![]() |
|
فضل حسن الجوار و كونه ينحصر
في بذل الندي و تحمل الأذى
الحمد لله الكريم الودود ، و نشكره و نسأله من فضله الممدود ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة إخلاصها
للدين عمود ، و أشهد أن محمداً عبده
ورسوله المخصوص بالمقام المحمود . أما بعد : فإن من حقوق الإسلام : الإحسان إلى
و الأيتام ، والجيران . وفي الصحيح . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر ، فيقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن
بالله و اليوم الآخر فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخرة فليكرم ضيفه » (1) . و قال : « ما
زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » (2) . و في حديث ابن مسعود . أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : « إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، و إن الله يعطي
الدنيا من يحب و من لا يحب ، و لا يعطي الدين إلا من يحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد
أحبه ، فو الذي نفسي بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه و لسانه ، و لا يؤمن حتى
يأمن جاره بوئقه ، و لا يكتسب عبد مالا من حرام فيبارك له فيه ، أو يتصدق به
فيتقبل منه ، أو يخلفه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ
بالسيئ ، و لكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث » (3) . و كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث النساء
المسلمات على الإحسان إلى الجيران ، و يقول : « يا
معشر نساء المسلمات ، لا تحرقن جارة لجارتها و لو فرسن شاة » (4) .
(1)
رواه البخاري
و مسلم عن أبي هريرة . (2)
رواه البخاري
و مسلم و الترمذي . (3)
رواه الإمام أحمد و غيره . (4)
رواه البخاري
و مسلم من حديث أبي هريرة . و قال لأبي ذر « يا أبا ذر إذا طبخت مرقا فأكثر مائها ، و تعاهد جيرانك » (1) . لأن جود الإنسان من موجوده ، فإذا لم يقدر على
الكثير ، لم يبخل بالقليل ، لكل مقام مقال . وقد سبق درهم من فقير مائة درهم من
غني . و كان الصحابة يحملون
على ظهورهم ، و يتصدقون بأجرتهم . و أفضل الصدقة جهد المقل . و أخبر النبي صلى
الله عليه وسلم بأن خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه ، و خير الجيران عند الله
خيرهم لجاره ، و حسن الجوار يكون ببذل الندي ، و يكون بتحمل الأذى . و كان العرب
في جاهليتهم يفتخرون بحسن الجوار ، و التفاني في حماية الجار ، كما قيل :
فهذا الشاعر يخبر عن كرم
هذا الشخص ، و حسن أخلاقه ، من إحسانه و إحصانه ، و احترامه لحرمة جاره ، و إنه
ينيل بيته أرفاده . أي كرمه و معروفه . و
النبي صلى الله عليه وسلم قال : « و الله لا يؤمن ، و الله لا يؤمن ، قيل من
يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه » (3) . و معني بوائقه غمشه ، وشره ، خيانته . فالذي ر يطمئن منه جاره ، ولا
يأمنه على بيته و أهله ، في حال غيبته حضرته ، ليس بمؤمن . لأن المؤمن هو من أمنه
الناس على دمائهم و أموالهم ، و نسائهم
، و خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال : « يا
معشر من أسلم بلسانه و لم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تؤذوا المسلمين ، و لا تتبعوا
عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه
المسلم تتبع الله عورته ، و من تتبع الله عوراته ، يفضحه و لو في جوف بيته » (4) .
(1)
رواه البخاري
و مسلم من حديث أبي هريرة . (2)
رواه مسلم من حديث أبي ذر . (3)
رواه أحمد
والبخاري و مسلم من حديث أبي هريرة . (4)
رواه الترمذي
و ابن حبان في صحيحه بلفظ ( يفضحه و لو في جوف رحله ) .
إن الناس متفاوتون ف
الأخلاق و الأعمال ، وفي حسن الجوار ، والأضرار بالجار ، لأن منهم التقي ، و منهم
الفاسق ، ومنهم الصالح ، و منهم الفاسد ولهذا يقال : الجار قبل الدار ، و الرفيق
قبل الطريق . و
انشدوا :
و كان النبي صلى الله
عليه وسلم يقول : « اللهم إني أعوذبك من جار السوء في دار الإقامة ، فإن جار
البادي يتحول » (1) . و أخبر أن من سعادة
الدنيا الجار الصالح ، والمرأة الصالحة ، والمسكن الواسع ، و من شقاوة الدنيا
الجار السوء ، والمرأة السوء ، والمسكن الضيق . جاء رجل إلى النبي صلى
الله عليه وسلم يشكو جاره ، فأمره أن يصبر على أذاه ، ثم جاءه مرة ثالثة . فقال : « اطرح متاعك في الطريق » (2) . فطرحه . فكان كل من مر به و سأل عنه ، سبه و لعنه فجاء إلى النبي صلى
الله عليه وسلم يعتذر من فعله ، فقال : « إن الله قد لعنك قبل
أن يلعنك الناس » (3) . و قيل للنبي صلى الله
عليه إن فلانة تذكر من صلاتها و صيامها إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها ،فقال « هي في النار» (4).
(1)
رواه ابن
حبان في صحيحه من حديث سعد ابن أبي وقاص . (2)
رواه أبو
داود و ابن حبان في صحيحه و الحاكم وقال صحيح علي شرط مسلم (3)
رواه أحمد و
البزار و ابن حبان في صحيحه و الحاكم و قال صحيح الإسناد . و لهذا قال الفقهاء أن جار
السوء عيب ترد به الدار شرعا ، وقد اضطر كثير من الناس إلى بيع دورهم الغالية في
نفوسهم ، من أجل أضرار جيرانهم ، و أنشد بعضهم :
نعم إنها بجيرانها تغلو
الديار و ترخص ، فشر الجيران ، من يتتبع العثرات و يتطلع على العورات ، إن رأى
حسنة سترها ، أو رأى سيئة نشرها ، والقرآن و السنة يحثان على التوادد و التواصل
بين الجيران ، فبدل الناس قولا غير الذي قيل لهم ، فكانوا يتعاملون بالإساءة ،
والقطيعة ، والهجران ، فالرجل لا يسلم على جاره ، والمرأة لا تسلم على جارتها ،
ولعل هذا التقاطع و الهجران على أثر نزاع بين النساء والصبيان ، و من الجفاء و عدم
الوفاء أن تهجر جارك من السلام ، بسبب أمر ليس له شأن ، فلا يجوز لمسلم أن يهجر
جاره فوق ثلاث ليال ، يلتقيان ، فيعرض هذا ، و يعرض هذا ، و خيرهما الذي يبدأ
بالسلام . فمن حق الجار على الجار : إذا لقيه أن يسلم عليه ، و إذا دعاه إلى طعام
أجاب دعوته ، و يعوده إذا مرض ، و يقضي حاجته من السوق إذا لم يستطع قضاؤها ؛ كشيخ
كبير ، كامرأة أرملة ، و نحوها ليكتسب بذلك الثناء الجميل ، والأجر الجزيل . و كان أبو بكر يحلب غنم
جيرانه ، حتى إذا ولي الخلافة و جاء ليحلبها منعوه من حلبها ، استبقاء له عن
المشقة ، ثم إن الجيران : إذا تزاوروا و تقاربوا ، تعاطفوا و تواصلوا . و إذا
تباعدوا تنافروا و تقاطعوا على حد ما قيل :
و
في الحديث « تهادوا تحابوا ، فإن الهدية تسل السخيمة ، و تذهب وحر الصدر » (1) . و الجيران ثلاثة،جار له حق ، و جار له حقان ،
و جار له ثلاثة حقوق . فأما الجار الذي له حق ، فهو الجار الكافر ، له حق الجوار ،
أن تحسن مجاورته ، وان تنيله من معروفك و إحسانك ، ولا تقل هذا كافر ليس فيه صدقة
، فإن في كل كبد رطبة صدقة ، و إذا خرجت الصدقة بنية خالصة ، فإنها تقع موقعها في
الصحة ، و الإجزاء :
و قد سأل الصحابة النبي
صلى الله عليه وسلم عن الصدقة على أقاربهم المشركين . فأنزل الله ( ليس عليك هداهم
ولكن الله يهدي من يشاء و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه
الله و ما تنفقوا من خير يوف إليكم ) (2) . فأمروا بالصدقة عليهم ، لأن دين الإسلام دين التسامح و التساهل ، فهو
يوجب للكفار حق الجوار . و كان ابن عمر يقول لأهله هلا أهديتم إلى جارتنا اليهودية
. و أما الجار الذي له حقان : فالجار المسلم له حق الجوار ، و حق الإسلام . و أما
الجار الذي له ثلاثة حقوق : فالجار المسلم الرحم . و إذا اجتمع داعيان من
الجيران كل واحد منهما يدعوك إلى الطعام فأجب الذي سبق ، وسألت عائشة النبي صلى
الله عليه وسلم و قالت : انه يكون عندي الطعام و أريد أن أهدي منه فعلى من أهدي ؟ فقال : على من هو أقرب
منك بابا .
(1)
البخاري في
الأدب المفرد و أبو يعلي بإسناد حسن
و عن أنس ورد بمعناه بلفظ تهادوا فان الهية تسل السخيمة رواه البزار بإسناد
ضعيف. (2)
272ــ البقرة
. و ورد أن الجار يتعلق
بجاره يوم القيامة و يقول :إن جاري ظلمني ، فيقول : يا رب . أني لم أظلمه في أهل و
لا مال ، فيقول : نعم . صدق يا رب ، و لكنه رآني أترك الطاعة فلم يأمرني ، و رآني
أرتكب المعصية ، فلم ينهني ، فصار على الجار الساكت عن جاره بحيث لم يأمره بالخير
، و لم ينهه عن الشر ، جريمة من ذنب جاره ، لأن المحسن شريك للمسيء ، إذا لم ينهه
، فإذا رأيت الجار يترك الصلاة ، وجب عليك أن تنصحه عن ترك الصلاة ، و تقول : إن
الصلاة عمود دين العبد ، و أمانة الرب ، وهي تكفر الخطايا ، تعين على الكسب ، و
على سعة الرزق ، أو رأيته مصرا على شيء من المنكرات ، وجب عليك أن تنصحه و تنهاه .
و لا يقولن أحدكم انه لن يرضي بنصيحتي ، أو انه سينقمنى على نصيحته ، فإن من التمس
رضي الله بسخط الناس ، رضي الله عنه ، و أرضى عنه الناس ، والمحب النافع ، هو من
يجرع صديق المر ليقيه من الوقوع في الضر ، ولا نجاة للإنسان من تبعة ذنب جاره ، أو
ولده ، إلا بأمره و نهيه ، فإذا أمره و نهاه ، ولم يمتثل ، فعند ذلك لا يضره ضلاله
و لا معصيته ، ويكون ذنبه على جنبه . و هذا معنى قوله : ( يا أيها الذين آمنوا
عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) (1) . فالاهتداء المشروط للنجاة ، هو أن تأمر بالخير
، و تنهى عن الشر ، و بعده لا يضرك من ضل ، إن الله سبحانه في كتابه ، وعلى لسان
نبيه ، شرع الصلاة جماعة لمصلحة التعارف ، و التألف بين المسلمين ، والتقارب بين قلوبهم ، بحيث إذا صلى معك
جارك في المسجد كل يوم و ليلة خمس مرات بحيث تسلم عليه إذا لقيته ، و يسلم عليك ،
و تسأل عنه إذا فقدته ، و يسأل عنك ، فإن هذه مدعاة للتوادد التآخي ، و إزالة الإحن
و الشحناء عن الجيران ، لهذا رأينا الذين تركوا هذه الفريضة ، فلم يصلوا مع الجماعة
، رأيناهم يمكثون السنة والسنتين متجاورين ولا يعرف أحدهم الآخر ،
(1)
105 ــ
المائدة .
فمن الخطاء كون المسلم
إذا وقع بينه و بين جاره شيء من النزاع أو الخلاف ن هجر المسجد الذي يصلي فيه
الجار، بغضا للجار . و هذا لا ينبغي أن يفعله ، لأن المسجد لله ، و أفضل ما يصلي
الإنسان في المسجد المجاور لبيته ، لأن صلاته فيه بمثابة عمارته ، و إنما يعمر
مساجد الله من آمن بالله . فأفيقوا من رقدتكم ، و
توبوا من زللكم ، و حافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .
|