![]() |
|
مراعاة
حفظ المال بحسن التدبير و كراهة الإسراف و التبذير
الحمد لله ، و نستعين بالله ، و لا حول و لا
قوة إلا بالله ، و أشهد أن لا إله إلا الله ، و أشهد أن محمدا رسول الله ، صل الله عليه و سلم ، و على آله و
أصحابه ، و من تمسك بسنته و اتبع هداه . أما بعد : فإن هذا القرآن
العظيم ، و الذكر الحكيم قد نظم حياة الناس أحسن تنظيم ، بالحكمة و المصلحة ، و
العدل ، و حسن الإرشاد و التعليم ، فهو كتاب دنيا و دين ، و منهج سياسة و سيادة ،
يهدي إلى كل فضيلة ، و ينهى عن كل رذيلة . لم يقتصر على الأمر بالصلاة ، و الزكاة ، و الصيام
، و سائر شرائع الإسلام فحسب ، بل أبدي و أعاد من فنون الوصايا الصحيحة ، و
النصائح الفصيحة ، فأوصى الإنسان بالصنائع و الإحسان ، في كل ما يتعلق بحسن
معاشرته لأهله ، و عياله ، و أقاربه ، و فيما يتعلق بشئون تجارته ، و سياستها بحسن
التدبير ، و وسائل التثمير ، و حفظها عن الإسراف و التبذير ، فقال سبحانه : ( و لا
تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) (1). فنهى سبحانه عن غل اليد إلى العنق : و هو
عبارة عن شدة البخل و الامتناع عن الصدقة ، و أداء الزكاة الواجبة ، و عن سائر
الأعمال الخيرية ، كما يبتلى به الكثيرون من الأغنياء البخلاء المكثرين يهم أحدهم
بالصدقة أو أداء الزكاة الواجبة ، ثم يمنعه شدة بخله و هلعه ، فكان جموعا منوعا .
(1)
29 ــ
الإسراء . و قد جعل الله المال منحة لأقوام ، و محنة على
آخرين ، و سعادة على أقوام ، و شقاء على آخرين . ( و من يوق شح نفسه فأولئك هم
المفلحون ) (1) . ثم قال : ( و
لا تبسطها كل البسط ) . أي في التوسع في النفايات و الكماليات التي تجحف بذهاب
المال ، و توقع في سوء الحال . ( فتقعد ملوما محسورا ) أي يلومك الناس على
فساد تصرفك ، و تتحسر في نفسك على فساد تبذيرك ، و سوء تدبيرك ، و قد مدح الله
المعتدلين . فقال : ( و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك
قواما ) (2) . و قال : ( و آت
ذا القربى حقه و المسكين وابن السبيل و لا تبذر تبذيرا . إن المبذرين كانوا إخوان
الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا ) (3) .فأمر سبحانه كل من أنعم عليه بالغنى بالمال ، بأن لا يبخل بما آتاه الله
من فضله ، و أن يؤتى ذا القربى حقه ، و هم أقارب الشخص من إخوانه ، و أخواته و
أعمامه ، عماته ، و أخواله و خالاته ، و أولاد العم و العمة ، و أولاد الخال و
الخالة ، فهؤلاء قد أوجب الله لهم حق القرابة في مال قريبهم من زكاة ، و صدقة ، و
صلة ، إذ هم أحق من كل أحد ، فمن وصل رحمه أوصل الله إليه الخيرات ، و بسط له
البركات ، في حاله و ماله و عياله . كما في الصحيح أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : « من أحب أن يبسط له في رزقه
، و أن يمد له في عمره ، فليصل رحمه . فالواصل موصول ، و القاطع مقطوع » (4) .
(1)
16 ــ
التغابن . (2)
67 الفرقان .
(3)
26 ــ 27 ـ
الإسراء . (4)
رواه البخاري
و مسلم عن أنس . فالصلة هي الأعمال الميمونة على كل من اتصف
بها كما قيل :
ثم قال ( و لا تبذر تبذيرا ) .
لما حث سبحانه على صلة الأرحام ، و على الإحسان إلى المساكين و ابن السبيل ــ و لا
صلة ، و لا صدقة إلا من مال ، لأن عادم الشيء لا يعطيه ــ لهذا أمره الله بأن يحفظ
ماله من الضياع ، و أن يسوس تجارته بحسن التدبير ، و مجانية الإسراف و التبذير ،
لأن المال ترس المؤمن في الآخر الزمان ، و لا يستغني عنه في حال من الأحوال ، و أن
الكريم على الإخوان ذو المال . و لهذا قال : ( و لا تبذر تبذيرا ) و التبذير
هو أن ينفق المال جزاما في سبيل البذخ و الشهوات ، والتفنن في المأكولات ، و
التأنق في المركوبات ، و التغالي في المستعملات ، و سائر الكماليات . لأن الاقتصاد خير كله . و في الحديث : « ما عال من اقتصد » (1) . و قال : « الاقتصاد نصف العيش ، و حسن الخلق نصف الدين » (2). و قال : «
الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ، و التودد إلى الناس نصف العقل ، و حسن السؤال
نصف العلم » (3) . لأن المال الحلال
لا يحتمل الإسراف . و من المشاهد
المحسوس أن المسرفين المبذرين يصابون بالفقر قبل أن يموتوا ، لأن إنفاقهم المال في
سبيل الإسراف و التبذير ، و عدم حسن التدبير ، مؤذن بزواله و ارتحاله ، كما أن
إنفاقه على النفس و الأهل و العيال ، و التجمل منه بأنواع الزينة المباحة ، و
الصلة منه و الصدقة هو عنوان شكره ، المستلزم لنموه و بركته ، لكونه أنفق المال في
سبيل ما خلق له .
(1)
رواه الإمام
أحمد في مسنده عن ابن مسعود و ضعفه الهيتمي ، و له ما يقويه . (2)
رواه الخطيب
عن أنس بإسناد ضعيف . (3)
رواه
الطبراني في الكبير في مكارم الأخلاق ، و رواه البيهقي في الشعب عن ابن عمر بن
الخطاب . فدين الإسلام ، هو دين تثمير الأموال و حفظها
، و توسعة التجارات من سبيل حلها ، و في الحديث : «
نعم المال الصالح للرجل الصالح » (1) . و يقول : « التاجر الصدوق الأمين مع النبيين و الصديقين و
الشهداء » (2) . وقد ذهب أهل الدثور
بالأجور ــ أي أهل الأموال ـ بالدرجات و النعيم المقيم ، و حسبكم ما تسمعونه من
كتاب ربكم يقول الله : ( و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) (3). ــ و السفهاء هم الذين لا يحسنون حفظ المال و لا تثميره سواء كانوا من
النساء أو من الرجال . لأن السفه خفة في العقل ، علامته عدم حفظ المال . و قوله (
التي جعل الله لكم قياما ) أي تقوم بها أبدانكم و تقوم بها بيوتكم و يقوم بها
مجدكم ، و يقوم بها شرفكم و قوتكم ، و قد سأل النبي ربه سعة الرزق ، و استعاذ من
الفقر . يقول بن عقيل ، أقسم بالله لو عبس الفقر في وجه أحدكم لعبس في وجهه ، و
أهله و عياله و أقاربه . و في الحديث ( الحسب
المال ) ثم قال ( إن المبذرين إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا ) (4) . فجعل المبذرين إخوان الشياطين دليلا على مهانته و مذلته . لأن الشياطين
هم الذين يبطرون نعمة الله و لا يشكرونها . فما استديمت نعم الله بمثل شكره و حسن
عبادته ، و نعوذ بالله من زوال نعمته، و تحول عافيته ، فجاءة نقمته ، و جميع سخطه
.
(1)
رواه الترمذي
و قال حسن . (2)
5 ــ النساء
. (3)
27 ــ
الإسراء . و من أراد أن يعرف عناية الله بعباده في حفظ
أموالهم , فليقرأ قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل
مسمى فاكتبوه و ليكتب بينكم كاتب بالعدل و لا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله
فليكتب 00 إلى قوله 00 و لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط
عند الله و أقوم للشهادة و أدنى أن لا ترتابوا )(1) . و هذا تمام من عناية الله بعباده في حفظ
أموالهم ، حيث أمرهم بالحزم و فعل أولي العزم ، و أن يكتبوا مالهم من الحقوق عند
الناس من صغيرة و كبيرة ، لأن القرآن تعليم دنيا و دين . و في الدعاء المأثور : « اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي » (2) . و الحكماء والعلماء و
الأدباء يمدحون الجود بالمال في سبيل الحق من الصلة و الصدقة ، و مساعدة المنكوبين
و المضطرين ، و الجهاد به عند دعاء الحاجة إليه . فيجب أن يكون رخيصا في
هذه السبل الخيرية ، كما يجب أن يحفظ عن الضياع ، و عن السفهاء و عن السفهاء
المبذرين ، كما قيل في صفة الرجل الحازم السخي ، و حسن التدبير و التقدير .
لأن البر و فعل الخير ، هو همة التقي ، و لا
يضره لو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا ؛ و قال آخر يمدح رجلا حسن السياسة في
العطاء و المنع .
و النبي صلى الله عليه وسلم
قد سبق الشعراء و الحكماء إلى كل قول سديد ، و فعل حميد . ففي الحديث « ما عال من اقتصد » و قال ( الاقتصاد بالنفقة
نصف المعيشة ، و التودد إلى الناس نصف العقل )(3) .
(1)
282 ــ
البقرة . (2)
رواه مسلم
أبي هريرة . (3)
رواه
الطبراني و البيهقي عن ابن عمر بن الخطاب . و قال : « إن
الله كره لكم قيل و قال و كثرة السؤال و إضاعة المال » (1) . و أكثر الناس يغرق في السرف و الترف ، و لا يحس بغلطه إلا بعد ذهاب
المال عن يده ، و تراكم الديون عليه ، و قد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من
المأثم و المغرم و قال « إن الرجل إذا غرم ، أثم ،
حدث فكذب ، و وعد فأخلف » . و في الحديث « أقلوا من الدين ، فإنه هم بالليل و مذلة » (1) . فمن فنون السرف ، كون بعض الأثرياء يشتري خاتم ألماس بعشرة آلاف ، و
عشرين ألفا . و قد سمعت أن بعض الخواتم تبلغ قيمته مائة ألف و أكثر . و هذا يعد
غاية في الإسراف و التبذير . فإن أفضل ما تحلي به الشخص العظيم ، هو التواضع مع
القدرة . فمن تواضع لله رفعه ، كما أن من تعاظم في نفسه و في زيه و لبسه ، فإنه
يصغر قدره في نفوس الناس .
و
من الإسراف شراء ساعة الذهب بعشرة آلاف ، أو أقل أو أكثر ، و هذا بما أنه غاية في
السرف الذي يذمه الشرع ، و يمجه العقل ، وينافي الاقتصاد و العدل ، فإنه من الأمر
المحرم بنص الشرع ، إذ لا يجوز للمسلم أن يتحلى بساعة الذهب ، و لا خاتم الذهب ،
إذ هو حرام على ذكور الأمة حل لإناثها . و من الإسراف ما يفعله
بعض النساء المثريات في بعض البلدان ، من شراء ثوب بألف أو بألفين أو أكثر من ذلك
على حساب أن تحفل في عرس أو عيد ، و يقوم مقامه في الجلال ، و الجمال ، وستر الحال
، و ثوب قيمته مائة ريال ، و قس عليه سائر المستعملات .
(1)
من حديث رواه
مسلم عن أبي هريرة . و من
الإسراف التوسع في الموائد التي تصنع لإكرام شخص ، أو وليمة عرس ، أو قدوم غائب ،
بحيث يذبح قدر عشرين ذبيحة ، أو ثلاثين ذبيحة ، و ربما ذبح معها بكرا من الإبل و
يحتف بها أشياء كثيرة من المأكولات الثمينة ، و الفواكه . و يقوم المدعوون إليها و
هم يمقتوها ، لخروجها عن قانون العدل و الاقتصاد ، و حسن التدبير ، إلى عمل
الإسراف والتبذير ، إذ يكفي في الإكرام و الاحترام دون هذا التكلف الزائد . لأن من
سقطت كلفته ، دامت ألفته . وما خرج عن حد القصد والاعتدال ، دخل في حدود الذم و
الاعتلال . و قد مدح الله الذين إذا
أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا ، و كان بين ذلك قواما ، لهذا تجد هذه الموائد
الموحشة تشمئز منها نفوس العقلاء ، لاعتبار أنها من الأموال الضائعة ، بحيث تحمل
اللحوم والطعام ، و يرمي بها في مواضع القمام ، وبطون الأنعام ،و الكثير من
الفقراء تحن بطونهم إليها . وقد قيل :
إنه ما
توسع أحد في النفقات الزائدة على الحاجة ، إلا و يقصر بأداء الحقوق الواجبة عليه ،
من قضاء ديون للناس لازمة و غيرها ، فيقع من أجل توسعة في تحمل الدين الذي هو هم
بالليل ، ومذلة بالنهار . فدين الإسلام الذي
نعتقده ، هو دين تثمير الأموال و حفظها ، و توسعة التجارات من فنون حلها ، ومراعاة
القصد ، والاعتدال في الأمور كلها . و من الإسراف الذميم ،
التطلبات المرهقة ، والتكاليف الشاقة ، في سبيل الأنكحة لأن ــ التسهيل يمن ، كما
أن التكاليف شؤم ، فيسروا و تعسروا ، و خير النكاح أيسره ، و خير النكاح أقله كلفة
. و إنما تقاطع الناس
بالتكلف . و إنما بقيت العذارى الأبكار عوانس في بيوت آبائهم من التكلف . لأن
المقصود من النكاح الشرعي ، هو اتصال حبل الخاطب الكفؤ بالمخطوبة ليتحمل أمانتها ،
و القيام بكلفة مؤنتها ، و يقيم نفسه مقام الخادم لها ، في جلب حوائجها ، حتى تكون
سعيدة بيت و سيدة عشيرة ، و أم بنين و بنات . الذين هم من زينة الحياة . فانتبهوا من غفلتكم ، و
توبوا من زللكم ،و حافظوا على فرائض ربكم ، و أطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين
. |