![]() |
|
حديث " لا تحاسدوا ولا
تباغضوا و لا تدابروا 00 "
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين ، ونصلى ونسلم على نبينا
محمد سيد المرسلين . وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله . أما بعد : فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: وقال مالك ، عن أبي
الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم :« إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، و لا
تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ،
وكونوا عباد الله إخواناً» . رواه البخاري ،
ومسلم ، وأبو داود . إن هذا الحديث الشريف قد ورد
عن طرق متعددة ، وبألفاظ متنوعة ، وهو يعد من جوامع الكلم ؛ لأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعث بجوامع الكلم ، فكان يجمع الحكم الكثيرة ، في الكلمات القليلة. بدأ هذا الحديث بقوله: « إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث»
وهو بمعنى قوله سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن
إثم) (1) . فأخبر سبحانه إن بعض الظن إثم . ولما طاف النبي
صلى الله عليه وسلم بالكعبة قال : « ما أعظمك وأعظم حرمتك ، وأن
حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمتك ، ماله ، ودمه ، وألا يظن به إلا خيراً» . وروى الطبراني ، من حديث حارثة بن النعمان: أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « ثلاث لازمات أمتي ، الطيرة ، والحسد ، وسوء الظن.
فقال رجل: وما يذهبن يا رسول الله ؟ فقال: « إذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا
تحقق ، وإذا تطيرت فامض» . ولهذا قال أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب« لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شراً وأنت تجد لها
في الخير محملاً ، فإنما ينشأ سوء الظن من خبث النية وسوء السريرة». وقد قيل:
وفي القرآن الكريم ــ (
إن بعض الظن إثم ) (2) ــ ولم يقل إن كل الظن إثم ،
فقد يكون الظن صادقاً أو كاذباً ، ولا يلام عليه صاحبه ، لكونه بفعله قد عرض نفسه
للتهمة ، فقد قيل: « من مداخل التهم فلا يلومن من أساء به الظن » . ولما زارت صفية ــ زوجة رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ الرسول في
معتكفه ، و أرادت أن ترجع إلى بيتها . فقام معها رسول الله صلى الله عليه وسلم
يشيعها ، فأبصر رجلين قد أسرعا السير حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال
لهما :
« مهلا إنها صفية بنت حيي. تكلمي يا صفية» . فقالا: أتظن أن نظن بك شيئاً؟ فقال: نعم . إن الشيطان يجري من ابن آدم
مجرى الدم. وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا.
(1)
12 – الحجرات
. (2)
12 – الحجرات
. ثم قال: « ولا تجسسوا» . والتجسس هو بمعنى التحسس، وهو تتبع عورات
الناس وعثراتهم ، والحرص على العثور على ما ستروه من عوراتهم . ولهذا خطب النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: « يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى
قلبه وقد قيل:
ولما قيل لابن مسعود .
إن فلانا يوجد معه رائحة الخمر: فقال: « إنا نهينا عن التجسس
، وإن يظهر لنا شيء ، نأخذ به» . ثم قال: « و لا تحاسدوا» . فالحسد المذموم ، هو
الحرص على زوال النعمة عن المحسود ، بأن يسعى سعيه ، ويعمل عمله في محاولة زوال
النعمة عن هذا الرجل المسلم . فهذا هو الحسد الذي يأكل
الحسنات ، كما تأكل النار الحطب ، ونعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد. أما ما يجده الإنسان في
نفسه من تمنيه زوال النعمة عن عدوه بدون أن يعمل عمله ، أو يسعى سعيه، فهذا عفو،
لكونه من حديث النفس . وفي الحديث ــ« عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ـ «
إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (1). والحسد هو داء دوي ن
وخلق ردي ، يقدح في المروءة ، ولا يزال صاحبه حليف هموم، وأليف غموم، ولهذا
قالوا:ـ « إن الحسد داء منصف يعمل في الحاسد أكثر مما
يعمل في المحسود» . ولهذا قيل:
ثم قال:«
ولا تناجشوا» . فالنجش المنهي عنه هو ، أن يزيد في السلعة من
لا يريد شراءها ، إما نفع للبائع ، أو إضرار بالمشتري ، و الناجش خائن ، لكونه جمع بين ظلم نفسه ، أو
ظلم صاحب السلعة ، وظلم المشتري . « ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (2). ثم قال: « و لا تباغضوا» . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التباغض الذي ينجم عنه التدابر ، أي
الهجران ، و أخبر أن التباغض هو داء الأمم قبلنا . فقال: « دب
إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، حالقة الدين لا
حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى
تحابوا ، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم» (3).
(1)
رواه أبو
داود والبيقهي من حديث أبي هريرة . (2)
رواه البخاري
ومسلم عن أبي حمزة أنس بن مالك . (3)
رواه الإمام
أحمد في مسنده ومسلم والترمذي والضياء المقدسي عن الزبير بإسناد قال المنذري جيد . ولهذا قيل ثلاث يصفين لك ود أخيك : أن تسلم
عليه إذا لقيته ، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس ، ولا يحل
لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان ، فيعرض هذا ، ويعرض هذا وخيرهما الذي
يبدأ بالسلام ، وروى هجر الإنسان أخاه سنة كسفك دمه . ولهذا حث النبي صلى الله
عليه وسلم على السعي بالإصلاح بين المتباغضين ، والتقارب بين المتباعدين ، فقال: « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم ، والصلاة ؟ قالوا: بلي يا رسول الله .
قال: « إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» .
يقول الله ( لا خير في كثير من نجواكم إلا من أمر بصدقة ، أو معروف ، أو إصلاح بين
الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ) (1) . وقد شرعت الجماعة في الصلاة لمصلحة التقارب بين القلوب . ثم قال: « ولا يبع بعضكم عل بيع بعض» . ومعنى هذا النهي كون
الإنسان يتفق مع آخر في الثمن ، ثم يقوم آخر ويقول: أنا أبيعك بأقل من هذا الثمن ،
وهذا حرام ؛ لأن فيه إضرار بالبائع ، ومثله النهي عن السوم على سوم أخيه ، وذلك
بأن يتفق البائع والمشتري على الثمن ، ولم يبق سوى التسليم ، فيقوم رجل فيقول:
أزيدك على هذا الثمن ، يريد أن يتخلى عن البيع ؛ فهذا من السوم على السوم الذي هو
حرام . أما إذا وضعت السلعة للمزايدة ، وهذا يزيد ، والآخر يزيد ، فلا بأس بذلك .
ومثله الخطبة على خطبة أخيه، فمتى خطب شخص امرأة من أهلها ووافقوا على قبوله وهو
يعلم بذلك ، ثم يذهب فيخطب على خطبة الأول؛ فهذا حرام ؛ لأن فيه إضرارا بالخاطب ،
وقطعا لسبيل خطبته .
(1)
114 – النساء
. ثم قال: «
وكونوا عباد الله إخواناً . المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ولا يحقره» أي
ولهذا قال: «
بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله،
وعرضه» (2). وكان النبي صلى الله
عليه وسلم ينادي بهذه الكلمات في المجامع العظام ، كجمع يوم عرفة وغيره ، ويقول : « إن دمائكم ، وأموالكم ، عليكم حرام » (3). ويقول: « لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (4).
(1)
رواه أحمد في
مسنده وأبو داود والضياء عن جابر وأبي طلحة ابن سهل قال الهيتمي إسناد حيدث جابر
حسن . (2)
رواه مسلم عن
أبي هريرة . (3)
من خطبته صلى
الله عليه وسلم في حجة الوداع . (4)
من خطبته صلى
الله عليه وسلم في حجة الوداع . وكأنه في تحذيره يشاهد ما سيقع
في آخر الزمان ، من بدعة الاشتراكية الشيوعية ، التي استباح بها الزعماء سلب أموال
الأغنياء ، ثم أجلسوهم على حصير الفقر والفاقة ، بحجة الاشتراكية المبتدعة ، التي
ما أنزل الله بها من سلطان . وعلى أثرها وقع جميع الناس في أسوأ النتيجة ، وسوء
العاقبة ، حتى صارت الدولة فقيرة ، والناس فقراء ، وانقطع سبيل التبادل بالتجارة ،
وضعف الحرث والنسل ، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : « اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ، وأعوذ بك من الخيانة فإنها
بئست البطانة» (1) . فالجوع والفقر هما
خسارة ، والخيانة خسارة الآخرة . كما استعاذ بالله من المأثم والمغرم . وقال: « إن الرجل إذا غرم أثم ، حدث فكذب ، ووعد فأخلف» .
ففي المأثم خسارة الآخرة ، وفي المغرم خسارة الدنيا ، ومن قتل دون ماله فهو شهيد .
فلا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه . وفي الصحيح . أن النبي صلى الله عليه
وسلم . قال: « إنكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن
بحجته من بعض ، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً ، فإنما أقطع له قطعة من النار ،
فليستقل أو ليستكثر» (2) ــ رواه مسلم ــ يقول
الله ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من
أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) (3) . فانتبهوا من غفلتكم ،
وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وانتبهوا عما حرم عليكم، وأطيعوا الله
ورسوله إن كنتم مؤمنين.
(1)
رواه أبو
داود والنسائي وابن ماجة . وأما حديث " اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة ..
" فقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة . (2)
متفق عليه عن
أم سلمة بلفظ " إنما أنا مبشر وإنكم .. " . (3)
188 – البقرة
. |