![]() |
|
موقف الإسلام من القتال
الواقع بين أهل لبنان
الحمد لله . معز من أطاعه و اتقاه ، و مذل من أضاع أمره و عصاه
، الذي وفق أهل طاعته للعمل بما يرضاه ، و خذل أهل معصيته ، فاستحوذ عليهم الشيطان
، و حبب إليهم الكفر الفسوق و العصيان ، و أنساهم ذكر الله . و أشهد أن لا إله إلا
الله ، و أشهد أن محمدا رسول الله . أما بعد : فإن الدنيا محفوفة بالأنكاد و
الأكدار ، و بالشرور و الأضرار ، و بالهموم و الغموم و الأحزان ، و لا يهذبها و لا
يصفيها سوى الدين ، و طاعة رب العالمين ، ففي الحديث«
عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، و إن
أصابته ضراء صبر فكان خيرا له و ليس ذلك إلا للمؤمن » (1) .
إنه ما أعطى أحد عطاء في
الدنيا أفضل و لا أوسع من العافية ، و أنه لا يعرف أحد قدر العافية إلا الوقوع في
ضدها من البلاء و النبي صلى الله عليه و سلم قال :«
إنه ما أعطي أحد عطاء أفضل من العافية » (2) . و قال للعباس : « يا عم سل الله العافية في
الدنيا و الآخرة » (3) . و من دعاء القنوت « اللهم اهدنا فيمن هديت و عافنا فيمن عافيت » .
(1)
نص الخطبة
ألقاها المؤلف ضمن خطبة الجمعة بتاريخ 7 محرم سنة 1396هـ بالجامع الكبير في الدوحة
قطر . (2)
رواه أحمد في
مسنده و مسلم عن صهيب ابن سنان الرومي . (3)
روي الترمذي
بسند حسن صحيح بلفظ (( سلوا الله العافية في الدنيا و الآخرة )) عن أنس . و كان يقول إذا أصبح و
إذا أمسى : « اللهم إني أسألك العفو والعافية و المعافاة
الدائمة في الدنيا والآخرة ، اللهم إني أسألك العفو و العافية في ديني و بدني و
أهلي و مالي ،(1) . و
كان يقول في سجوده : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك » (2). و يقول : «
اللهم أعوذبك من زوال نعمتك و تحول عافيتك و فجأة نقمتك و جميع سخطك » (3) . و هذه الأدعية تدل على فضل نعمة العافية . و
إن من زوال و الإبتلاء بفجأة النقمة ، ما ابتلي به أهل لبنان من الفتنة التي عم
ضررها ، و تفاقم شرها و شررها ، فشملت جميعهم ، غنيهم و فقيرهم ، و رجالهم و نسائهم ، و صغارهم و كبارهم ،
أرضهم ، و زرعهم ، و دورهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، و ضاقت عليهم أنفسهم . و من المعلوم أنه لم
ينزل بلاء إلا بذنب ، و لم يرفع إلا بتوبة ، و إن للمنكرات ثمرات ، و للمعاصي
عقوبات ( و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان
فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون ) (4) ، و قد قص الله علينا خبر الأمم المعذبين قبلنا ، فقال : ( فكلا أخذنا
بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، و منهم من أخذته الصيحة ، و منهم من خسفنا
به الأرض ، و منهم من أغرقنا ، و ما كان الله ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون )
(5) ، و إنما قص الله علينا خبرهم ليكون لنا بمثابة
العظة ؛ و العبرة ، و خير الناس من وعظ بغيره .
(1)
الطبراني عن
خباب بن الأرت . (2)
رواه مسلم . (3)
رواه مسلم عن
ابن عمر . (4)
112 ــ النحل
. (5)
40 ــ
العنكبوت . إن الناس في الدنيا بين
مبتلى و معافى ، فارحموا أهل البلاء ، و احمدوا الله على العافية . و
هذا القتال الواقع في لبنان ؛ هو قتال بين المسلمين و الكفار ، أو بين المسلمين
والنصارى . هذا هو الظاهر المتبادر إلى الأذهان ، فهو من عداد الحروب الصليبية ، و
لا نقول : إن كل من يسمون مسلمين في لبنان أنهم مسلمون على الحقيقة ، بل فيهم
المسلم ، و فيهم المنافق ، كسائر البلدان المجاورة لهم ، والنفاق لا يخلو منه زمان
،ولا مكان ، حتى ولا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، فقد كان فيها
المنافقون . يقول الله : ( من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق
لا تعلمهم نحن نعلمهم ) (1) . و لما استؤذن رسول الله صلى
الله عليه وسلم في قتل رجل من المنافقين قال : « لا
يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » فعاملها النبي صلى الله
عليه وسلم ، بظاهر إسلامهم ، مع علمه بنفاقهم ، لأن الأحكام تدور على الظاهر ،
والمسلمون في لبنان يتسمون بالإسلام ، و قد أظهر أعداؤهم خدعة خدعوا بها بعض الناس
، و هي قولهم إن المسلمين في لبنان شيوعيون يساريون ، يريدون بهذه الكلمة تفتير
عزائم حكام المسلمين عن نصرتهم ، حتى لا يمدوا لهم يد المساعدة العون ، و أخذ أنصارهم
من نصارى لندن ، ينددونهم بهذه الكلمة ، و يرددونها في أسماع الناس في إذاعتهم ،
ليروجوا بها في أذهانهم ، و هي خدعة حرب ، فإن الحرب خدعة، و إلا فإن الشيوعية لم
تشهد المعركة ، و لم ينشب القتال بسببها ، و لا على حسابها ، و إنما ثارت الفتنة
بسبب بغي الكتائب على المسلمين ، و محاولتها إزالة اسم الإسلام عن لبنان . و في
الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته بأن « ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، و هم يد على من سواهم » ،
(1)
101 ــ
التوبة . و معنى كونهم يدا على
سواهم ، أنه متى نبغ عدو على المسلمين ، كهذه الطائفة المتعصبة ، فإن من الواجب
على المسلمين أن يكونوا كاليد الواحدة في دحر نحره ، و دفع شره ، لكون المسلمين
بعضهم أولياء بعض ، والله يقول ( و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على
قوم بينكم و بينهم ميثاق )(1) . فأوجب الله على
المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضا ، و أن يساعد بعضهم بعضا ، لأن المسلمين كالجسد
الواحد إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالحمى و السهر ، والمسلمون
كثيرون بإخوانهم ، قويون بأعوانهم ، والأخوة الإسلامية تستدعي العطف والحنان ،
والصدقة و الإحسان ، و مساعدة منكوب الزمان ، فإن المسلم للمسلم إخوان ( و تعاونوا
على البر والتقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان ) (2) . و المساعدة إذا لم تكن
بالقوة و الرجال ، فإنها تكون بالمال ، لأن المال هو المحور الذي تدور عليه رحى
الحرب ، و يستعان به في الطعن والضرب ، و ينقذ الناس عن الوقوع في الهلكة ، والجوع
الذي يمكن عدوهم من استئصالهم ، و
القضاء عليهم جميعا ، ولا ينبغي أن يكون الكفار في تساعدهم ، و تناصرهم على باطلهم
أقوى من المسلمين في حقهم . و من الخطأ و فساد التصرف ، كون حكام المسلمين يساعدون
الكتائب من النصارى على المسلمين لروجان هذه الحجة الباطلة ، بل يجب مساعدة
المسلمين عليهم . و نحن نحب أن يعيش
المسلمون مع المسيحيين متجاورين متعاشرين ، متساعدين كحالتهم السابقة ( لكم دينكم
ولي دين ) (3) . فلا يتعدى بعضهم على بعض ، و لا يسفك بعضهم دم
بعض ، و لا يجعلون اختلاف دياناتهم سببا لمثار النزاع ،
(1)
72ــ الأنفال
. (2)
2 ــ المائدة
. (3)
6 ــ
الكافرون . و سل السيوف من بينهم ،
و كان من حالتهم مع المسلمين في فتوحاتهم في قديم الزمان ، أنه لما اتسعت الفتوح
الإسلامية ، و امتد سلطان المسلمين على الأقطار الأجنبية ، من بلدان الروم ، صار
النصارى مع المسلمين في أمن و أمان ، و عزة و اطمئنان ، و سموا أهل الذمة من أجل
أنهم في ذمة الله ، و ذمة المؤمنين . من رامهم بسوء غرم و أثم ، فصار الجميع
يتعاونون على الكسب والسعي ، والعمران ، و فنون العلم و العرفان ، يساعد بعضهم
بعضا في ذلك الزمان ، و أخذ الخلفاء ، و حكام المسلمين ينشرون عليهم ظلا ظليلا من
الرعاية و الاحترام و العدل . فيحترمون دمائهم و أموالهم ، كما يحترمون دماء
المسلمين و أموالهم ، و يحترمون أيضا معابدهم و كنائسهم ، و يحمونها فلا يتعرض لها
أحد بضرر ، و لا يمنع أهلها من دخولها ، فهذا صنيع المسلمين مع المخالفين لهم في
الدين ، و بسببها أخذ النصارى يدخلون في دين الله أفواجا ، أفواجا ، طائعين
مختارين ، من أقام منهم على دينه ، فإنه آمن على ماله و دمه ، لهم ما لنا ، و
عليهم ما علينا ، و قد أساء النصارى الصنيع مع المسلمين في لبنان ، و في كثير من
البلدان ضد ما فعله بهم المسلمون ، و ضد ما كان عليه قدماء المسيحيين . فإن من
تعاليم المسيح « الأمر بالهدوء ، و العفو و الصفح ، و عدم
الانبعاث إلى الشر ، حتى و لو حصل الغلط و الخطاء من بعض البشر » . و ناهيك بحوادث هذا
الزمان ، فإنهم لما تباعدوا عن تعاليم المسيحية أخذوا يتميزون بالحقد و الشحناء
على المسلمين ، وسفك الدماء و التمثيل ، و تشويه الأبرياء و خطف الأولاد و النساء
، و هدم المساجد المشيدة للعبادة ، و إساءة الصنيع مع المسلمين ، بل مع أهل ملتهم
من النصارى فقد قتلوا الرهبان في كنيستهم ، و دين الإسلام و سائر الأديان تحرم قتل
الرهبان ، و هذه الأعمال لم تشهد لبنان ، لا غيرها من الدول ، أبشع و لا أشنع منها
حتى صارت لبنان نيران مستعرة ، و أنقاض مستقذرة ، كله حرصا منهم على إزالة اسم
الإسلام ، و هذا العمل بهذه الصفة ينذر بشر العواقب
، و أسوا النتائج عليهم ، و على كافة الناس معهم ( و من يرد الله فتنته فلن تملك
له من الله شيئا ) (1) ( إن الله لا يغير ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم ، و إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ) (2) . و صدق الله العظيم ( و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها
فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) (3) ( و سيعلم الذين
ظلموا أي منقلب ينقلبون ) (4) . نسأل الله الثبات على
الإسلام ، و نعوذ بالله من منكرات الأخلاق و الأقوال و الأعمال .
(1)
41 ــ
المائدة . (2)
11ــ الرعد .
(3)
16 ــ
الإسراء . (4)
227 ــ
الشعراء . |