الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

الدين بمثابة الروح للإنسان

وضياعه من أكبر الخسران

 

      الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام . اللهم صل على محمد وعلي آله وأصحابه البررة الكرام .

     أما بعد :  فاعلموا رحمكم الله أن نعم الله على العباد كثيرة وأعظمها وأجلها الهداية إلى الإسلام ، والثبات عليه إلى الممات ففي الحديث قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافاً ، و قنعه الله بما آتاه . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول« اللهم احفظني بالإسلام قائماً ، واحفظني بالإسلام قاعداً ، واحفظني بالإسلام راقداً ، ولا تشمت بي عدواً ولا حاسداً» (1) . وكان يقول في دعاء القنوت « اللهم اهدني فيمن هديت» (2) .  ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (3) . فيفرح بذكره ، ويندفع إلى القيام بفرضه ونفله طيبة بذلك نفسه ، منشرحاً به صدره .

نشطت في مرادها الأجسام

 

وإذا حلت الهداية قلب شخص

     ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) (4) أي ضيقاً بذكر الإسلام ، حرجاً من أمره ونهيه  وفرائضه ونوافله ، وحلاله ، وحرامه وحدوده وأحكامه ، يتسمى بالإسلام بلسانه ، ويناقضه بجوارحه وأركانه حظه من الإسلام محض التسمي به ، والانتساب إليه ، بدون عمل به ، و لا انقياد لحكمه .


 


(1)                 من حديث رواه الحاكم عن أبن مسعود وغيره وصححه .

(2)                 من حديث رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما .

(3)                 125 – الأنعام .

(4)                 125 – الأنعام .

 

     وهذه حالة أكثر الناس في هذا الزمان ، يتسمون بالإسلام وهم منه بعداء ، أو ينتحلون حبه وهم له أعداء ، يعادون بنيه ، ويقوضون مبانيه ، وفيهم أنزل الله ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) (1) .

     وعقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإسلام قول باللسان ، واعتقاد بالجنان ، وعمل بالجوارح والأركان، لأنه ليس الإسلام محض التسمي به باللسان ن والانتساب إليه بالعنوان ولكنه ما وقر في القلب وصدقته الأعمال فاعملوا بإسلامكم تعرفوا به ، وادعوا الناس إليه ، تكونوا من خير أهله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الإسلام علانية ، والإيمان في القلب» ومعنى كون الإسلام علانية: أن المسلم على الحقيقة لا بد أن يظهر إسلامه علانية للناس بحيث يرونه يصلي مع المصلين ، ويصوم مع الصائمين ويؤدي زكاة ماله  إلى الفقراء والمسكين ، ويحب أهل الدين ، ويبغض الملحدين ، فيشهدون له بما ظهر لهم من عمله ، والناس شهداء الله في أرضه ، فالتكاليف على العمل بشرائع الإسلام على التمام ، هو الذي يوحد المسلمين ، ويؤلف بين قلوبهم ، ويصلح ذات بينهم ، ويجعلهم مستعدين للنصر على عدوهم كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : « إن الله قد أعزكم بالإسلام ، ومهما طلبتم العز في غيره يذلكم» .


 


(1)                 8-10- البقرة .

 

     إن الله سبحانه بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بدين كامل ، وشرع شامل ، صالح لكل زمان ومكان ، قد نظم حياة الناس أحسن نظام بالحكمة والمصلحة ، والعدل والإحسان ، وخطب الناس وقال:
« لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (1) وأخبر في الحديث الصحيح أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قالوا: وما هي يا رسول الله ؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي: فالمسلم العاقل لا يستغرب دين الإسلام لقلة المتمسكين ولا يستوحش طرق المساجد لقلة المصلين ، ولا يغتر بكثرة الهالكين التاركين للدين ، فإن الله يقول ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (2) . فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا أفسد الناس .

     وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح فيها الرجل مؤمناً ، ويمسي كافراً ، يبيع دينه بعرض من الدنيا . وهذه الفتن التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم ليست كما تتوهمون، من أنها الضرب بالمدافع أو البنادق أو القنابل أو السيوف والخناجر ، بل هي أشد وأشر من هذا كله ، وهي الفتنة في الدين ، لكون الفتنة في الدين أشد من القتل ، وهي الفتنة التي تزيغ الناس عن معتقدهم الصحيح ، ثم تقودهم إلى الإلحاد والتعطيل . يولد الرجل مؤمناً بين أبوين مؤمنين ، فيطرأ عليه الإلحاد ، وفساد الاعتقاد ، فينقلب على عقبيه ، ويرتد عن دينه ، ويصير فتنة على أهله وأقاربه وسائر من يجالسه ويقارنه فيقذف من بينهم التشكيكات والشبهات التي تزيغهم عن معتقدهم الصحيح ، فيكذب بالقرآن ، ويكذب بالرسول ، ويكذب بالبعث بعد الموت للحساب ، ويكذب بالجنة والنار، ويقول ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا .


 


(1)                 بعضه من رواية مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

(2)                 103 – يوسف .

     ونحو ذلك من سموم الإلحاد ، وجراثيم الفساد . وهؤلاء هم أكفر من اليهود والنصارى ، وضررهم على المسلمين أشد من ضرر اليهود والنصارى ، من أجل أن المسلمين يغترون بهم ، ولم يأمر الله على لسان نبيه بقتل التارك      لدينه ، المفارق لعقيدة جماعة المسلمين ؛ إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم أخلاقهم فإن الأخلاق تتعادى ، والطباع تتناقل ، والمرء على دين خليله وجليسه .

     إن الفتنة التي خافها النبي صلى الله عليه وسلم على أمته هي: الفتنة في الدين ، وهي انتشار المذاهب الهدامة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من مضلات الفتن ، ويقول في التحيات : « اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات » (1) ، لأن كل من فتن في حياته فإنه لا بد أن يفتن بعد وفاته .

     إنه إذا ساء الاعتقاد ، ساء العمل ، وإذا ساء العمل ، ساءت النتيجة . لقد رأينا هؤلاء الذين ارتدوا عن دينهم ، وضيعوا فرائض ربهم ، ونسوا أمر آخرتهم ، واعتنقوا المذاهب الهدامة ، من بعثية ، وشيوعية ، ولا دينية ، رأيناهم من أسوأ الناس حالا ، وأبينهم ضلالا ، وأشدهم إضطراباً وزلزالا وصاروا جديرين بزوال النعم ، والإلزام بالنقم ، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
( وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون )
(2) . لأن للمنكرات ثمرات ، وللمعاصي عقوبات ، ومن المشاهد المحسوس ؛ أنه ما ظهر الإلحاد والزندقة في بلد فكفر أهلها بالشريعة الإسلامية ، وتركوا الصلاة والصيام الفرضية ، وسائر الطاعات المرضية ، واستباحوا الربا ، والزنا ، وشرب الخمور الوبيئة إلا فتح عليهم الشر من كل باب وصب عليهم ربك سوط عذاب .


 


(1)                 من حديث طويل رواه الحاكم عن ابن مسعود وقال صحيح ، قال العراقي وليس كما قال .

(2)                 112 – النحل .

 

(واتقوا فتنة التي لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) (1) لأن دين الإسلام بمثابة سفينة نوح ، من لجأ إليه نجا ، ومن تخلف عنه غرق .

إذا ابتغوا السلامة من غناء

 

هو الإسلام ما للناس عنه

فبشر كل شعب الشقاء

 

إذا انصرفت شعوب الأرض عنه

     وليعتبر كل معتبر بالبلدان قوضت منها خيام الإسلام ، وترك أهلها فرائض الصلاة والصيام ، واستباحوا الجهر بالكفر والفسوق والعصيان ، كيف حال أهلها ، وما دخل عليهم من النقص والجهل والكفر ، وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال ، حتى صاروا بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات لا يعرفون صياماً ولا صلاة ، ولا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ولا يمتنعون من قبيح ، ولا يهتدون إلى حق ، قد ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثم لينظر العاقل إلى ضد هؤلاء من أهل البلدان الذين تمسك أهلها بالمحافظة على واجبات دينهم ، من الصلاة والزكاة ، والصيام ، وسائر شرائع الإسلام يجدهم أخذين بنصيب وافر من السعادة والرضاء ، والأمان والاطمئنان ، سالمين من الزعازع والافتنان لأن الله سبحانه قد وعد كل من اتبع هداه ، وعمل بطاعته. بأن لا يضل ولا يشقى في الدنيا .

     وقد توعد سبحانه كل من أعرض عن دينه وترك طاعة ربه ، ونسى أمر آخرته ، بأنه سيبتلى بالمعيشة الضنك في حياته ، ويحشر أعمى بعد وفاته ، قال تعالى ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى ، ونحشره يوم القيامة أعمى ) (2).


 


(1)                 25 – الأنفال .

(2)                 123 و 124 – طه .

 

فحشر هذا أعمى من أجل أنه كان في الدنيا أعمى عن عبادة ربه ، وعن الصلاة وسائر الطاعات ، والجزاء من جنس العمل . وكما تدين تدان .

     إن الإلحاد إذا سطا على قلب الأولاد طاش بهم عن مستواه بحيث يحملهم على الطفور والطغيان وعلى مجاوزة الحد ، في الكفر والفسوق والعصيان ، فأضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، وخرقوا سياج الشرائع واستخفوا بحرمات الدين ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين. فمتى رأينا من هذه صفته ، وجب علينا أن نسأل الله العافية من سوء حالته ، وأن لا نتبع أنفسنا أسفاً وحسرة عل سوء سيرته ، وفساد عقيدته ، بعد إقامة الحجة عليه فقد أنزل الله في كتابه التعزية والتسلية عن أعماله وأمثاله ، فقال تعالى (   ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة  ولهم عذاب عظيم ) (1) وقال:  ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ) (2) . إن أعداء الإسلام قد شوهوا سمعة الإسلام ، وألبسوه أثواباً من الزور والبهتان ، والتدليس والكتمان ، حيث وصفوه بأنه أغلال ، وأن شرائعه تكاليف شاقة ، وأنه لا يتلاءم الحكم به مع القرن العشرين ، ونحو ذلك من الأقوال الملفقة والناشئة عن الإلحاد والزندقة ، ولا عجب: فإنهم أعداء الإسلام ، وقد تحاملوا عليه بالطعن فيه ، وصد الناس عنه ، فهم كما قيل:

فماذا ترى فيك العدو يقول

 

صديقك لا يثني عليك بطائل

     إن زنادقة العرب ، قد تلقفوا هذه الكلمة من النصارى ، وأخذوا يبثونها بين الناس ، ليصدوا بها الناس عن الدين ، كالشيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ، فهم الدعاة على أبواب جهنم ، الذي من أجابهم قذفوه فيها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .


 


(1)                 176 – آل عمران .

(2)                 25 – محمد .

 

 

     إن أساطين المسلمين الفاتحين من الصحابة والتابعين ، ومثل ملوك بني أمية الفاتحين للأندلس ، ومثل نور الدين ، وعماد الدين ، وصلاح الدين ، إنما شاع لهم الذكر الجميل ، والثناء الحسن ، وكتب لهم العزة والتمكين في الأرض ، كله من أجل تمسكهم بالإسلام ، وعملهم به على التمام ، حيث جعلوا الكتاب والسنة لهم بمثابة الإمام ، فقادهم إلى الأمن والإيمان ، والسعادة والاطمئنان ، وعاشوا في ظله عافية واسعة ، ونعمة باسقة ، ذاقوا حلاوته حين طعموا ثمرته ، وقيد قيل: من ذاق عرف ، ومن حرم انحرف، وفي الحديث : « ذاق طعم الإيمان من رضي الله رباً وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً» (1) . ذلك بأنها لما انتشرت الفتوح الإسلامية ، وامتد سلطان المسلمين على الأقطار الأجنبية ، لم يقصروا نفوسهم على استلذاذ الترف ، ورخاء العيش ، تزويق الأبنية ، وجمع النقود ، بل عكفوا جادين على تمهيد قواعد الدين، وهدم قواعد الملحدين ، ونشر العلوم الإسلامية ، وتعميم اللغة العربية ، وفتح المحاكم الشرعية فاستنبطوا الأحكام ، وبينوا للناس الحلال والحرام ، وكشفوا عن قلوبهم سجوف البدع والضلال والأوهام فرقت حضارة الإسلام رقياً عظيماً لا يماثل ولا يضاهي ولا يضام ، فاختطفوا المدن ، و أنشأوا المساجد وأشادوا المكارم والمفاخر ، ونشروا العلوم والمعارف ، وأزالوا المنكرات والخبائث ، فأوجدوا حضارة نضر جمعت بين الدين والدنيا ، أسسوا قواعدها على الطاعة ، فدامت لهم بقوة الاستطاعة ، وغرسوا فيها الأعمال البارة ، فأينعت لهم بالأرزاق الدارة .


 


(1)                 رواه مسلم عن العباس .

 

     أمدهم الله بالمال والبنين ، وجعلهم أكثر أهل الأرض نفيراً ، وكانوا ممن قال الله فيهم ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) (1) .

     فأفيقوا من رقدتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، واستقيموا على الجادة وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .


 


(1)                 40-41 – الحج .