![]() |
|
مساوئ التبرج و أخلاق التفرنج
الحمد لله ثم الحمد لله ، و نستعين بالله ، و نصلي و نسلم على رسول الله ، و أشهد
أن لا إله إلا الله ، و أشهد أن
محمدا رسول الله ، صل الله عليه و سلم ، و على آله و صحبه و من تمسك بسنته و اتبع
هداه . أما بعد : ــ فقد قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم
نارا وقودها الناس و الحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم و
يفعلون من يؤمرون ) (1) . يقول بعض السلف
: إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) فاصغ لها سمعك . فإنها خير تؤمر
به ، أو شيء تنهى عنه . يأمر الله عباده بأن يقوا أنفسهم و أهليهم من
النار . فوقاية النفس من النار تحصل بأداء ما افترض الله ، و ترك ما حرم الله ،
كما أن وقاية الأهل من النار تحصل بأمرهم بالخير ، و نهيهم عن الشر ، تحصل بأمرهم
بالمعروف ، نهيهم عن المنكر فما نحل رجل أهله أفضل من أن ينحلهم أدبا حسنا يهذبهم
به على الصلاح و الصلاة و التقى ، و يردعهم عن السفاه و الفساد و الردى . و الرجل
راع على أهله و مسئول عن رعيته ، و المرأة راعية على بيت زوجها و على أولادها و
بناتها و مسئولة عن رعيتها . فمتى كان الرجل راعيا على أهله ، فمن واجبه أن
يرعاهم بالمحافظة على الفرائض والفضائل ، و أن يجنبهم منكرات الأخلاق و الرذائل ،
و يأخذ بأيدي أولاده إلى الصلاة في المسجد معه ، حتى يتربوا على محبة الصلاة ، لأن
من شب على شيء شاب على حبه .
(1)
6ــ التحريم
. و لأنه بأخذ يد الولد إليها ، و مجاهدته عليها
، يعود حبها ملكة راسخة في قلبه ، تحببه إلى ربه ، و تقربه من خلقه ، و تصلح أمر
دنياه و آخرته . و هذا يعد من الجهاد في سبيل الله . و كذلك المرأة من واجبها أن تربي بناتها على
الستر و الصيانة ، و على الأمر بالطهارة و الصلاة و الطاعة ، و أن تجنبهن عوائد
التكشف و الخلاعة . و هذا كله من واجب أمانة التربية . إن الله سبحانه خلق الناس متفاوتين ، فمنهم
المسلم ، و منهم الكافر ، و منهم التقي ، و منهم الفاجر ، و منهم الصالح ، و منهم
الفاسق ، فمتى ترك الفاجر يتظاهر بفجوره و إلحاده ، والفاسق يتظاهر بفسقه و فساده
، بمرأى من الناس و مسمع ، فإن هذا و الله غاية الفساد للمجتمع ، لأن الأخلاق
تتعادى ، والطباع تتناقل . يقول الله ( و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيه
ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا ) (1) . و المراد بالهلاك هنا ، هلاك الأخلاق ؛ لكون
هلاك الأخلاق أضر من هلاك الأبدان ، لأن بقاء الأمم ، ببقاء أخلاقهم ، فإذا ذهبت
أخلاقهم ، ذهبوا . لأن الناس متى تركوا المنكرات تظهر و تشتهر بدون مانع و لا رادع
، فإنه مؤذن بفتنة في الأرض و فساد كبير ، و غايته أن يغرق الناس في الفساد بطريق
العدوى ، والتقليد الأعمى من بعضهم لبعض ، فيزول بها الإحساس عن الناس ، و ليعتبر
المعتبر بالبلدان التي قوضت منه خيام الإسلام ، و ترك أهلها فرائض الصلاة والصيام
، واستباحوا الجهر بفنون الكفر و الفسوق والعصيان ، كيف حل أهلها ، وما دخل عليهم
من النقص و الجهل ، و الكفر و فساد الأخلاق و العقائد و الأعمال ، حتى صروا بمثابة
البهائم يتهارجون في الطرقات ، لا يعرفون معروفا ، و لا ينكرون منكرا، و لا
يمتنعون من قبيح ، و لا يهتدون إلى حق .
(1)
16ــ الإسراء
. لأن إدمان رؤية المنكرات تقوم مقام ارتكابها في سلب القلوب نور
التمييز و الإنكار ، و لأن المنكرات متى كثر وردها ، و تكرر في العين شهودها ،
ذهبت عظمتها من القلوب شيئا فشيئا ، إلى أن يراها الناس فلا يرون أنها منكرات ، و
لا يمر بفكر أحدهم أنها معاصي ، و ذلك بسبب سلب القلوب نور التمييز و الإنكار على
حد ما قيل : إذا كثر الامساس قل الإحساس . من ذلك أن النساء متى تركن يمشين في الأسواق
بصورة خليعة عارية الرأس، والصدر ، تبدي يديها إلى العضد أو إلى الآباط ، و رجليها
إلى نصف الساق بمرأى و مسمع ، فإنه بتكرار النظر إلى هذا المنكر ، تزول وحشته عن
القلوب ، حتى يكون من المعروف المألوف ، يشب على حبه الصغار ، و يهرم عليه الكبار
. لهذا يجب البنات الصغار فضلا عن الكبار على اللباس السابغ الساتر ، حتى تشب
إحداهن على محبته و من شب على شيء شاب على حبه . و قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا (1) . و صدق الله و رسوله ، فقد رأينا اختلافا كثيرا في الأخلاق ، و اختلافا
كثيرا في العقائد و الأعمال .فمن هذا الاختلاف : أننا مكثنا أزمانا طويلة و نحن
نرى النساء يتمتعن بحالة مرضية ، و أخلاق كريمة زكية ، رأيناهن حتى الصغار منهن ، يرفلن في حلل ساترة ، و ثياب واسعة
سابغة ، تغطى بها جميع جسمها ، و تغطي بالخمار الساتر جميع رأسها ، و رقبتها ،
تعتقد اعتقادا جازما بأنه من واجب دينها ، و أنه شرط لصحة صلاتها ، و أن إسباغ
الستر عليها هو عنوان شرفها ، و فضلها ، و علامة مجدها و ظرفها ،
(1)
الحديث
بكامله رواه أبو داود و الترمذي و قال حديث صحيح عن أبي نجيح العرباض بن سارية . فلو رأين من تبدي يديها إلى العضد أو
الآباط ، و رجليها إلى الركبة، و تمشى حاسرة الرأس بغير خمار ، لابتدرنها بالضرب ،
فضلا عن السب ، لحسبنها ساقطة شرف و مروءة ، و عديمة خلق و دين ، ليست من نساء
المسلمين ، لأنها لبسة منكرة ، يمجها العقل ، فضلا عن الدين . و في هذا الزمان ، لما
كثر اختلاط النساء المسلمات بالنساء المتفرنجات من نصرانيات ، عربيات لا دين لهن و
لا خلق ، طفقن يتعلمن منهن هذه اللبسة القبيحة ، لبسة العراء و العار ، و لبسة
الذل والصغار ، و لبسة المتشبهات بنساء الكفار ، و من تشبه بقوم فهو منهم . و أخذت هذه اللبسة
المزرية تسري في بيوت الأسر و العوايل الفاضلة ،على سبيل العدوى والتقليد الأعمى ،
يتحلى بها الكبار ، و يتربى عليها
الصغار ، والرؤساء و أرباب البيوت ساكتون واجمون ، لا يريدون أن يغيروا
شيئا من هذه الأزياء ، من كل ما تشتهيه النساء . و ساعدهم على هذا التكشف ، كثرة ما يشاهدونه من عرض الأفلام
الخليعة التي هي بمثابة الدروس للرؤوس ، و تعمل في الأخلاق عمل الخمر للنفوس ، و
قد قيل : « حسبك من شر سماعه »
فما بالك برؤيته ؟! و أن هذه الأفلام ؛ صور خيالية تعبث بالعقول ، وتوقع في الفضول
، تنقش في نفوس النساء و الشباب محبة العشق ، والميل إلى الفجور ، بحيث تجعل القلب
الخلي شجيا ، تساوره الهموم و الغموم ، فيبتلى بشغل القلب بالتفكير الذي من لوازمه
طول السهر ، و حرمان لذة النوم الذي جعله الله راحة و رحمة ، ومن أسباب الصحة ،
كما أن السهر من أسباب الغم و السقم ، و مع هذا الابتلاء بها : فإنني أنصح
المراقبين عليها بعرض ما يجمل و ينفع من الأخلاق الفاضلة ، و الأعمال العالية ، و
اجتناب منكرات الأخلاق الساقطة ، والأعمال السافلة ، كما يوجبه الدين و الشرف و
الأمانة ، و إذا لم تستح فاصنع ما شئت . فيا معشر النساء المسلمات : إن الله سبحانه
شرفكن بالإسلام ، فضلكن به على سائر نساء الأنام ، متى فمتن بالعمل به على التمام
، و أن المرأة بدينها و بأخلاقها ، و اعتدالها ، لا بزيها و جمالها . فالزمن لباس
الشرف و لباس الحشمة ، والفضيلة ، و هو اللباس السابغ الساتر ، لباس الجلال و
الجمال ، لباس الحياء والوقار ، لباس الحرائر التقيات الأطهار ، و لا ينجرف بكن
الهوى ، و التقليد الأعمى إلى مشابهة نساء الكفار ، فحذار ، حذار أن تكن من نساء
أهل النار ، اللاتي وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأنهن الكاسيات العاريات
، و المائلات المميلات ، لا يجدن عرف الجنة ـ يعنى ريحها ــ فللمسلمة دينها و
سترها ، و للكافرة خلاعتها و كفرها ، ( و لأمة مؤمنة خير من مشركة و لو أعجبتكم ) (1) الآية . إن في كتاب الله الأعظم مزدجر هذا المنكر ،
يقول الله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين
عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) (2) ، ( و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن
فروجهن و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها و ليضربن بخمرهن على جيوبهن )(3) . فأمر الله نساء نبيه و
بناته و نساء المؤمنين ، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، والجلباب هو الملحفة
الواسعة ،تشبه الرداء ، تغطي بها جميع جسمها حتى لا يبدوا منه شيء . ثم قال : ( و ليضربن
بخمرهن على جيوبهن ) . و الخمار من شرطه أن يستر ما تحته ؛ من شعر ، والصدر ،
والرقبة ، والقلائد ،
(1)
221ــ البقرة
. (2)
59ــ الأحزاب
. (3)
31 ــ النور
. و يتأكد ذلك في الصلاة بحيث يجب على
المرأة المسلمة أن تستر جميع بدنها في الصلاة ، حتى و لو كانت في دار مظلمة ، أو
بالليل ، و أن تستعمل الخمار الثخين
الذي يستر ما تحته من الشعر و الرقبة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ « لا يقبل الله صلاة حائض ــ أي امرأة بالغ ــ إلا بخمار » (1)، أما الخمار الشفاف الرقيق الذي لا يستر ما تحته من الشعر و الرقبة فإنها
لا تصح الصلاة فيه . إلا أن تجعل
فوقه ثوبا أو رداء يستر ما تحته . و في الآية الأخرى : ( وقرن في بيوتكن و لا
تبرجن تبرج الجاهلية الأولى و أقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسوله )(2) ،
فهذا و الله الخطاب اللطيف ، و التهذيب الظريف ، يأمر الله نساء نبيه ، و نساء
المؤمنين ، بالتبع بأن يقرن في بيوتهن ، لأن أشرف حالة المرأة أن تكون
قاعدة في قعر بيتها ، لازمة لمهنتها ، من خياطتها ، أو خدمة بيتها و عيالها ، لا
يكثر خروجها و اطلاعها . لأن ثقل القدم من
المرأة جلال ، و كثرة الدخول و الخروج مهانة. و يعرضها للتهمة و الريبة ، و قد وصف
الله نساء أهل الجنة بما تتصف به العفائف الحرائر في الدنيا ، فوصفهن بالبيض
المكنون ، و قاصرات الطرف ، ووصفهن
بالمقصورات في الخيام . ثم قال : ( و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) .
التي نهى عنها القرآن ، هو ما يفعله النساء في هذا الزمان في بعض البلدان ، من
إظهار مفاتن جسمها ، بحيث تبدي
يديها إلى العضد أو الآباط ، و رجليها إلى الركبة أو إلى نصف الساق ، و
تمشي حاسرة الرأس و الوجه والرقبة ، بغير خمار ، و تلبس عند الناس الثوب الضيق
القصير ، الذي يميز أعضاء جسمها ، فهذا هو تبرج الجاهلية الأولى ، و لم يكن معروفا
في نساء المسلمين ، و إنما كان معروفا من زي نساء النصارى والعجم .
(1)
رواه مسلم عن مصعب بن سعد بصيغة (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور و لا صدقة من غلول )) . (2)
33 ــ
الأحزاب . و في هذا الزمان : أخذ نساء
العرب يزدن في الخلاعة و التكشف على نساء النصارى ، و على تبرج الجاهلية الأولى . و كلما ضعف دين المرأة و فسد خلقها ، أو غلت
في التبرج ، و أخلاق التفرنج ، لأنها ناقصة عقل و دين ، و مشبهة عقولهن بالقوارير
.و قد ابتليت بهذا الشباب الطائش الذي يفتخر أحدهم بخلاعة زوجته ، وبتبرجها في
الأسواق ، بزيها المخزي ، و ربما ذهب بها إلى أصدقائه من الأغيار الأجانب ،
ليمتعهم بالنظر إليها ، و نظرها إليهم ، و يربط الصداقة بينها و بينهم ، و فيوقعها
في الفتنة و الافتنان بها ، و هذا غاية في سقوط المروءة ، و ذهاب الحياء و الغيرة
.
إنه ما
من نظرة إلا و للشيطان فيها مطمع ، ومن العصمة أن لا تقدر ، و كم نظرة أثارت فتنة
، و أورثت حسرة ، و أشعلت في القلب محنة .
إن نابتة التفرنج ،
وعشاق التبرج ، الذين أضاعوا الصلاة ، و اتبعوا الشهوات ، و خرقوا سياج الشرائع ،
و استخفوا بحرمات الدين ، و اتبعوا غير سبيل المؤمنين ، يظنون من رأيهم القصير ، و
عزمهم الحقير ، أن الحضارة و المدنية ، والرقي والتقدم ، و معاقرة الخمور ،
ومجاراة النصارى في الخلاعة و السفور ، قد ضربهم من الجهل سرادق ، و من الغباوة
أطباق ، و غرهم بالله الغرور . تالله
لقد سلكوا شعاب الضلالة ، و سقطوا في هوان المذلة ، ورضوا بأخلاق المذمة ، الذي
ساقهم إليها ، دلهم عليها ، صريح الجهل ، وسفالة الأخلاق ، و مجالسة الفساق ، فإن
داموا على ما هم عليه و لم يعدلوا سيرتهم و لم يرجعوا إلى طاعة ربهم ، صاروا مثالا
للمعايب ، و رشقا لنبال المثالب ، و سيسجل التاريخ مساوئهم السيئة التي خالفوا بها
سيرة سلفهم الصالحين ، الذين شرفوا عليهم ، بتمسكهم بالدين ، و طاعة رب العالمين ،
فلا أدري من أحق بالأمن إن كنتم تعلمون . فانتبهوا من غفلتكم ، و
توبوا من زللكم ، و حافظوا على فرائض ربكم ، و أطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين
. |