الخيرات ، و تنزل البركات .

     و أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا نبيه و رسوله ، اللهم صل على نبينا محمد ، و على آل و صحبه و سلم تسليما كثيرا .

     أما بعد : فقد قال سبحانه : ( و سارعوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين ، و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و نعم أجر العاملين ) (1) .

     فأمر الله عباده بأن يبادروا و يسارعوا إلى الأعمال التي تؤهلهم للمغفرة و الرحمة ، والفوز بالجنة ، كما مضى قبلهم للأنباء و الأولياء أمثالها ، فقال تعالى : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغبا و رهبا و كانوا لنا خاشعين ) (2).

     و كما وصف الله عباده الصالحين : فقال تعالى : ( و الذين يؤتون ما أتوا و قلوبهم و جلة أنهم إلى ربهم راجعون . أولئكم يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون ) (3) .


 


(1)                 133 ــ 136 ــ آل عمران .

(2)                 90 ــ الأنبياء .

(3)                 60 ــ 61 ــ المؤمنون .

 

 

     و قد سألت عائشة ــ رضي الله عنها ــ أم المؤمنين ، فقالت : يا رسول الله ، أهم الذين يسرقون و يزنون ؟ قال : لا يا ابنة الصديق ،  ولكنهم الذين يصلون و يصومون و يتصدقون ، و يخافون أن لا يتقبل منهم . أولئك الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم وجلة ؛ لأن المؤمن هو من جمع إحسانا و شفقا ، و المنافق هو من جمع إساءة و أمنا. ( أ فأموا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )(1) .

     فالمسارعة إلى وسائل المغفرة و الرحمة ، و الفوز بالجنة ، هي بمعنى المسابقة التي أمر الله بها بقوله ، ( فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) (2) .

     و قال ( و السابقون السابقون . أولئك المقربون) (3) . أي السابقون إلى الخيرات ، والأعمال الصالحات ، هم السابقون إلى الجنات . و السابقون إلى الصلوات و الجمعات ، هم المقربون إلى الله في الجنات . و لهذا قال العلماء : إن الناس يكونون في القرب من الرب على قدر قربهم من الإمام يوم الجمعة .   

     و قال الحسن : إن الله سبحانه جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه ، يتسابقون فيه بطاعته إلى مرضاته ، فسبق قوم ، ففازوا ، و تخلف آخرون ، فخابوا ، فالعجب من اللاعب الضاحك ، في اليوم الذي يفوز فيه العاملون ، و يخسر فيه المبطلون : ( و في ذلك فليتنافس المتنافسون ) (4) .


 


(1)                 99 ــ الأعراف .

(2)                 48 ــ المائدة .

(3)                 10 ــ 11 ــ الواقعة .

(4)                 26 ــ المطففين .

 

 

     و روي الحاكم في صحيحه عن جابر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم و هو يعظ رجلا و يقول له : اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، و صحتك قبل سقمك ، و غناك قبل فقرك ، و فراغك قبل شغلك ، و حياتك قبل موتك . فما بعد الدنيا من مستعتب ، و لا بعد الدنيا دار ، إلا الجنة أو النار .

صريع الأماني عن قريب ستندم

 

فيا ساهيا في غمرة الجهل و الهوى
 

سوى جنة أو حر نار تضرم

 

أفق قد دنى الوقت الذي ليس بعده

و عدلك مقبول و صرفك قيم

 

فبادر إذا ما دام في العمر فسحة

ففي زمن الإمكان تسعى و تغنم

 

وجد و سارع واغتنم زمن الصبا

و هيهات ما منه مفر و مهزم

 

و سر مسرعا فالسيل خلفك مسرع

عليها القدوم أو عليك ستقدم

 

فهن المنايا أي واد نزلته

     و قوله ( أعدت للمتقين ) يعني أن الله سبحانه خلق الجنة كرامة و نعمة لمن أطاعه و اتقاه ، كما خلق النار عقابا و عذابا لمن خالف أمره و عصاه ، و لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي . قالت : قد أفلح المؤمنون . فقال : طوبى لك منزل الملوك .

     و الجنة هي سلعة الله الغالية ، لا تنال إلا بالإعمال الصالحة . وقد هيئت و أعدت للمتقين ، الذين أقاموا الصلاة ، آتوا الزكاة ، و اجتنبوا المحرمات ، و أنفقوا في السراء و الضراء ، و الكاظمين الغيظ ، و العافين عن الناس .

     لأن الله سبحانه يقول ( أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) (1) .


 


(1)                 32 ــ النحل .

 

 

     و التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين . ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و إياكم أن اتقوا الله )(1) . و حقيقتها تنحصر في فعل المأمورات ، و اجتناب المحرمات ، خوفا من عقاب الله ، و رجاء ثوابه . و لهذا قال عمر بن عبد العزيز : ليس التقوى بقيام الليل ، و صيام النهار ، و التخليط فيما بين ذلك و لكن التقوى هي أداء ما افتر     ض الله ، و ترك ما حرم الله ، و إن زدت على ذلك فهو خير إلى خير . فالمتقون يجعلون أعمالهم الصالحة بمثابة الوقاية دون عقاب الله ، كما في الحديث . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا النار ، ثم أعرض و أشاح . ثم قال : ابقوا النار و لو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة » (2) . و كان النبي صلى الله عليه وسلم . يخطب ، فسأله رجل . فقال : يا رسول الله . من أكرم الناس ؟ فقال : « أكرم الناس أتقاهم للرب ، و أوصلهم للرحم ، و آمرهم بالمعروف ، و أنهاهم عن المنكر » (3) و قد قيل :

و حبك للدنيا هو الذل و السقم

 

ألا إنما التقوى هي العز والكرم

إذا ما اتقى الله و إن حاك أو حجم

 

و ليس على عبد تقي نقيصة

     ( و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب ) (4) . ( و من يتق الله يجعل له من أمره يسرا . ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا ) (5) .

     ثم شرع سبحانه في أوصاف المتقين ( الذين ينفقون في السراء والضراء ) أي ينفقون ، و يتصدقون في حالة اليسر و العسر ، لرغبتهم في الثواب ، و خوفهم من العقاب . 


 


(1)                 131 ــ النساء .

(2)                 رواه مسلم عن عدي بن حاتم .

(3)                 روى البخاري و مسلم عن أبي هريرة ، بلفظ (( أكرم الناس أتقاهم   )) .

(4)                 من 2 ــ 3 الطلاق .

(5)                 4 ــ 5 الطلاق .

 

 

     ( و يطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا . إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ) (1) .

     إنهم لم يقولوا هذا الكلام حين أطعموا الطعام . و لكن الله علمه من قلوبهم ، فنطق به على ألسنتهم . و أفضل الصدقة جهد المقل ، وابدأ بمن تعول .

     و روى البخاري عن أبي مسعود الأنصاري قال : حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة ، و لم يكن عندنا مال قال : فكنا نحامل على ظهورنا و نتصدق . و قد سبق درهم من فقير مائة درهم من غني . و في البخاري قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أعظم أجرا ؟ قال : أن تتصدق و أنت صحيح شحيح تأمل الغنى ، و تخشى الفقر ، و لا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ، و لفلان كذا ، و قد كان لفلان » . و روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم ، خير له من أن يتصدق بمائة عند موته .

     ثم قال ( و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين ) (2) .

     و هذه أيضا من صفات المتقين الذين أعد الله لهم جنات النعيم أنهم يكظمون الغيظ ، و يعفون عن الناس ، والله العفو ، يحب العفو ، فهم يحتسبون إسقاط حقهم عفوا منهم عنه ، مع قدرتهم على الانتصار . و في كظم الغيظ فضل عظيم . و هو ينبئ عن رزانة العقل . و الرغبة الخير .


 


(1)                 8 ــ 10 ــ الإنسان .

(2)                 134 ــ آل عمران .

 

 

     و لهذا يقال : ليس الحلم في حال الرضاء ، إنما الحلم في حين الغضب . و سيما للصائم ، فإنه يستحب له متى غاضبه أحد أو شتمه أن يلجم نفسه بلجام التقوى ، و يستمسك من الورع بالعروة الوثقى ، و ليقل إني صائم ، كبحا لنفسه عن التشفي والانتقام ، و ردعا  لخصمه عن الجريان في هذا الميدان ، لأن الصوم جنة يستجن له المسلم عن الإجرام و الآثام ، و رديء الكلام . و من كان له الصوم جنة في الدنيا ، كان جنة دون النار ، لأن الجزاء من جنس العمل . و كما تدين تدان .

     و قد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أوصني . قال « لا تغضب » (1) . فردد مرارا يقول : « لا تغضب » . لأن الغضب يتفرع عنه كل شر و قد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه ما تعدون الصرعة فيكم ؟ قال الذي لا تصرعه الرجال . قال : « لا ، ليس الشديد بالصرعة ، و لكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » (2) . ولهذا يستحب للرجل إذا غضب أن يتوضأ ، أو يغسل وجهه بالماء ، لأن الغضب من الشيطان ، المخلوق من النار ، و الماء يطفئ النار . و مجرب لتسكين الغضب . و لهذا ختم الله هذه الآية بقوله : ( و الله يحب المحسنين )لأن الله سبحانه كتب الإحسان على كل شيء ، على الناس فيما بينهم ، و حتى الإحسان مع البهائم ، ففي البخاري « بينما كلب يلهث من العطش إذا نزعت له امرأة بغي بوقها فسقته ، فشكر الله لها ذلك ، فغفر لها ». قالوا يا رسول الله أ فلنا في البهائم أجر ؟ قال نعم . في كل ذي كبد رطبة أجر . و النفوس مجبولة على محبة من أحسن إليها . و قال : « دخلت امرأة النار في هرة ربطتها و في رواية البخاري حبستها فلم تطعمها و لم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت » (3) .


 


(1)                 رواه  البخاري عن أبي هريرة .

(2)                 رواه أبو أحمد في مسنده و متفق عليه و ابن ماجة عن أبي هريرة و البخاري عن ابن عمر .

 

 

     ثم قال ( و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون ) .

     فهذه من بعض أوصاف المتقين ، و أنهم إذا أصاب أحدهم ذنبا على حين غفلة ، أو غلبة شهوة ، أو غضب ، فإنهم يفرون إلى الله ، و يتوبون إليه ، و يستغفرونه من ذنبهم ، و يندمون على ما وقع منهم ، إذ ليس من شرط المتقين العصمة . و الله يفرح بتوبة عبده إذا تاب . و قد قال تعلى : ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . و إخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) (1) .

     فأخبر الله سبحانه عن الذين اتقوا أنه إن وقع من أحدهم ذنب أبصر الخروج منه ، بالتوبة عنه ، و قد قيل :

و أي عبد لك لا ألما

 

إن تغفر اللهم تغمر جما

     و شروط التوبة : الإقلاع عن الذنب ، و الندم على ما فات ، و العزم على أن لا يعود ، و إن كانت عن مظالم مالية فبردها إلى أربابها ، لأنها من الدواوين الذي لا يترك الله منها شيئا . و إن الهلاك كل الهلاك في الإصرار على الذنوب ، و عدم التوبة منها ، كما في الحديث « ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا و هم يعلمون » . و ما أصر من استغفر و إن عاد في اليوم سبعين مرة » كما ثبت في الحديث (2). لكنه من تاب ظن الذنب و استغفر منه ، و قلبه متعلق بمحبته ، و عازم على معاودته ، فإن هذه توبة المستهزئ بربه . فهي توبة الكذابين . ( و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) (3).