الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

حديث " لا تحاسدوا ولا تباغضوا و لا تدابروا 00 "

 

      الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين ، ونصلى ونسلم على نبينا محمد سيد المرسلين . وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله .

     أما بعد :  فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبيع بعضكم على بيع بضع ، وكونوا عباد الله إخواناً ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، لا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى ها هنا ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات . بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام ، دمه ، وماله ، وعرضه» . رواه مسلم ــ

     وقال مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، و لا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً» . رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود .

      إن هذا الحديث الشريف  قد ورد عن طرق متعددة ، وبألفاظ متنوعة ، وهو يعد من جوامع الكلم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بجوامع الكلم ، فكان يجمع الحكم الكثيرة ، في الكلمات القليلة.

     بدأ هذا الحديث بقوله: « إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث» وهو بمعنى قوله سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم) (1) . فأخبر سبحانه إن بعض الظن إثم . ولما طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالكعبة قال : « ما أعظمك وأعظم حرمتك ، وأن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمتك ، ماله ، ودمه ، وألا يظن به إلا خيراً» . وروى الطبراني ، من حديث حارثة بن النعمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاث لازمات أمتي ، الطيرة ، والحسد ، وسوء الظن. فقال رجل: وما يذهبن يا رسول الله ؟ فقال: « إذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض» .

     ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب« لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً ، فإنما ينشأ سوء الظن من خبث النية وسوء السريرة».

     وقد قيل:

وصدق ما يعتاده من توهم

 

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

فأصبح في ليل من الشك مظلم

 

وعادى محبيه بقول عداته

 

     وفي القرآن الكريم ــ ( إن بعض الظن إثم ) (2) ــ ولم يقل إن كل الظن إثم ، فقد يكون الظن صادقاً أو كاذباً ، ولا يلام عليه صاحبه ، لكونه بفعله قد عرض نفسه للتهمة ، فقد قيل: « من مداخل التهم فلا يلومن من أساء به الظن » . ولما زارت صفية ــ زوجة رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ الرسول في معتكفه ، و أرادت أن ترجع إلى بيتها . فقام معها رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعها ، فأبصر رجلين قد أسرعا السير حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهما : « مهلا إنها صفية بنت حيي. تكلمي يا صفية» . فقالا: أتظن أن نظن بك شيئاً؟ فقال: نعم . إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا.


 


(1)                 12 – الحجرات .

(2)                 12 – الحجرات .

 

     ثم قال: « ولا تجسسوا» . والتجسس هو بمعنى التحسس، وهو تتبع عورات الناس وعثراتهم ، والحرص على العثور على ما ستروه من عوراتهم .

     ولهذا خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه
لا تؤذوا المسلمين. ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم ، تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته ، يفضحه ولو جوف بيته
» (1).

     وقد قيل:

فيكشف الله ستراً من مساويك

 

لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا

ولا تعب أحداً منهم بما فيك

 

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا

     ولما قيل لابن مسعود . إن فلانا يوجد معه رائحة الخمر: فقال: « إنا نهينا عن التجسس ، وإن يظهر لنا شيء ، نأخذ به» .

     ثم قال: « و لا تحاسدوا» . فالحسد المذموم ، هو الحرص على زوال النعمة عن المحسود ، بأن يسعى سعيه ، ويعمل عمله في محاولة زوال النعمة عن هذا الرجل المسلم .

     فهذا هو الحسد الذي يأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب ، ونعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد.

     أما ما يجده الإنسان في نفسه من تمنيه زوال النعمة عن عدوه بدون أن يعمل عمله ، أو يسعى سعيه، فهذا عفو، لكونه من حديث النفس .

     وفي الحديث ــ« عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ـ « إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» (1).

     والحسد هو داء دوي ن وخلق ردي ، يقدح في المروءة ، ولا يزال صاحبه حليف هموم، وأليف غموم، ولهذا قالوا:ـ « إن الحسد داء منصف يعمل في الحاسد أكثر مما يعمل في المحسود» .

     ولهذا قيل:

كفاك منه لهيب النار في كبده

 

دع الحسود وما يلقاه من كمده

وإن تركته عذبته بيده

 

إن لمت ذا حسد نفست كربته

     ثم قال:« ولا تناجشوا» . فالنجش المنهي عنه هو ، أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ، إما نفع للبائع ، أو  إضرار بالمشتري ، و الناجش خائن ، لكونه جمع بين ظلم نفسه ، أو ظلم صاحب السلعة ، وظلم المشتري .

     « ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (2).

     ثم قال: « و لا تباغضوا» . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التباغض الذي ينجم عنه التدابر ، أي الهجران ، و أخبر أن التباغض هو داء الأمم قبلنا . فقال: « دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم» (3).


 


(1)                 رواه أبو داود والبيقهي من حديث أبي هريرة .

(2)                 رواه البخاري ومسلم عن أبي حمزة أنس بن مالك .

(3)                 رواه الإمام أحمد في مسنده ومسلم والترمذي والضياء المقدسي عن الزبير بإسناد قال المنذري جيد .

 

     ولهذا قيل ثلاث يصفين لك ود أخيك : أن تسلم عليه إذا لقيته ، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان ، فيعرض هذا ، ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ، وروى هجر الإنسان أخاه سنة كسفك دمه . ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على السعي بالإصلاح بين المتباغضين ، والتقارب بين المتباعدين ، فقال: « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم ، والصلاة ؟ قالوا: بلي يا رسول الله . قال: « إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» . يقول الله ( لا خير في كثير من نجواكم إلا من أمر بصدقة ، أو معروف ، أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ) (1) . وقد شرعت الجماعة في الصلاة لمصلحة التقارب بين القلوب .

     ثم قال: « ولا يبع بعضكم عل بيع بعض» . ومعنى هذا النهي كون الإنسان يتفق مع آخر في الثمن ، ثم يقوم آخر ويقول: أنا أبيعك بأقل من هذا الثمن ، وهذا حرام ؛ لأن فيه إضرار بالبائع ، ومثله النهي عن السوم على سوم أخيه ، وذلك بأن يتفق البائع والمشتري على الثمن ، ولم يبق سوى التسليم ، فيقوم رجل فيقول: أزيدك على هذا الثمن ، يريد أن يتخلى عن البيع ؛ فهذا من السوم على السوم الذي هو حرام . أما إذا وضعت السلعة للمزايدة ، وهذا يزيد ، والآخر يزيد ، فلا بأس بذلك . ومثله الخطبة على خطبة أخيه، فمتى خطب شخص امرأة من أهلها ووافقوا على قبوله وهو يعلم بذلك ، ثم يذهب فيخطب على خطبة الأول؛ فهذا حرام ؛ لأن فيه إضرارا بالخاطب ، وقطعا لسبيل خطبته .


 


(1)                 114 – النساء .

 

     ثم قال: « وكونوا عباد الله إخواناً . المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ولا يحقره» أي
أن المسلم الحقيقي ، هو من سلم المسلمون من لسانه ويده ، كما أن المؤمن ، هو من أمنه الناس على دمائهم ، وأموالهم ، والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه ، فلا يظلم المسلم أخاه المسلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، ولا يخذله ، أو لا يحقره . ففي الحديث. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
: « ما من امرئ يخذل امرأ مسلماً في موطن ينتقص فيه عرضه ، وينتهك فيه من حرمته ، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته» (1) . وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه أو ينتهك فيه حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته . لكون هذا الذل والاحتقار للمسلم ، إنما ينشأ غالباً عن الكبر والزهو بالنفس ، والمتكبرون يحشرون يوم القيامة في صور الذر يطأهم الناس بأقدامهم ، لكونهم يتصورن الناس في أعينهم بمثابة الذر ، فجوزوا على عملهم بمثله .

فأنظر إلى ملك في زي مسكين

 

وإذا أردت شريف الناس كلهم

وذاك يصلح للدنيا وللدين

 

هذا الذي حسنت في الناس سيرته

     ولهذا قال: « بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» (2). وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي بهذه الكلمات في المجامع العظام ، كجمع يوم عرفة وغيره ، ويقول : « إن دمائكم ، وأموالكم ، عليكم حرام » (3). ويقول: « لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (4).


 


(1)                 رواه أحمد في مسنده وأبو داود والضياء عن جابر وأبي طلحة ابن سهل قال الهيتمي إسناد حيدث جابر حسن .

(2)                 رواه مسلم عن أبي هريرة .

(3)                 من خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .

(4)                 من خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .

 

وكأنه في تحذيره يشاهد ما سيقع في آخر الزمان ، من بدعة الاشتراكية الشيوعية ، التي استباح بها الزعماء سلب أموال الأغنياء ، ثم أجلسوهم على حصير الفقر والفاقة ، بحجة الاشتراكية المبتدعة ، التي ما أنزل الله بها من سلطان . وعلى أثرها وقع جميع الناس في أسوأ النتيجة ، وسوء العاقبة ، حتى صارت الدولة فقيرة ، والناس فقراء ، وانقطع سبيل التبادل بالتجارة ، وضعف الحرث والنسل ، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : « اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» (1) . فالجوع والفقر هما خسارة ، والخيانة خسارة الآخرة . كما استعاذ بالله من المأثم والمغرم . وقال: « إن الرجل إذا غرم أثم ، حدث فكذب ، ووعد فأخلف» . ففي المأثم خسارة الآخرة ، وفي المغرم خسارة الدنيا ، ومن قتل دون ماله فهو شهيد . فلا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه . وفي الصحيح . أن النبي صلى الله عليه وسلم . قال: « إنكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً ، فإنما أقطع له قطعة من النار ، فليستقل أو ليستكثر» (2) ــ رواه مسلم ــ يقول الله ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) (3) .

     فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وانتبهوا عما حرم عليكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.


 


(1)                 رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة . وأما حديث " اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة .. " فقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة .

(2)                 متفق عليه عن أم سلمة بلفظ " إنما أنا مبشر وإنكم .. " .

(3)                 188 – البقرة .