الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

العدوى و الطيرة و التميمة و التشاؤم بالأربعاء و شهر صفر  

     الحمد لله ، و نستعين  بالله ، و نستغفر الله ، و لا حول و لا قوة إلا بالله ، و نصلي و نسلم على رسول الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله ، و أشهد أن محمدا عبده  رسول الله .

          أما بعد : فقد ثبت في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا عدوى و طيرة ، و لا هامة ، و لا صفر » (1) .

     فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفعل العدوى بنفسها دون قضاء الله و قدره ، فما شاء الله كان ، و ما لم يشأ لم يكن . و لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا عدوى  (1)  . قال رجل : يا رسول الله . إن الإبل تكون في الفلاة كأنها الظباء ، فيدخلها البعير الأجرب ، فتجرب كلها ؟ قال : فمن أعدي الأول ؟ أشار بهذا إلى البعير الأول قد أصيب بالجرب بقضاء الله و قدره . بدون عدوى ، و كذلك الإبل . أصيبت بالجرب بطريق العدوى بقضاء الله  و قدره ، فالرسول صلى الله عليه و سلم لا ينفي العدوى مطلقا ، لكونها من الأشياء التي يشهد بها الواقع المحسوس كما في قول الأعرابي .

     فقد ثبت في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يورد ممرض على مصح » (1) . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الإبل المصابة بالجرب ، أو الهيام أن يوردها على الإبل الصحاح ، و كذلك الغنم ، و مثله الدجاج المصاب بمرض فيجلبه صاحبه ليغش به الناس و في الحديث « من غشنا فليس منا » (2) .


 


(1)                 رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة بتمامه .

(2)                 رواه مسلم عن أبي هريرة .

 

 

     فأمر رسول الله باتقاء أسباب البلاء ، و المباعدة عن الوباء ، و العدوى ، مع التوكل على الله و قال : « فر من المجذوم فرارك من الأسد » . و جاء مجذوم مهاجرا فمنعه رسول الله من دخول البلد و قال له ارجع فقد بايعناك . و مثله المصاب بداء الجدري ، و غيره ، لأن الله سبحانه ربط الأسباب بالمسببات ، و جعل لكل شيء سببا ، و لأن الوقاية خير من العلاج ، و لهذا ثبت في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا وقع الوباء بأرض فلا تدخلوها » .

     و لما سافر عمر إلى الشام و معه عدد كثير من الصحابة فلما قرب إلى البلد . تلقاه عبيدة بن الجراح خارج البلد ، و أخبره أن الطاعون قد وقع في البلد ، فنزل خارج البلد ، ثم قال يا ابن عباس أدع لي المهاجرين ، فدعوتهم له ، فاستشارهم في دخول البلد أو الرجوع فمنهم من قال توكل على الله و أدخل البلد ، و منهم من قال ترجع و لا تدخل فقال قوموا عني .

     ثم قال يا ابن عباس أدع لي الأنصار فدعوتهم له فاتفقت كلمتهم على أن أشاروا عليه بالرجوع ، و أن لا يقدم الصحابة على موضع الهلاك ، و كان عبد الرحمن بن عوف متغيبا ، فجاء ، و قال : إن عندي من هذا علما و لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا وقع الوباء بأرض فلا تدخلوها »فحمد الله عمر على إصابة الحق . و في سنن أبي داود : أن قوما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالوا : يا رسول الله : إن لنا بلدا بعدن هي ريفنا ، و مصيفنا ، فإذا نزلناها نحفت أجسامنا ، و قل عددنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اتركوها ذميمة فإن من القرف التلف ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مقاربة الإنسان للأشياء الوبئية ، و سكناه في البلد الوبئية ، كثيرة الأسقام ، أنه عين الهلاك ، و التلف ،

 

 

      فترك سكنى مثل هذه القرية الوبئية ليس من التطير في شيء كما أن منع المصاب بمرض معدي من دخول البلد ليس من التطير ، و إنما هو من أمر الحزم و فعل أولى العزم ، و قد سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ، لأنه من باب اتقاء أسباب البلاء ، و المباعدة عن مواقع الوباء ، و لما مر النبي صلى الله عليه وسلم على حائط مائل أسرع السير ، فقيل له في ذلك : فقال : « أخشى موت الفجاءة » .

     و لما عزم عمر أن يرجع بالصحابة و أن لا يدخلهم الشام و هي وبيئة ، فقال : إني مصبح على ظهر ، فأصبحوا عليه فقال له أبو عبيدة : أ فرارا من قدر الله يا عمر ؟ قال : نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله (1) .

     فالرسل و أتباعهم ، يفرون من القدر إلى القدر ، و يحاربون القدر بالقدر ، و يحكمون الأمر على القدر مع توكلهم على ربهم ، فالمرض الذي يصاب به الشخص هو من قضاء الله و قدره ، و الدواء الذي يعالج به ليشفيه هو من قضاء الله و قدره ، فهو يحارب المرض بهذا الدواء ليشفيه ، كما قيل نعالج آفاتا بآفات .

     و لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أ رأيت أدوية نتداوى بها ، و عوذا نتعوذ بها ، و تقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال : « بل هي من قدر الله » .

     فالقدر ليس بغل في العنق ، و لا قيد في الرجل بل هو عبارة عن سبق علم الله بأشياء ، فلا يجب الإتكال عليه ، و النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تداووا و لا تداووا بحرام ، فإن الله لم ينزل داء إلا و أنزل له دواء علمه من علمه و جهله من جهله إلا الموت » .


 


(1)                 الحديث بتمامه رواه مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما  .

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : « إن الإعراض عن استعمال الأدوية المباحة المجربة ، قدح في الشرع ، و اعتقاد عدم نفعها نقص في العقل ، و المؤمن كامل الإيمان يستعمل الدواء وقت  حاجته إليه مع توكله علي ربه » انتهى .

     و بالحقيقة : فإن العدوى الضارة هي مقارفة و مقاربة أهل السفاه و الفساد ، المتصفين بفعل المنكرات و شرب المسكرات ، فكم من سفيه أردى حكيما حين آخاه . لهذا فقد يوجد رجل يعيش في الدنيا بأدب و شرف و حسن خلق ، ثم يدب إليه داء العدوى الناشئة عن مجالسة و مؤانسة أهل الفساد ، فيتخلى عن الفرائض ،  و يتحلى بالرذائل ، و تظهر سيما السوء على وجهه ، و تخيم الوحشة على أهل بيته ، و يبغض أهله و أقاربه و جيرانه ، لأنه قد شذ عنهم بطباعه ، و فساد أوضاعه ، و قد يتعدى ضرر فساده إلى إخوانه و أولاده ، فيكون عضوا فاسدا في المجتمع ، و من يهن يسهل عليه الهوان .

     و أما الطيرة : فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهما من أمر الجاهلية . « و أنها لا ترد مسلما عن حاجته » (1) . و سفره فقال : « من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك » . و قال : « إذا رأى أحدكم ما يكرهه فليقل : اللهم لا يأت بالحسنات إلا أنت و لا يدفع السيئات إلا أنت ، و لا حول و لا قوة إلا بك» (1) . و قال : « ثلاث لم تسلم منها هذه الأمة الحسد ، و الظن و الطيرة ، ألا أنبئكم بالمخرج منها . قالوا : أنبئنا . فقال : « إذا ظننت فلا تحقق ، و إذا حسدت فلا تبغ ، و إذا تطيرت فامض » (2) .


 


(1)                 حديث صحيح عن عروة بن عامر رواه أبو داود بإسناد صحيح .

(2)                 رواه عبد الرحمن بن عمر الأصفهاني عن الحسن البصري مرسلا .

 

 

     فمن الطيرة المذمومة تشاؤمهم بشهر صفر ، فلا يتزوجون فيه ، و لا يسافرون ، و هو شيء يجدونه في نفوسهم بدون أن يكون له أصل من الأمر الواقع ، فإن شهر صفر هو كسائر الشهور ، يحدث الله فيه الخير و النصر ، و ينزل فيه الوحي ، و يستجيب فيه الدعاء ، فالتشاؤم به هو من الشرك المنهي عنه ، و مثله تشاؤمهم بيوم الأربعاء ، يقولون : أنه يوم نحس مستمر ، و أنه اليوم الذي نزلت فيه الريح على عاد ، فهم لا يسافرون فيه و لا يتزوجون ، و يوم الأربعاء هو كسائر أيام الدنيا، لا شر فيه بذاته ، و لا خير ، و مثله تشاؤمهم بما بين العيدين ، فلا يتزوجون فيه ، و أصل هذا التشاؤم أنه وقع طاعون زمن الجاهلية ، فمات به عدد من العرائس ، فكانوا يتشاءمون   به ، و لما سمعت عائشة ذلك قالت : أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجني في شوال ، و بني بي في شوال ، فأيكن أحظى عنده مني » . تريد بهذا قطع دابر الطيرة و التشاؤم ، بالأيام و الشهور و الأزمنة .

     و أما تعليق التمائم ، و تسمى التولة ، و تسمى العزيمة ، و تسمى العوذة ، و الحرز ، و يسميها العوام بالجامعة ، يعلقونها على الأولاد و على الأجساد ، و على الدواب عن الجان ، و عين الإنسان ، و غالب من يعلقها بها و يتعلق ؛ هم الهمج السذج من العوام ، و ضفة العقول و الأديان ، و ينصرف قلبه عن ربه إليها ، بحيث يعتقد أنها هي النافعة الضارة .

     يذهبون إلى من يعرف بكتب الحرز و العزايم ، فيطلبون منه حرزا يتحرزون به فيلف لهم قرطاسا سوادا في بياض ، و ينفث به من ريقه النجس ، ثم يدفعه إليهم و يأمرهم بالتحفظ عليه ، كله ، حرصا منه على دريهمات يسحبها منهم ، و هو يعلم من نفسه أنه خدعهم .

فظل يكتب للنسوان أحرازا

 

أراد إحراز مال كيف أمكنه

     و ما شعر هؤلاء الذين يعقلون الحروز على أجسادهم و على أولادهم أنهم قد استعجلوا وقوع البلاء و الشر ، و فنون الجنون و الضر عليهم ،

 

 

     ثم يصابون بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم حيث قال : « من علق تميمة فلا أتم الله له ــ أي لا أتم الله له أمره ــ و من علق و دعة فلا ودع له »(1) . أي لا يجعله في دعة و سكون بل في قلق و اضطراب ــ و لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم على رجل تعليقة فقال « ما هذا ؟ قال علقتها من الواهنة . فقال : انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا ، و انك لو مت و هي عليك ما أفلحت أبدا » (2) . و لهذا ورد من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ، لكونه أعتقه من عبودية الشيطان إلى عبادة الرحمن .

     و هذا التعليق للحروز ، يوقع في الشرك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم  « من علق شيئا فقد أشرك » . و النهي يشمل تعليق القرآن و غير القرآن .

     و لما رأي بن مسعود على زوجته خيطا فقال ما هذا ؟ قالت هذا خيط رقي لي فيه . إذا علقته سكنت عيني ، و إذا حللته قذفت عيني ، فقطعه ابن مسعود ، ثم قال : إنكم يا آل مسعود لأغنياء عن الشرك ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من علق شيئا فقد أشرك » .إنما يكفيك أن تقولي : « اللهم رب الناس ، اذهب البأس ، اشف أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما » (3) . و قد ابتدع الناس في هذا الزمان تعليق آية الكرسي عليهم في صدورهم ، بحيث يذهبونها ــ أي يجعلون فيها ذهبا و سلسلة من ذهب ــ ثم يعلقونها في رقابهم كتعليق المرأة للقلادة على حد سواء ، و هو عمل محرم ، من وجوه عديدة : أحدها : التشبه بالنساء في لبس القلادة ، و قد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء .


 


(1)                 رواه أحمد و أبو يعلي بإسناد جيد ، والحاكم و قال صحيح الإسناد عن عقبة بن عامر .

(2)                 رواه أحمد عن عمران بن حصين .

(3)                 متفق عليه عن عائشة .

و الأمر الثاني : وضع الذهب فيها ، و الذهب محرم على الرجال ، قليله و كثيره ، سواء كان في الساعة ، أو في الأزرة ، أو في الخاتم .

     و لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب طرحه بالأرض بشدة ، ثم قال : «  يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده » (1) . فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم و قيل لصاحب الخاتم . خذ خاتمك . فقال : و الله لا أرفعه عن الأرض ، و قد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها من شدة استجابته للحق .

     و الأمر الثالث : الاستهانة بالقرآن ، حيث يدخل بهذا التعليق في المراحيض ، و المغتسلات ، و سائر الأماكن القذرة ، و الله سبحانه قد أوجب تكريم القرآن واحترامه ، غير أن بعض العلماء قد أجاز كشيخ الإسلام ابن تيمية الذهب في السلاح ، كما أجازوا تركيب السن ــ أي الضرس ــ من ذهب ، أو الأنف من ذهب ، حتى لو أغنى عنه غيره .

     أما الفضة فموسع في إباحتها ، قليلها و كثيرها .

     فالمؤمن بالله لا يعلقون على أجسادهم ، و لا على أولادهم شيئا من الحروز و العزايم و الجامعات ، و إنما يلجئون إلى الأوراد و الدعوات الشرعية فهي حصن الحصين ، و الجانب المنيع ، فيقولون : أعوذ بكلمات الله التامة عن كل شيطان و هامة ، و عن كل عين لامة ، و يقولون « أعوذ بكلمات الله التامة عن شر ما ربي خلق . و يقولون « أعوذ بكلمات الله التامة من شر غضبه و عقابه ، و من شر عباده و من همزات الشياطين  و أن يحضرون ، عز جارك و جل ثناؤك و لا إله غيرك » .


 


(1)                 رواه مسلم بتمامه عن ابن عباس .

 

 

     و يقولون : تحصنت بالله الذي لا إله هو إلهي و إله كل شيء ، و اعتصمت بربي و رب كل شيء و توكلت على الحي الذي لا يموت ، و استدفعت الشر بلا حول و لا قوة إلا بالله ، أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه ، و بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر و لا فاجر ، و أعوذ بأسمائه الحسنى ما علمت منها و ما لم أعلم من شر ما خلق ، و ذرأ و برأ ، و من شر كل ذي شر لا نطيق شره ، و من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ، إن ربي صراط مستقيم .

     و قد أنزل الله المعوذتين ، أي قل أعوذ برب الفلق ، و قل أعوذ برب الناس ، للاستعاذة بهما من شر كل ذي شر .

     فهذه هي الحصن الحصين ، فاحفظ الله يحفظك ، و احفظه تجده تجاهك .

     نسأل الله سبحانه أن يعمنا و إياكم بعفوه ، و أن يسبغ علينا و عليكم واسع فضله ، و أن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، و أن يعيننا على ذكره و شكره ، و حسن عبادته .  

 

  

 

 

 

 

      

 

 

 

(1)