![]() |
|
حماية الدين والوطن
في منع أفلام الخلاعة والفتن
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين ، ونصلى ونسلم على رسول الله
سيد المرسلين ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، ومن همزات الشياطين
. وأشهد أن لا إله إلا الله . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . أما بعد : فإن نصوص الكتاب والسنة توجب على الأمة الإسلامية بأن يكون
منهم أمة صالحة ، يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، لأن
هذا هو سبب صلاح الناس وفلاحهم، قال تعالى ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (1) فعلق سبحانه فلاح الناس ، ونجاتهم ونجاحهم ،
بوجود جماعة مؤمنة ، يأمرون بالخير وينهون عن الفساد في الأرض . وأخبر سبحانه أن
هذا هو سنة الله في خلقه من لدن القرون السابقة ، وأنه ينجي الناس بوجود الرجال
المصلحين الذين يأمرون بالخير وينهون عن الشر ، ويسعون في البلاد بالإصلاح ، ومنع
الفساد . فقال تعالى ( فلو لا كان
من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً من أنجينا
منهم ، واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ) (2) . فأخبر سبحانه بأنه لو لا وجود رجال صالحين
مصلحين ينهون عن الفساد في الأرض ، لعم الناس الهلاك والبلاء
(1)
104 – آل
عمران . (2)
116 - هود . (3)
251 – البقرة
. واجب
على كل واحد بحسبه ، كوجوب الصلاة والصيام ، لأنه سنام الإسلام ، وقوام الدنيا
والدين وصلاح المخلوقين . وهو الآلف المألوف المؤمن من كل مخوف . به تألفت القلوب
، والتأمت الشعوب وشمل الصلاح ، واتصلت أسباب النجاح والفلاح ، وشمل الناس التعاطف
والتلاطف ، والتواصل و التناصح . فمن صفة المؤمنين ما
أخبر الله عنه بقوله : ( والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويقيمون الصلاة
ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ) (1) . فوصف الله المؤمنين بهذه
الصفات الحميدة ، والأفعال السديدة وبدأ منها بأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر
، لأن النهي عن المنكر هو مما يقلل فشوه وانتشاره . والشريعة الإسلامية جاءت بجلب
الخير وتكثيره، ودرء الشر وتقليله ، لكون المنكر إذا ترك بحاله ، ولم يقم أحد من
الناس بمنعه ودفعه ، فإنه يستشري في العباد والبلاد ، فيعم الفساد حتى يعمي ويصم ،
وإن العلماء والأوامر والرؤساء ، هم بمثابة المرابطين دون ثغر دينهم ووطنهم ،
يحمونه من دخول الفساد والإلحاد ، وما يعود بخراب البلاد وفساد أخلاق النساء
والأولاد . و لا يتصف بالقيام بهذا العمل ، وحماية الوطن؛ إلا خيار قولاً وعملاً .
يقول الله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ،
وتؤمنون بالله ) (2) . فهذه الخيرية الجليلة ، لا
تدرك إلا بهذه الأعمال الجميلة التي من جملتها الأمر بالخير ، والنهي عن الشر ،
فإذا لم يتصفوا بذلك ، ولم يوجد منهم من يقوم بهذا الفرض ، فإنهم يعدون من شر
الخلق والخليقة ، لأن من بطأ به عمله ، لم يسرع به نسبه ، وإنما دخل النقص على بني
إسرائيل بسببه .
(1)
71 – التوبة
. (2)
180 – آل
عمران . فمتى قصر هؤلاء بواجبهم ، ولم يقوموا بحماية
دينهم ووطنهم ، وتركوا الخمور تجلب إلى بلدهم، والحوانيت تفتح لبيعها ، وتركوا
الأفلام الخليعة ، والفواحش الشنيعة ، تنشر بينهم ، بحيث تغزوهم في عقر دورهم ،
بدون أن ينكروا منكرها ، وبدون أن يتناصحوا في شأنها ، ومنع ما يقبح منها ، وصار
جل أعمالهم وهو التلاؤم فيما بينهم ، فإن هذا العمل والسكوت عليه ، مؤذن بفتنة في
الأرض وفساد كبير. وهؤلاء الرؤساء يلاومون على سكوتهم، إذ لا نجاة لهم ولا للناس
إلا بأمرهم بالخير ، ونهيهم عن الشر. ثم إن عرض الأفلام الخليعة التي فيها النساء
العاريات ، يسبحن في البحار ، ويلاعبن الرجال ، باللمس والتقبيل والاضطجاع جميعاً
، وتشرب معه كأس الخمر ، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق والأعمال والفواحش المكشوفة ،
وفنون الخلاعة التي يشاهدها الصغار والكبار ، فإنها من الفواحش التي لا تبقى من
الأخلاق ولا تذر:
وكل هذه تعتبر بمثابة التمرين على هذه الأعمال
الشنيعة ، بحيث يتعلمها النساء والأولاد للعمل بها. فهي بمثابة الدروس التي تنطبع
محبتها في النفوس وتؤثر فيهم كتأثير خمر الكؤوس ، وباستمرار إدمان رؤيتهم لها ،
يزول منهم الحياء والغيرة والخلق الحسن . فلا يرونها منكراً ، لأن كثرة رؤية المنكرات
تقوم مقام ارتكابها ، في سلب القلوب نور التمييز والإنكار، لأن رؤية الفواحش والمنكرات
متى كثر على القلب ورودها ، وتكرر في العين شهودها ذهب استعظام قباحتها في القلوب
شيئاً فشيئاً ، إلى أن يراها الإنسان فلا يرى أنها منكرات ، و لا يمر بفكره أنها
معاصي . وذلك بسبب سلب القلوب نور التمييز والإنكار ، على حد ما قيل : « إذا كثر الإمساس قل الإحساس» . فنشر هذه الأفلام
الخليعة هي جرثومة الفساد ، وخراب البلاد ، وفساد العباد ، وخاصة النساء والأولاد
. وهي أشد وأشر من الزنا وشرب الخمر ، لكون الزاني لا يضر بفعله إلا نفسه ، وزناه
يقع في حالة الخفية ، والمعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها . أما إذا ظهرت ولم
تغير ، ضرت العامة بسكوتهم عنه ، كما ثبت بذلك الحديث ، أما هذه الأفلام الخليعة
فإنها تشتمل على تعميم نشر الفواحش الشنيعة ، والأعمال الفظيعة ، بين الخاص والعام
، والصغار والكبار ، وهي من الفتن تعرض على القلوب كالحصير عوداً عوداً ، حتى تجعل
القلوب منكوسة سوداً ، لا تعرف معروفاً ، ولا تنكر منكراً . فإذا أردتم أن تعرفوا
عظم مضارها ، وتأثيرها في الأخلاق والعقيدة والدين ، فانظروا إلى البلدان التي ضعف
فيها الإسلام ، واستباحوا الجهر بمنكرات الفواحش والعصيان ، ثم انظروا إليهم كيف
حالهم ؟ وما دخل عليهم من النقص والجهل والكفر؟ وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال؟
حتى صاروا بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات لا يعرفون صياماً ولا صلاة ، ولا
يعرفون معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، ولا يمتنعون عن قبيح ، ولا يهتدون إلى حق .
قد ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، وهذه من الفتن التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه
وسلم بأنه يرقق بعضها بعضاً ، كما في صحيح مسلم: عن أبن عمر قال: كنا مع النبي صلى
الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلاً ، فمنا من يصلح خباءه ، ومنا من يصلح جشره،
ومنا من ينتضل ، إذ نادي منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جماعة: قال:
فاجتمعنا. فقال: وقد يظن بعض الناس أن
هذه الفتن التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعها في آخر الزمان، والتي حذر
عنها أمته ، بأنها الحروب المشتعلة على الضرب بالبنادق والمدافع ، والقنابل
والسيوف والخناجر . وليس الأمر كذلك ، بل هي أشد وأشر من هذا كله ، وهي الفتن التي
تفسد الأخلاق والعقائد والأديان ، وتوقعهم في الافتنان ، لأن الفتنة أشد من القتل
، ولا أشد ، ولا أشر من الفتن التي تغزوا الناس في عقر دورهم ، وتفسد ذراريهم
ونسائهم ، كفتنة الأفلام الخليعة التي هي مشهد زور ، ومدرسة فجور، تطبع في نفوس
النساء والشباب محبة العشق ، والميل إلى الفجور ، بحيث تجعل القلب الخالي شجياً
تساوره الهموم و الغموم ، ويبتلي بالسهر وطول التفكير ، وحرمان لذة النوم ، فهي
بمثابة شرك الكيد ، وحبائل الصيد ، للقلوب الضعيفة من النساء اللاتي هن ناقصات عقل
ودين ، وقد وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكسرهن وسرعة ميولهن بالقوارير
، لأن رؤية ما فيها من الصور المتحركة المضطربة ، وسماع ما فيها من الغناء
والألحان المطربة ، وما يفعلونه من التعاشق والتعانق، كل هذا مما يضعف الإيمان ،
ويستدعي الميول إلى الفسوق والعصيان ، فيغرق الناس جميعاً في حضيض الذل والهوان ،
فتنقطع من بينهم روابط الزوجية الشرعية ، وتدنيهم من الإباحية المطلقة ، فمتى كان
القائمون ببث أفلامها الخليعة ممن لاحظ لهم في الأخلاق والدين ، ويحبون أن تشيع
الفواحش بين المسلمين ، فإنها تصير فتنة في الأرض وفسادا كبيرا . والدفع أيسر من
الرفع ، والوقاية أسهل من العلاج ، وإني أنصح المراقبين عليها بتقوى الله في عرض
ما ينفع ويجمل ويزين ، من الأخلاق الفاضلة ، والأعمال العالية وأن يتجنبوا عرض
منكرات الأخلاق الساقطة ، والأعمال السافلة ، كما يوجبه الدين والشرف والأمانة فإن
الله لا يحب الفحش ولا التفحش ، كما أنني أنصح الحكومة بنصب رقابة عدلية ، تمنع
نشر الفواحش الموحشة ، وتمنع نشر ما يقبح منظره ، وسوء مخبره ، كرامة للدين والوطن
، واستبقاء لحسن السمعة واتقاء الفتنة وأن الحكومة إن لم تقم بمنع ما يتوجب منعه
من الفواحش الموحشة ، والألحان الخليعة ، فإن الناس سيغرقون جميعا في فساد البلاد
، وفساد أخلاق النساء والأولاد ، ويصدق عليهم ما حذرهم منه نبيهم صلى الله عليه
وسلم . حيث قال: « مثل القائم في حدود الله ــ أي الذي يسعى في
دفع المنكرات وإزالتها ــ والواقع فيها ــ أي الذي يفعل المنكرات كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها
وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا
لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا ، هلكوا
جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم ، نجوا ونجوا جميعا» (1) . وهذا مثل مطابق للواقع ،
فإن الناس متى سكنوا عن نشر مثل هذه الأفلام الخليعة ، وتركوها تستطع في دورهم ،
من بين نسائهم وأولادهم فإن الفساد يعمهم ، ويصير ما يشاهدونه خلقاً لهم ، يشب
عليه صغيرهم ويهرم عليه كبيرهم . والرؤساء لا يعذرون أمام
الله ، ولا أمام الناس ، عن السكوت على مثل هذا ، لكن بعض الناس يعلل نفسه
بالأعذار الباردة ويقول هذا آخر زمن
(1)
رواه البخاري
والترمذي عن النعمان بن بشير . وهذا تيار جارف ، ويفعل مثله في بلد كذا وكذا
، وقد عاد الإسلام غريباً كما بدأ ، فاتخذوا هذا الحديث بمثابة التحذير والتفسير ،
يحاولون أن يسقطوا به ما وجب عليهم من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر والنصيحة
لله ولعباده المؤمنين ، ولأئمة المسلمين ، كأن الرسول ــ بزعمهم ــ قصد بهذا
الحديث الاستسلام لهذا الضعف . والغربة للدين ، بدون أن يسعى أحد بحوله وقوته ،
وبجده وجهاده لدفعه ورفعه وهذا خطأ واضح لفهم الحديث ، فإن رسول الله عليه الصلاة
والسلام ، إنما قصد به التمسك بالدين ، وعدم الاغترار بضعفه وغربته ، وإعراض الناس
عنه . فقد قال: : « بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدا
فطوبى للغرباء ، قالوا : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد
الناس ــ وفي رواية يصلحون ما أفسد الناس ــ وفي رواية هم قوم صالحون قليل ، في قوم سوء كثير»
فمثله في قوله هذا كمثل خريت الأسفار ، يخبر قومه بمفاوز الأقطار ، ومواضع الأخطار
، ليتأهبوا بالحزم ، وفعل أولي العزم ، من وسائل التعويض ويحترسوا بالدفع لقطاع
الطريق ، فمعنى الحديث: أنه يحث على التمسك بالدين عند ضعفه وغربته ، والسعي في
إصلاح ما أفسد الناس منه ، لأن هذا الضعف ، وهذه الغربة وصف عارض يقع في مكان دون
مكان ، وفي زمان دون زمان ، وقد يقع ثم يزول ، ويعود الدين إلى قوة وانتشار ، كما
اشتد ضعفه وغربته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وارتد العرب كلهم عنه ،
ولم يبق مسجد يصلى فيه إلا مسجد مكة والمدينة ومسجد بجواثي عبد القيس . وعلى أثر
هذا الضعف وهذه الغربة جاهد الصحابة حتى استعادوا قوة الدين ونشاطه وانتشاره ،
وثبت في الصحيح فانتبهوا من غفلتكم ،
وحافظوا على فرائض ربكم ، وتمسكوا بدينكم ، وأطيعوا الله ورسوله ، إن كنتم مؤمنين.
(1)
103 – يوسف . |