الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

التذكير بالاستقامة على الدين   

      الحمد لله  الذي هدانا للإسلام ، و أشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام .  و أشهد  أن محمدا نبيه و رسوله سيد الأنام ، اللهم صل على نبيك و رسولك محمد ، و على آله و أصحابه البررة الكرام ، و سلم تسليما كثيرا .

     أما بعد : فقد قال الله تعالى (  إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياءكم في الحياة الدنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما توعدون . نزلا من غفور الرحيم ) (1) .

     فوعد الله سبحانه ، وعده حق و صدق ، كل من قال « ربي الله » أي قال : أنا مسلم ، أنا مؤمن ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله . ثم استقام على تصديق ما قال ، فحافظ على واجباته ؛ من أداء الصلوات الخمس في أوقاتها ، و أداء زكاة ماله طيبة بها نفسه ، يحتسبها مغنما له عند ربه ، و صام رمضان ، وبر والديه ، و وصل أرحامه ، و أحسن إلى الفقراء و المساكين و الأيتام ، كما أحسن الله إليه ، والتزم الصدق ، و الوفاء بالعهد و الوعد ، و أداء الأمانة ،و اجتناب الربا و شرب المسكرات ، و سائر أعمال المنكرات . فمن استقام على هذه الأعمال ، ثم سعي سعيه في كسب المال الحلال ؛ فإنه يحيا حياة سعيدة طيبة ، يجد لذتها في نفسه ، و تسري بالصحة والسرور على سائر جسمه ، حتى يكون سعيدا في حياته ، سعيدا بعد وفاته ، و يفوز بهذه الخصال الحميدة . فمنها تتنزل عليه الملائكة بالرحمة ، والبركة ،  و السكينة ، في حاله و ماله ، عياله ، و صالح أعماله .

    

 

     و لأن من الناس من تتنزل عليهم الملائكة بالرحمة والبركة ، و منهم من تتنزل عليهم الشياطين بالشؤم والشر (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين . تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع و أكثرهم كاذبون ) (1) .

     و الثانية : تبشير الملائكة بأن لا تخافوا و تحزنوا ، و من ذهب عنه الخوف والحزن ، فقد ذهب عنه جميع الشؤم ، و الشر ؛ لأن الإنسان متى كان يخاف وقوع شيء من الشر ، فإنه دائما خائفا مهموما منه ، و لا عيش لخائف ، وإذا وقع به ، فإنه لا يزال كئيبا  حزينا منه . و من المعلوم أن الهم و الحزن عقوبات تتوالى ، و نار في القلب تتلظى ، ولا يزالان ينفخان في الجسم ، حتى يجعلا السمين نحيفا ، و القوي ضعيفا ، كما قيل :

و يشيب ناصية الصبي و يهرم

 

والهم يخترم الجسيم نحافة

     و كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: « اللهم إني أعوذبك من الهم والحزن و أعوذبك من العجز والكسل ، و أعوذبك من الجبن والبخل ، وأعوذبك من غلبة الدين و قهر الرجال» (2) .

          و هؤلاء المستقيمون على طاعة رب العالمين ، قد سلموا من المرهوب ، و فازوا بالأمر المحبوب ، إن أصابت أحدهم سراء شكر ، كان خيرا له ، و إن أصابته ضراء فصبر ، كان خيرا له .

     و البشري الثالثة : قول الملائكة لهم : « و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون » و هذه البشري هي أعلى و أجل ؛ لأن فيها البشري بالجنة التي يعمل لها العاملون ، كما قال بلال للنبي صلى الله عليه وسلم : أما أني لا أحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ ، أما إني أسأل الله الجنة ، و أستعيذ به من النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حولهما ندندن » .   


 


(1)                 221ــ 223 ــ الشعراء .

(2)                 رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري .

 

 

     و البشرى الرابعة، والخامسة قول الملائكة لهم : « نحن أولياءكم في الحياة الدنيا و في الآخرة » . فمن كانت الملائكة أولياؤه في الدنيا ، فإنها تذهب عنه كل سوء ، فتدفع عنه الأذى ، و  تحارب دونه الأعداء . و لما تصدي رجل لسب أبي بكر و رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، و أبو بكر صامت لا يجاوبه ، فلما طال سبه له ، تصدي أبو بكر للرد عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه منصرفا ، و على وجهه أثر الكراهية فجاء أبو بكر يعتذر إليه ، فقال يا رسول الله : لقد سمعت قوله في و أنا ساكت ، فلما جاوبته قمت ، و على وجهك أثر الكراهية ؟ فقال : « نعم . انه لا يزال الملك ينافح عنك لما كنت ساكتا ، فلما انتصرت ، انصرف الملك ، و انصرفت لانصرافه » .

     و أما ولاية الملائكة في الآخرة عند الاحتضار : فإن المسلم المستقيم على الدين عند حضور أجله ، فإن الملائكة تنزل عليه بالرحمة والرضوان ، وتبشره بالذي يسره ، و تقول له بعطف و لطف و حنان : يا أيتها النفس المطمئنة . أخرجي إلى روح و رضوان ، ورب غير غضبان ، أبشر بالذي يسرك ، فهذا يومك الذي كنت توعد . و يقول الله : ( يا أيتها النفس المطمئنة . أرجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي . و ادخلي جنتي ) (1) . و لهذا ختم هذه البشارة بقوله ( و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم و لكم فيها ما تدعون . نزلا من غفور رحيم ) (2) . أي لكم ما تتمنون و ما لا يخطر ببال أحدكم من كل ما تشتهي الأنفس ، و تلذ الأعين ، نزلا أي ضيافة و كرامة من غفور رحيم . أ تدرون ما هي الاستقامة التي ندب الله عباده إليها و أبدى و أعاد بالثناء على أهلها .


 


(1)                 27 ــ 30 الفجر .

(2)                 31 ــ 32 ــ فصلت .

 

 

     هي الثبات والاستقامة على الدين ؛ من فعل الواجبات ، و اجتناب المحرمات و هي المراد بقوله تعالى ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء ) (1) . فالثابت على الدين ، و سلوك الصراط المستقيم ؛ الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه ، هو عين الاستقامة المنشودة . فمن ثبت على الدين ،  واستقام عليه ، و لم يزغ عن أمر ربه ، ثبته عند سؤال الملكين له في القبر ، و يلقنه حجته ، ثم يثبته على سلوك الصراط المعروض على متن جهنم ، و هو أحر من الجمر ، و أحد من السيف الأبتر ، و هذا الصراط المعروض على متن جهنم بمثابة الخشية المعروضة على القليب ، و على جوانبه كلاليب ، و حسك كالشوك ، و هي المعاصي ، كبائر الذنوب ، تخدش الناس ، وتخطف من أمرت بخطفه ، تلقيه في جهنم ، فيكلف الناس بالمرور على هذا الصراط ، و هو المراد بقوله ( و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا . ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا ) (2) .

     فالمراد بالورود المرور ، فتجري بالناس أعمالهم ، حتى أحدهم يمر كالبرق ، وتقول له النار جز يا مؤمن ، فقد أطفأ نورك لهبي . و يمر أحدهم كالريح ، و كاجاود الخيل ، و الركاب . و منهم من يمشي مشيا ، و منهم من يمشي يحبوا حبوا ، فمخدوش ناج ، و مكردس على وجهه في نار جهنم . والنبي صلى الله عليه وسلم واقف على طرف الصراط ينظر إلى الناس ، ويقول : « الهم سلم ، سلم » . فمتى خلصوا من مرور الصراط ، وردوا نهر الكوثر ، فشربوا منه حتى لا يظمئوا بعده أبدا .

 والمستقيم الثابت على الدين القويم ، فإنه يثبت عند سلوك هذه المخاطر ، و المزالق ، و يجري به عمله في أحسن سلوك منه ،


 


(1)                 27ــ إبراهيم.

(2)                 70 ــ 71 ــ مريم .

 

 

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : « أنا ممسك بحجزكم عن النار ، أقول هلم عن النار ، وأنتم تغلبونني ، و تقاحمون فيها ، كتقاحم الفراش والجنادب ، و إنكم تردون علي معا و أشتاتا ، فأعرفكم بسيماكم و أسماءكم ، كما يعرف الرجل الغريبة في ابله ، و انه يؤخذ بأناس من أمتي ذات الشمال ، فأقول : يا رب أمتي . فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول بعدا و سحقا لمن غير بعدي » .

     ثم أن الاستقامة أيضا ، الثبات على مصابرة الأعمال التي توكل إلى الشخص ، و يعهد إليه فيها ، من أعمال حكومية و غيرها . فالمستقيم على عمله ، بحيث ينفذ ما عهد إليه فيه بدون بخس ، ولا نقص ، و لا خيانة ، و بدون تعليل ، ولا تمليل ،فهذا ممدوح عند الله ، و عند خلقه ، و ينشر له الذكر الجميل ، والثناء على حسن وفاءه ، و استقامته في أداء عمله و كل شخص : فمسئول عما تولاه ــ كما قيل :   

نجاحا في غابر الزمن

 

مهما تستقم يقدر الله لك

     أما غير المستقيم ، فهو الذي يتهرب عن عمله ، و يتغيب عن دوام جلوسه ، و يخون ، و يختلس ، ولا يفي بوعد ، و لا عهد ، ليس له حظ من الاستقامة ، و لا الصدق ، ولا الأمانة ، فتنشر عنه هذه الصفات الذميمة الناشئة عن سوء سيرته ، و فساد سريرته . لهذا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله . إن شرائع الإسلام قد كثرت على فأخبرني بأمر أتشبت به ، و لا تكثر علي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «  قل آمنت بالله ، ثم استقم » (1) . فدله على أمر جامع نافع ــ أي استقم على العمل بإسلامك ، و ليس من شرط الاستقامة كونه لا يذنب أبدا ، بل قد يذنب ثم يتوب .   


 


(1)                 رواه مسلم عن سفيان بن عبد الله .

 

 

     و التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، يقول الله ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) (1) أي يبصرون طريق المخرج من هذا الذنب ، فيتوبون و يستغفرون .

     إن الاستقامة شأنها عظيم ، فقد قرأ هذه الآية قوم ، ثم لم يستقيموا على العمل بها ، فتركوا فرائض الطاعات ، و انتهكوا الحدود والمحرمات ، و استباحوا أكل الربا ، و شرب المسكرات ، و صرفوا جل عقولهم و أعمالهم و اهتمامهم للعمل في دنياهم ، و إتباع شهوة بطونهم ، و فروجهم ، و تركوا فرائض ربهم ، و نسوا أمر آخرتهم ، فنهي الله المؤمنين أن يكونوا أمثالهم ، و مع هذه المخالفات ، يدعون بأنهم مسلمون ، و هم لم يستقيموا على صحة ما يدعون ، فإن الإسلام ، ليس هو محض التسمي به باللسان ، و الانتساب إليه بالعنوان ، و لكنه ما وقر في القلب ، و صدقته الأعمال .

     إن صراط الإسلام ــ أي طريق الإسلام ــ واحد ، من استقام عليه نجا ، و من تخلف عنه غرق ، و هو ما كان عليه رسول الله صلى الله و سلم و أصحابه ، و هو المراد بقوله تعالى ( هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) (2) . و هذه السبل التي حذر عنها هي بنيات الطريق التي تفضي بسالكها إلى الهلاك و التعويق . و قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته تفترق على ثلاث و سبعين فرق ، كلها في النار إلا واحدة ، قالوا و من هي يا رسول الله ؟ قال : « من كان على مثل ما أنا عليه اليوم و أصحابي » . فهذه الفرقة الناجية هي التي وفقت للاستقامة ، ففازت بالسلامة ، بخلاف سائر الفرق الضالة ، فإنها زاغت عن دينها ، و تنكبت طريق نبيها ، كما الكثيرون من المنتسبين للإسلام في خاصة الأمصار التي أفسد التفرنج تربيتها و عقائد أهلها ،


 


(1)                 201 ــ الأعراف .

(2)                 153 ــ الأنعام .

         

 

     فكانوا لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر . و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله من الربا و الزنا ، و شرب الخمر ، ولا يدينون دين الحق ، قد أضاعوا الصلاة ، و اتبعوا الشهوات ، و خرقوا سياج الشرائع ، و استخفوا بحرمات الدين ، و اتبعوا غير سبيل المؤمنين .

     و صار هؤلاء هم أضر على الإسلام و المسلمين من اليهود و النصارى ، من أجل أن الناس يغترون بهم ، و ينخدعون لأقوالهم ، و أعمالهم ، و عقائدهم ، فهم مرتدون ، و المرتد شر من الكافر الأصلي ، و لم يأمر الله على لسان نبيه بقتل المرتد عن دينه إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم  أخلاقهم ، فإن الأخلاق تتعادى ، و الطباع تتناقل ، والمرء على دين خليله وجليسه ، يقول الله  ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم و أملى لهم ) (1) . و لهذا نزلت التعزية من السماء عن أمثالهم بقوله : ( و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر أنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة و لهم عذاب عظيم (2) .

     إن الاستقامة شأنها عظيم ، و لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أسرع إليك الشيب . قال : « شيبني هود و أخواتها »  قالوا فما شيبك منها ؟ قال : شيبني قوله ( فاستقم كما أمرت من تاب معك ) (3)    

و عن ثوبان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « استقيموا و لن تحصوا ، و اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، و لا يحافظ على الوضوء إلا المؤمن » .

     إن بعض الناس يكون مسلما مستقيما في بداية عمره ، ثم يصاب بالانحراف في آخر عمره بسبب ولد ملحد ، أو جليس فاسق ، يقذف إليه بالشبه المضلة ،

 

(1)                 25 ــ محمد.

(2)                 176 ــ آل عمران .

(3)                 112ــ هود .

 

 

     و التشكيكات التي تزيغه عن معتقده الصحيح ، ثم تقوده إلى الإلحاد و التعطيل ، و الزيغ عن السواء السبيل ، فقد روى الإمام أحمد ، عن أبي سعيد ، مرفوعا : أن من الناس من يولد مؤمنا ، و يعيش مؤمنا ، و يموت كافرا ، كله من أجل استقامته في حياته ، و العمر بآخره ، و ملاك الأمر خواتمه .

     وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تكون فتن كقطع الليل المظلمة ، يصبح الرجل منها مؤمنا و يمسي كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ، و هذه الفتن ، إنما يراد بها الفتن في الدين ، و الفتنة أشد من القتل ، و نعوذ بالله من مضلات الفتن ، و الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ، و العقل الكامل عند حلول الشهوات .  

     و كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ في أدبار كل الصلوات ، من فتنة المحيا و الممات ، و يقول في دعائه على الجنازة : « اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام و السنة ، و من توفيته منا فتوفه على الإيمان » .

     نسأل الله سبحانه ، أن يعمنا و إياكم بعفوه ، و أن يسبغ علينا و عليكم واسع فضله ، و أن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، و أن يعيننا على ذكره ، وشكره ، و حسن عبادته .