![]() |
|
الأخلاق الحميدة للمرأة
المسلمة الرشيدة
الحمد لله رب العالمين . و به نستعين ، و نعوذ بالله من شرور
أنفسنا و سيئات أعمالنا و من همزات الشياطين ، و أشهد أن لا إله إلا الله ، و أشهد
أن محمدا عبده و رسوله . أما بعد : فقد قال الله تعالى ( يا أيها الذين
آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا ) (1) فأمر الله عباده بأن يقوا أنفسهم و أهليهم من عذاب النار ، فوقاية النفس
من النار تحصل بأداء ما افترض الله ، و ترك ما حرم الله ، كما أن وقاية الأهل من
النار تحصل بأمرهم بالخير ، نهيهم عن الشر ، تحصل بأمرهم بالمعروف ، نهيهم عن المنكر
، فما نحل رجل أهله و أولاده أفضل من أن ينحلهم أدبا حسنا ، يهذبهم به على الصلاح
والتقي ، و يردعهم به عن السفاه و الفساد و الردى ، فالرجل راع في أهله ومسئول عن
رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها و بناتها و مسئولة عن رعيتها ، كما ثبت بذلك
الحديث ، فمتى كان الرجل راعيا على أهله و عياله ، فإن من واجبه أن يرعاهم
بالمحافظة على الفرائض و الفضائل ، و ينهاهم عن منكرات الأخلاق و الرذائل ، و يأخذ
بأيدي أولاده إلى الصلاة في المسجد معه ليتربوا على محبة الصلاة بمداومتهم عليها ،
و مزاولتهم لفعلها ، فإن من شب على شيء شاب على حبه ، و لأنه بأخذ بيد الولد إليها
، و مجاهدته عليها ، و يعود حبها ملكه راسخة في قلبه ، تحببه إلى ربه ، و تقربه من
خلقه ، و تصلح له أمر دنياه و آخرته ، لأنها أم الفضائل ، والناهية عن منكرات
الأخلاق والرذائل .
(1)
6 ــ التحريم
. و كذلك المرأة ، فبما أنها راعية على بيت
زوجها و بناتها ، و مسئولة عن رعيتها ، فإن من واجبها أن تربي بناتها على الحياء ،
والستر ، والصيانة ، و النهي عن التكشف و الخلاعة ، و على الأمر بالطهارة ،
وبالصلاة في وقتها ، فإن الصلاة تقيم أعوجاجها ، و تصلح فسادها ، و تذكرها بالله
الكريم الأكبر ، و تصدها عن الفحشاء والمنكر . إن الله سبحانه ، خلق الناس متفاوتين ، و لا
يزالون مختلفين ، فمنهم المسلم ، و منهم الكافر ، و منهم البر ، و منهم الفاجر ، و
منهم الصالح ، و منهم الفاسق ، فمتى ترك الفاجر يتظاهر بكفره و إلحاده ، و الفاسق
يتظاهر بفسقه و فساده ، بمرأى من الناس و مسمع ، فإن هذا والله غاية الفساد
للمجتمع ، فإن الأخلاق تتعادى، و الطباع تتناقل ، و إنما ينتشر الشر غالبا بسبب
فشوه ، ثم الاقتداء من بعض الناس لبعض فيه ، لأن رؤية المنكرات ، تقوم مقام
ارتكابها في سلب القلوب نور التمييز و الإنكار ، و لأن المنكرات متى كثر وردها ، و
تكرر في العين شهودها ، ذهبت عظمتها من القلوب شيئا فشيئا ، حتى يراها الناس ، فلا
يرون أنها منكرات ، و لا يمر بفكر أحدهم أنها معاصي ، و ذلك بسبب سلب القلوب نور
التمييز و الإنكار على حد ما قيل : إذا كثر الامساس قل الإحساس ، و غايتها أن يغرق
الناس في الفساد على سبيل العدوى ، والتقليد الأعمى من بعضهم لبعض . من ذلك أن النساء متى تركن يمشين في الأسواق
بصورة خليعة كاشفة الرأس والرقبة ، والصدر ، تبدي يدها إلى العضد أو إلى الإبط ، و
رجليها إلى نصف الساق بمرأى و مسمع ، بدون أن تنهى و تمنع ، فإنه بتكرار النظر إلى
هذا المنكر ، تزول وحشته عن القلوب ، حتى يكون من المعروف المألوف ، يشب على فعله
الصغر ، و يهرم عليه الكبار . لهذا يجب على النساء المسلمات ، تهذيب أنفسهن
، و تمرين بناتهن على اللباس السابغ الساتر ، حتى تشب إحداهن على محبته و من شب
على شيء شاب على حبه . و قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ــ : « بأنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا » (1) . و صدق الله و رسوله ، فقد رأينا اختلافا كثيرا في الأخلاق ، و اختلافا
كثيرا في العقائد و الأعمال . من هذا الاختلاف : أننا
مكثنا زمنا طويلا و نحن نرى النساء يتمتعن بحالة مرضية ، و أخلاق كريمة زكية ،
رأيناهن حتى الصغار منهن ، يرفلن في حلل ساترة ، و ثياب واسعة سابغة ، تغطى بها
جميع جسمها ، و تغطي بالخمار الساتر جميع رأسها ، و رقبتها ، و قلائدها ، تعتقد
اعتقادا جازما بأنه من واجب دينها ، و أنه شرط لصحة صلاتها ، و أن إسباغ الستر
عليها ؛ هو عنوان شرفها ، و فضلها ، و علامة مجدها و ظرفها ، فلو رأين من تبدي
يديها إلى المرفقين ، أو الإباط ، و رجليها إلى نصف الساق ، و تمشى حاسرة الرأس ،
والوجه و الرقبة بغير خمار ، لابتدرنها بالضرب ، فضلا عن السب ، لحسبنها ساقطة شرف
و مروءة ، و عديمة خلق و دين ، ليست من نساء المسلمين ، لأنها لبسة منكرة ، يمجها
العقل ، فضلا عن الدين ، و حتى النصارى على كفرهم ، بدأوا يتراجعون عن هذا اللباس
الضيق القصير ، و يدعون نساءهم إلى استعمال الثياب الواسعة السابغة ، و ينشرون
فضلها في مجلاتهم و جرائدهم ، و يصورونها في السينمات ، و يرغبون نساءهم في
استعمالها ، و أنها من أسباب الصحة للجسم ، خصوصا للحوامل و سيكون لهذا التداعي
تجاوب ولو بعد حين . و في هذا الزمان ، لما
كثر اختلاط النساء المسلمات بالنساء المتفرنجات من نصرانيات ، عربيات لا دين لهن و
لا خلق ، طفقن يتعلمن منهن هذه اللبسة المزرية القبيحة ، لبسة العرى العار ، و
لبسة الذل والصغار ، و لبسة المتشبهات بنساء الكفار ، و من تشبه بقوم فهو منهم
.
(1)
من حديث عن
العرباض بن سارية رواه أبو داود و الترمذي و قال حديث حسن صحيح . و أخذت هذه اللبسة تسري في بيوت الأسر
والعوائل الفاضلة ، يتحلى بها الكبار ، و يتربى عليها الصغار ، على سبيل العدوى والتقليد الأعمى ، والرؤساء و أرباب
البيوت ساكتون واجمون ، لا يريدون أن يغيروا شيئا من هذه الأزياء ، من كل ما
تشتهيه النساء ، و ساعد على ذلك كثرة ما يشاهدونه من عرض الأفلام الخليعة التي هي
من الفتن التي تعرض على القلوب كالحصير ، عودا ، عودا ، فتعمى نور القلب ، و تطفئ
نور بصيرته ، بحيث يرى المعروف منكرا، و المنكر معروفا . فيا معشر النساء المسلمات : إن الله سبحانه
شرفكن بالإسلام ، فضلكن به على سائر نساء الأنام ، متى فمتن بالعمل به على التمام
، و أن المرأة بدينها و أخلاقها ، لا بزيها و جمالها . الزمن لباس الشرف و الحشمة
، لباس الظرف والفضيلة ، لباس الحياء و الستر ، و هو اللباس الواسع السابغ ، لباس
الجلال و الجمال ، لباس الحياء والوقار ، لباس الحرائر التقيات الأطهار ، و لا
ينجرف بكن الهوى ، و التقليد الأعمى إلى مشابهة نساء الكفار ، و لا تنخدعن بالدعاة
إلى النار ، الذين يبغونكم الفتنة . فحذار
، حذار أن تكن من نساء أهل النار ، الذين وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
بأنهن الكاسيات العاريات ، والمائلات المميلات ، لا يجدن عرف الجنة ـ يعنى ريحها
ــ فللمسلمة دينها و سترها ، و للكافرة خلاعتها و كفرها ، ( و لأمة مؤمنة خير من
مشركة و لو أعجبتكم ) (1) الآية .
(1)
221 ــ
البقرة . إن في كتاب الله الأعظم مزدجر عن عمل كل منكر
، يقول الله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين
عليهم من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) (1) ، فأمر الله نساء نبيه و نساء المؤمنين ، بأن
يدنين عليهن من جلابيبهن ، والجلباب يشبه الرداء ، أو العباءة ، تغطي به جميع
جسمها إلا ما تبصر به الطريق من فتح عينها و نحوه ، و هو من شأن الحرائر ، بحيث
يعرفن بالتستر فيحترمن ، و هذا نص قاطع في وجوب ستر المرأة الحرة جميع جسمها حتى
وجهها . و في الآية الأخرى : ( و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن و
لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها و ليضربن بخمرهن على جيوبهن )(2) . فأمر الله نبيه بأن يبلغ
نساءه ، والنساء المؤمنات ، بما يجب عليهن شرعا من آداب اللباس و التستر ، بأن
يغضضن عن النظر إلى الرجال الأجانب ، لكون النظر سهم مسموم من سهام إبليس ، و ما
نظرة إلا و للشيطان فيها مطمع . و هو معدود من مقدمات الزنا ، سواء في ذلك
الرجل والمرأة ، و لهذا قال بعده : ( و يحفظن فروجهن ) . و في البخاري ، أن النبي
صلى الله عليه وسلم ــ قال : « العينان تزنيان و زناهما
النظر، و القلب يتمنى و يشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » ،
و لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ــ : « لا
تلجوا على المغيبات » قال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، أ رأيت
الحمو ؟ يعنى أقارب الزوج ، قال : « الحمو الموت » (3) ؛ لأنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما
الشيطان ، كما ثبت بذلك الحديث ، ثم قال : ( و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها و
ليضربن بخمرهن على جيوبهن و لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن )(4) . حتى ذكر المحارم .
(1)
59 ــ
الأحزاب . (2)
31 ــ النور
. (3)
متفق عليه . (4)
31 ــ النور
. فنهى الله النساء
المؤمنات ، عن إبداء زينتهن للرجال الأجانب إلا المحارم ، فهل يشتبه بعد هذا إبداء
تحريم الزينة مع ما هو شر منها من الاختلاط بالشباب الأجانب ، والخلوة بها ، أو
سفرها لأقصى البقاع و حدها ، لا محل للتردد في تحريم هذا العمل ، و تحريم التعاون
عليه ، و المساعدة لأهله ، و لا في تحريم إقراره و عدم إنكاره . ثم قال : ( و ليضربن
بخمرهن على جيوبهن ) (1). و الخمار ؛ هو ما يوضع على
الرأس ، و يدار على الرقبة و الصدر ، و من شرطه أن يستر ما تحته ، و يتأكد ذلك في
الصلاة بحيث يجب على المرأة المسلمة أن تستر جميع جسمها في الصلاة ، ما عدا الوجه
والكفين ، حتى و لو كانت في غرفة مظلمة ، أو في الليل ، فالله أحق أن يستحيا منه ،
و هذا شرط لصحة الصلاة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ــ « لا يقبل الله صلاة حائض ــ أي بالغ ــ إلا بخمار » ، أما الخمار الشفاف الرقيق الذي لا يستر ما تحته ، فإن وجوده كعدمه ،
فلا تصح الصلاة معه ، و يرحم الله نساء الأنصار ، لما نزل قوله : ( و ليضربن
بخمرهن على جيوبهن ) عمدن إلى مروط
ثخينة فشققنها على رؤوسهن ، فخرجن و هن لا يعرفهن أحد من التستر . ذكر معناه
البخاري في صحيحه (2) . و في الآية الأخرى : ( وقرن في بيوتكن و لا
تبرجن تبرج الجاهلية الأولى و أقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسوله )
إلى قوله : ( و اذكرن . ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة إن الله كان
لطيفا خبيرا ) (3) ، فهذا و الله الخطاب اللطيف
، و التهذيب الظريف ، يأمر الله نساء نبيه ، و نساء المؤمنين ، بالتبع بأن يقرن في
بيوتهن ،
(1)
31 ــ النور
. (2)
رواه ابن أبي
حاتم عن أم سلمة بهذا المعنى كذلك . (3)
33ــ 34ــ
الأحزاب .
لأن أشرف حالة المرأة أن تكون قاعدة في قعر
بيتها ، ملازمة لمهنتها ، من خياطتها ، أو كتابتها و قراءتها ، أو خدمة بيتها و
عيالها ، لا يكثر خروجها و اطلاعها . لأن ثقل القدم من المرأة في بيتها فضيلة ، و
كثرة الدخول و الخروج رذيلة . و قد حكم النبي صلى الله عليه وسلم ــ بين علي و
فاطمة ، أن على فاطمة الخدمة داخل البيت ، و على علي جلب ما تحتاجه خارج البيت ، و
قد و صف الله نساء أهل الجنة بما تتصف به الحرائر العفائف في الدنيا ، فوصفهن
بالبيض المكنون ، ووصفهن بالمقصورات في الخيام . ثم قال : ( و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى )
(1) . فنهى عن تبرج
الجاهلية الأولى ، و هو ما يفعله النساء في هذا الزمان في بعض البلدان ، من كون
المرأة تظهر مفاتن جسمها ، و فتبدي
يديها إلى العضد أو الآباط ، و رجليها إلى نصف الساق ، و تمشي حاسرة الرأس
و الوجه والرقبة ، بغير خمار ، و تلبس عند الناس الثوب الضيق القصير ، الذي يميز
أعضاء جسمها ، فهذا هو تبرج الجاهلية الأولى ، و لم يكن معروفا في نساء المسلمين ،
بل و لا في نساء العرب على شركهم ، و إنما كان معروفا من زي نساء النصارى والعجم
،و لما قال رجل للنبي صلى الله عليه و سلم إني أرى نساء العجم بادية صدورهن و
وجوههن ، فماذا أفعل ! فقال رسول الله عليه وسلم : «
اصرف بصرك عنهن » . و في هذا الزمان ضعف من بعض النساء الإيمان
زدن في الخلاعة و التبرج على تكشف العجم النصارى ، و على تبرج الجاهلية الأولى ، و
كلما ضعف دين المرأة و فسد خلقها أو غلت في التبرج ، و أخلاق التفرنج ، لأنها
ناقصة عقل و دين ، و مشبهة عقولهن بالقوارير .
(1)
33ـ الأحزاب
. و قد
ابتليت بهذا الشباب الطائش الذي يفتخر أحدهم بخلاعة زوجته ، تبرجها في الأسواق ،
بزيها المزري ، لا يثنيها وجل ، و لا يلويها خجل ، و ربما ذهب بها إلى أصدقائه من
الأغيار ، ليمتعهم بالنظر إليها ، و نظرها إليهم ، و يربط الصداقة بينها و بينهم ،
و فيوقعها في الفتنة و الافتنان بها ، و هذا غاية في سقوط المروءة ، و ذهاب الحياء
و الغيرة ، لا يصدر مثله إلا من شخص مهين ، عديم المروءة والدين .
إن التستر و الصيانة ،
هما من أعظم العون على العفاف و الحصانة ، فإن من الصمة أن لا تقدر ، و قد أبدى
النصارى ببغيهم الحسد للمسلمين على سترهم لنسائهم ، بثوا من الأفلام الخليعة التي
تغزو الناس في قعر دورهم من كل ما يدعو النساء إلى الافتنان ، و يضعف منهن الإيمان
، و قد قيل : حسبك من شر سماعه ، فما بالك برؤيته .
ثم
قال : ( و أقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسوله ) إلى قوله : ( و اذكرن
ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ) (1) . فأمر
الله نساء نبيه ، و نساء المؤمنين ، بأن يقمن الصلاة ، أي يأتين بها في وقتها ،
مقومة معدلة ، بخشوع و خضوع ، في السجود ، و الركوع ، لأن لب الصلاة الخشوع في
الركوع والسجود ،
(1)
33ــ 34ــ
الأحزاب . و لأن الصلاة من آكد العبادات ، و هي من
أكبر ما يستعان بها على حسن تربية البنين و البنات ، لأنها عمود الديانة ، و رأس
الأمانة ، تهدي إلى فعل الفضائل ، و تكف عن منكرات الأخلاق و الرذائل ، تنبت في
القلب محبة الرب ، و التقرب إليه بطاعته ، و لا إسلام ، و لا دين لمن ترك الصلاة ، فكل امرأة يدعوها زوجها إلى
الصلاة فتعصيه و لا تطيعه ، و تصر على ترك الصلاة ، فإنه يجب عليه فراقها ،
لاعتبار أن ترك الصلاة كفر ، و الله يقول : ( و لا تمسكوا بعصم الكوافر ) (1) (لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن ) (2) . ثم
قال ( واذكر ما يتلى في بيوتكم من آيات الله و الحكمة ) فهذه
الآية و ما قبلها وردت مورد الخصوص لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، و معناها
العموم لسائر المؤمنات ، لأن الاعتبار في القرآن هو بعموم لفظه لا بخصوص سببه
كسائر نظائره . و
هذه الآية تعتبر من أقوى الدلائل على تعلم المرأة لأحكام الكتاب و السنة ، و سائر
العلوم الشرعية ، إذ هي كالرجل في ذلك ، و لأن العلم الصحيح النافع ، يكسبها جميل
الأخلاق و الآداب ، و يرقيها إلى الشرف و الكمال ( يرفع الله الذين آمنوا منكم
والذين أوتوا العلم درجات ) (2) . و أما ما يذكر عن نهي النساء عن الكتابة ، فإن
الحديث مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم و لفظه عن عائشة قالت : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ــ « لا تسكنوهن الغرف و لا
تعلموهن الكتابة و علموهن المغزل و سورة النور »
انتهى . فهذا حديث لا يصح و قد حقق العلماء بطلانه ، و أنه مكذوب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فسقط الاحتجاج به ، و قول الحق : هو أن المرأة كالرجل في
تعلم الكتابة و القراءة و المطالعة في كتب الدين و الأخلاق ، و قوانين الصحة ، و
تدبير المنزل ، و تربية العيال ، و مبادئ العلوم ، و الفنون من العقائد الصحيحة ،
و التفاسير ، والسير ، والتاريخ ، و كتب الحديث والفقه ،
(1)
10 ــ
الممتحنة . (2)
10 ــ
الممتحنة . (3)
11 ــ
المجادلة . كل هذا حسن في حقها ،
تخرج به عن حضيض جهلها ، و لا يجادل في حسنه عاقل ، مع التزام الحشمة و الصيانة ،
و عدم الاختلاط بالرجال الأجانب . و قد كان لنساء الصحابة
والتابعين من هذا العلم الحظ الأوفر ، والنصب الأكبر ، فمنهن المحدثات ، و منهن
الفقيهات ، و للمعلماء مؤلفات في أخبار علوم النساء ، لا يمكن حصرها في هذا
المختصر ، و حتى المصاحف ذات الخط الجميل في الشام والعراق ، تقع غالبا بخط النساء
، و كثير منهن يوصفن بالنبوغ و البلاغة غير المتكلفة ، و نحن نشير إلى طرف يسير
منها . من ذلك ، أن عائشة أم
المؤمنين ر ضي الله تعالى عنها كان الصحابة
يسألونها من وراء حجاب عما يشكل عليهم من الأحاديث و تفسير الآيات ، و عن الأحكام
و أمور الحلال و الحرام ، و كانت تستدرك على الصحابة كثيرا من القضايا ، و هي
معدودة من حفاظ الصحابة الذين أكثروا من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
و هم سبعة : ابن عباس ، و ابن عمر ، و أنس بن مالك ، و أبو هريرة ، و جابر بن عبد
الله ، و أبو سعيد الخدري ، و عائشة
بنت أبي بكر ، ولا يكون مكثرا حتى يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق ألف
حديث ، و هي كذلك ، وقد اشتهرت بالبلاغة و النبوغ والحفظ ، عن عائشة ، و رواه أبو
أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ،أنها قالت : أنه لما ألقى الدين بجرانه ،
ورست أوتاده ، و دخل الناس فيه أفواجا ، و من كل فرقة أرسالا و أشتاتا ، اختار
الله لنبيه ما عنده ، فلما قبض الله نبيه ، نصب الشيطان رواقه ، و مد طنبه ، و نصب
حبائله ، فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم ، لآت حين الذين يرجون ، و أنى و الصديق
بين أظهرهم ، فقام حاسرا و مشمرا ، فجمع حاشيته ، و رفع فطرته ، فرد نشر الإسلام
على غره ، و لم شغته بطيه ، و أقام أوده بثقافته ، فوقذ النفاق بوطئه ، و انتاش
الدين فنعشه ، فلما أراح الحق على أهله ، و قرر الرؤس على كواهلها ، و حقن الدماء
في أهبها ، أتته منيته ، فسد ثلمه بنظيره في الرحمة ، و شقيقه في السيرة والمعدلة
، ذاك ابن خطاب ، لله أم حفلت له ، و درت عليه ، لقد أوحدت به ، فقبح الكفر ، شرد الشرك ، و بعج الأرض ، فقاءت أكلها ،
و لفظت خبيئها ، ترأمه و يصد عنها ، و تتصدى له ، و يأباها ، ثم ورع فيها ، و
ودعها كما صحبها ، فأروني ماذا تريبون ؟ و أي يومي أبي تنقمون ؟ أ يوم إقامته إذ
عدل فيكم . أم يوم ظعنه عنكم ! و قد نظم لكم أمركم ، أقول قولي هذا و أستغفر الله
لي ولكم . انتهى (1) . فهذه نبذة يسيرة ، تدل
الناظر على سعة علم نساء الصحابة ، وما وفقن له من الفصاحة و الإصابة ، و مع حسن
سبك الكلام المتضمن لجميل البلاغة والبيان ، و أن لهن العناية التامة بتعلم العلوم
النافعة ، و تعليمها مع العمل بها . و قد ظهر أثر بركة علمهن
على أخلاقهن ، و حسن آدابهن ، لأنه متى صلح العلم و التعلم ، صلح العمل ، و إذ فسد
العلم و التعلم ، ساء العمل ، و ساءت النتيجة ، لأن من العلم ما يكون جهلا ، و قد
استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع . و لا يستعيذ إلا من الشر ، فمن
العلم الذي لا ينفع ، والذي هو داخل ضمن الجهل . تعلم المرأة الرقص
والغناء ، والتمثيليات السامجة ، التي هي غاية في الكذب ، و تصوير رسم الحيوانات
الحية ، ثم يندفع بها سوء علمها ، وفساد عملها ، إلى السفر للتعلم وحدها ، فتخرج
من بيت أهلها متهتكة متبرجة ، تغشى دور الفجور ، و محلات الفسوق ، و مسارح اللهو ،
واللعب ، و الخمور ، و السينمات ، مع تركها للفرائض و الواجبات ، من الصلوات ، لأن
هذا هو منتهى تعلم البنين و البنات في هذا الزمان .
(1)
رواه ابن
عساكر في تاريخه عن جعفر بن عون عن أبيه عن عائشة . إن
الأصل في التعلم الصحيح ؛ هو إصلاح النشء بتربية الأخلاق و الآداب الدينية بما
يجعل المرأة صالحة مصلحة ، ثم تعلم العلوم النافعة ، لأن الغرض من تعليم البنات ؛
هو تربية أنفسهن ، و تهذيب أخلاقهن على المحافظة على الفرائض ، والفضائل ، و
اجتناب منكرات الأخلاق و الرذائل ، و هن أقبل الناس لتعليم الدين و الأخلاق ،
والخير ، و فيهن أتم الاستعداد للاستماع و الإتباع ، لو وفقن للمعلمين و المعلمات ، المرشدين الصالحين
، الذين يهدون بالحق و به يعدلون . إن في تعليم الإسلام ما يضمن السعادة و الراحة
للبنات ، و لسائر البيوت و العائلات ، لأن دين الإسلام يعلمهن فضيلة الستر و العفاف ، و فضيلة التواضع في
المأكل و اللباس ، و ينهى عن المغالاة فيما يسمى بالكمليات ، مما يعد خارجا عن
الضروريات ، و يأمر بالاقتصاد في النكاح ، و ينهى عن المغالاة في المهور ، و يقول
: « إذا خطب إليكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه إن لا
تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد عريض » (1) . و يأمر بالاقتصاد في النفقة بحسن التدبير ، و ينهى عن الإسراف و التبذير
، حتى و لو كان على نهر جار ، و يأمر بالتودد إلى الأرحام و الجيران ، و حسن
معاشرة الناس بالإحسان ، و بإفشاء السلام ، و طيب الكلام ، و ينهى عن إطلاق اللسان
باللعن و السب لاعتبار أن الأم مدرسة لأولادها في الخير و الشر فمتى كانت بذيئة
اللسان تعلم ذلك أولادها منها ، و صاروا يتقاذفون باللعن فيما بينهم ، ثم تعليمهن
النظافة في الجسم و الثياب ، و المنزل و العيال ، و إن النظافة من الإيمان ، و من
أسباب الصحة للأبدان . و الناس يعرفون ظرف
المرأة بنظافة جسمها ، و نظافة بيتها ، و عيالها ، و أن أشرف حالة المرأة أن تكون
قاعدة في قعر بيتها ، ملازمة لمهنتها ، من خياطتها ، أو مغزلها ، أو خدمة بيتها و
عيالها ، لا يكثر خروجها و اطلاعها .
(1)
رواه الترمذي
عن أبي هريرة . لأن بقاء المرأة في
بيتها فضيلة ، و كثرة دخولها و خروجها رذيلة ، و يأمرها برعاية حقوق زوجها ، و حسن
صحبته ، معاشرته ، و لزوم طاعته ، بالمعروف ، وأن لا تكلفه ما يشق عليه من
متطلباته بالكمليات التي قد لا يستطيع الحصول عليها إلا بمشقة ، و أن لا تأذن في
دخول بيته لمن يكره دخوله من رجل أو امرأة ، و أن لا تخلو مع رجل ليس بمحرم لها . فهذه هي التعاليم
الإسلامية ، والأخلاق الدينية ، التي تجعل المرأة صالحة مصلحة في بيتها ، و بيئتها
، و حسن تربيتها لأولادها ، و بناتها ، و تجعلها سعيدة في حياتها ، و بعد وفاتها ،
و لا يوفق للعمل بهذه المزايا الفاضلة و الوصايا النافعة ، إلا خيار النساء علما و
عقلا ، وأدبا و دينا . و إنما نكب المسلمون و
أصيبوا بالنقص من فساد الأخلاق ، والأعمال كله ، من أجل إهمالهم لحسن تربية
أولادهم و بناتهم التربية الدينية النافعة ، التي تجعل المرأة سيدة بيت ، و سيدة
عشيرة . إن نابتة التفرنج ،
وعشاق التبرج ، الذين أضاعوا الصلاة ، و اتبعوا الشهوات ، و خرقوا سياج الشرائع ،
و استخفوا بحرمات الدين ، و اتبعوا غير سبيل المؤمنين ، يظنون من رأيهم القصير ، و
عزمهم الحقير ، أن الحضارة و التمدن ، والرقي والتقدم ، أنه في تشييد القصور ، و
معاقرة الخمور ، ومجاراة النصارى في الحرية والخلاعة و السفور ، قد ضربهم من الجهل
سرادق ، و من الغباوة أطباق ، و غرهم بالله الغرور . تالله لقد سلكوا شعاب
الضلالة ، و سقطوا في هوات المذلة ، ورضوا بأخلاق المذمة ، الذي ساقهم إليها ،
دلهم عليها ، صريح الجهل ، وسفالة الأخلاق ، و مجالسة الفساق ، فإن داموا على ما
هم عليه و لم يعدلوا سيرتهم و لم يرجعوا إلى طاعة ربهم ، صاروا مثالا للمعايب ، و رشقا
لنبال المثالب، سيجل التاريخ مساوئهم السيئة التي خالفوا
بها سيرة سلفهم الصالحين ، الذين شرفوا عليهم ، بتمسكهم بالدين ، و طاعة رب
العالمين ، فلا أدري من أحق بالأمن إن كنتم تعلمون . نسأل الله سبحانه أن
يهدينا لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلا هو ، و أن يصرف عنا سيئها ، لا يصرف
عنا سيئها إلا هو ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا، و من همزات
الشياطين ، و صلى الله على نبينا محمد ، و على آله و صحبه أجمعين .
|