![]() |
|
الشكر و حقيقته و آثار بركته و حسن عاقبته
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، و بالعمل بطاعته تطيب
الحياة ، و تفيض الخيرات ، و تنزل البركات ، و أشهد أن لا إله إلا الله شهادة نرجو
بها النجاة ، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صاحب الآيات والمعجزات ، اللهم صل على
عبدك و رسولك محمد ، و على آله و أصحابه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد : ــ فإن الله سبحانه خلق الخلق
ليعبدوه ، وركب فيهم العقول ليعرفوه ، و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة و باطنة ليشكروه ،
والله يجازي كل من شكره بالمزيد ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم و لئن كفرتم
إن عذابي لشديد ) (1) فبالشكر تزيد
النعم و تدوم ، و بتركه تسلب و تزول ، فالشكر قيد النعم ، والمعاصي من أسباب حلول
النقم ، وأن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، و ليس الشكر مقصورا على قول أحدكم :
الشكر لله . فإن هذا الكلام لا نزال نسمعه من لسان كل إنسان ، ينطق به البر
والفاجر ، والجاحد والشاكر ، والله يقول ( و قليل من عبادي الشكور ) (2) . و إنما حقيقة الشكر :
الاعتراف بالنعمة باطنا ، والتحدث بها ظاهرا ، و صرفها في مرضاة وليها و مسديها .
فمن أنعم الله عليه بنعمة الغنى بالمال ، فعنوان شكره هو القيام بواجب حق الله فيه
، من أداء زكاته ، و من الصدقة منه ، والصلة لأقاربه ، والنفقة في وجوه البر
والخير ؛ الذي خلق لأجله فإن هذا هو حقيقة شكره المستلزم لنموه و بركته ، مع
النفقة منه على الأهل والعيال ، والتجمل منه بأنواع الزينة المباحة ، والمسكن ،
لأن هذا من النفقة بالمعروف ، والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، لأن الله
جميل يحب الجمال ، طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة .
(1)
7 ــ إبراهيم
. (2)
13 ــ سبأ. إن الناس مستخلفون في
الدنيا على أموالهم ، والله ناظر كيف يعملون فمن أخذ هذا المال من حله، وأدى منه
واجب حقه ، فنعم المعونة هو ، وكان له حسنات ورفع درجات في الجنات ، ومن أخذه من
غير حله ، ومنع منه واجب حقه ، كان كالذي يأكل و لا يشبع ، ويكون عذابا عليه في
الدنيا ، وعقاباً في الآخرة ، يقول الله ( ولا تعجبنك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا
) (1) . إنه ما أنفق أحد نفقة في
سبيل الزكاة ، والصدقة ، والصلة ، وسائر الأفعال الخيرية ، إلا أخلفها الله عليه
بأضعاف مضاعفة ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) (2) . فلو جربتم لعرفتم ، فقد قيل: « من ذاق عرف ، و من
حرم انحرف » وما بخل أحد بنفقة واجبة في سبيل الحق ؛ من
زكاة ، وصدقة ، وصلة ، إلا سلطه الشيطان على نفقة ما هو أكثر منها في سبيل الباطل
. فكسب المال من حله ، ثم
الجود بأداء واجب حقه ، يعد من مفاخر الدنيا ، وإنه لنعم الذخرى للأخرى فقد ذهب أهل
الدثور بالأجور والدرجات العلى ، ونعم المال الصالح للرجل الصالح ، فجميع ما أوجد
الله في الدنيا من الذهب ، والفضة ، والمعادن الجامدة والسيالة ، والبترول ،
والحيوانات ، والثمرات ، وسائر الفواكه ، والخيرات ، كل هذه خلقها الله كرامة
ونعمة للإنسان ، ليتنعم بها في حياته ، ويتمتع بها إلى ما هو خير منها لآخرته .
(1)
85 – التوبة
. (2)
39 – سبأ . يقول الله (كلوا من رزق ربكم
واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) (1) وقال (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل
عليه غضبي فقد هوى) (2) فأمر الله عباده
، بأن يأكلوا من طيبات ما رزقهم ، أي من الحلال ، ولا يطغوا فيه ، والطغيان: هو
مجاوزة الحد في السرف والترف ، والفسوق والعصيان ، وذلك بأن يستعينوا بنعم الله
على معاصيه ، أو يستعملوها في سبيل ما يسخطه ولا يرضيه ، فيحملهم الغنى بالمال على
الوقوع في الطغيان ، وصدق الله العظيم ( كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى إن إلى
ربك الرجعى) (3) . فكل ما تسمعونه في القرآن أو في الحديث ، من
ذم الدنيا ، أو ذم المال ، فإنما يراد به ذم أفعال بني آدم السيئة في المال ؛ لأن
أفعال الناس تقع غالباً على الأمر المكروه ، أو الحرام ؛ من أكلهم الربا، وشربهم
الخمور ، وتوسعهم في أعمال الشرور والفجور ، فالذم ينصرف إلى هذه الأعمال ، لا إلى
نفس المال وإذا قال الإنسان: لعن الله الدنيا: قلت الدنيا : لعن الله أ عصانا
لربه. لأن الله جعل الدنيا منحة لأقوام، ومحنة على آخرين ، وسعادة لأقوام ، وشقاوة
على آخرين ، وقد سمى الله المال خيرات . فالمال: هو من الزينة التي أخرجها الله لعباده
كرامة لهم ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين
آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) (4) .
(1)
15 – سبأ . (2)
8 – طه . (3)
6-8- العلق . (4)
33 – الأعراف
. فسمى الله المال زينة ،
لأنه يزين صاحبه في العيان ، ويجمله بين الأقران ، ويحفظه عن السقوط في الذل
والهوان وهو ترس المؤمن في آخر الزمان ، ولا يستغنى عنه في حال من الأحوال ، وأن
الكريم على الإخوان ، ذو المال :
مع العلم أنه لا غبطة ، بكثرة المال ، وإنما
الغبطة في استعمال المال فيما خلق له ، من صالح الأعمال كما قيل :
إنه ما بخل أحد بالزكاة الواجبة ، إلا عالجته
الحسرة والندامة قبل خروجه من الدنيا . وهنا قصة هي بمثابة العظة والعبرة ، وخير
الناس من وعظ بغيره . عاد الحسن البصري رجلا يدعى عبد الله بن
الأهتم ، وكان تاجراً لكنه شديد البخل فرآه يضطرب ويحوقل ، فقال ما هذا الاضطراب
معك ، أمن وجع تشتكيه ؟ فقال: لا والله : ولكنني أفكر في مائة دينار في زاوية هذه
الدار لم أود منها زكاة ، ولم أصل منها رحماً ولم أقم بواجب حق الله فيها ، وقد
عرفت أنني سأعذب بها ، فقال له ثكلتك أمك ، ولمن كنت تجمعها وتمنعها قال جمعتها
لروعة الزمان ، وجفوة السلطان ، ومكاثرة العشيرة ، ثم إنه قدر أن يموت من مرضه فشهد الحسن جنازته ، فلما أتى المقبرة
ألقى الموعظة على حسب عادته في نشر الحكمة والموعظة الحسنة . فقال: أنظر إلى هذا المسكين ، أتاه شيطانه
فخوفه روعة زمانه ، وجفوة سلطانه ، انظروا إليه خرج من الدنيا مذءوماً مدحوراً ،
لا خيراً قدمه ، ولا إثماً سلم منه ، ثم التفت إلى الوارث ، فقال: لا تخدعن كما
خدع صاحبك بالأمس، إن هذا المال أتاك حلالا ، فلا يكونن عليك وبالاً ، وأتاك عفواً
صفواً ممن كان جموعا منوعاً جمعه ، وعن حق منعه ، قطع فيه لجج البحار ، ومفاوز
القفاز ، لم تكدح لك فيه يمين ، ولم تعرق لك جبين ، واعلم أن يوم القيامة ذو حسرات
، وأكبر الناس حسرة رجل رأي ماله في ميزان غيره ، سعد به وارثه ، وشقي به جامعه ،
فيالها حسرة لا تزال ، وعثرة لا تقال . إن الناس عند استفادة الغنى على أقسام ، منهم
البخيل المقتر، ومنهم السفيه المبذر ، ومنهم الوسط المقتصد الغني الشاكر ، وخير
الأمور أوسطها . أما البخيل المقتر فهو التاجر الجموع المنوع
فهو الذي غمره الله بنعمته ، وفضله بالغنا على كثير من خلقه ، ثم يجمد قلبه على حب
ماله ، وتنقبض يده من أداء زكاته ، ومن الصدقة منه ، والصلة لأقاربه، والنفقة في
وجوه البر والخير الذي خلق لأجله . قد التاط قلبه بحب الدنيا ، فجعلها أكبر همه
وغاية قصده وصرف إليها جل عقله ، وجل عمله ، وجل اهتمامه ، وترك لأجلها فرائض ربه ، ونسى أمر آخرته،
و لم يزل ذاك دأبه ، حتى يخرج من الدنيا مذءوماً مدحوراً ، لا خير قدمه ، ولا إثما
سلم منه ، فيندم حيث لا ينفعه الندم ، ويقول يا ليتني قدمت لحياتي ، وربما كان
يحدث نفسه في حال فقره ، أن لو أغناه الله لأنفق وتصدق ، وأدى زكاة ماله ، فلما
حقق الله آماله ، وكثر ماله ، فر و نفر ، وبخل واستكبر ، فهذا بالحقيقة فقير لا
يؤجر على فقره ، قد أوقع نفسه في من مخافة الفقر ، فكان جموعا منوعا ، هلوعا
جزوعاً . فلا ينبغي أن يغبط مثل هذا بكثرة ماله ، مع العلم بفساد أعماله ، إذ هو
أخ قارون في كثرة ماله وفساد أعماله .
فمن رزقه الله من هذا المال رزقاً حسناً ،
فليبادر بأداء زكاته ، ولينفق منه سراً وعلنا ً حتى يكون أسعد الناس بماله . فإن مال الإنسان ما قدم ــ إن الله سبحانه قص
علينا في كتابه الكريم خبر من أنعم عليه بالغنى فشكر ، وخبر من أنعم عليه بالغنى
فطغى واستكبر ، فقال سبحانه في حق الغنى الشاكر ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن
ذكر الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار
ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ) (1) . أي من سعة الدنيا وبركتها .
قال البخاري ي صحيحه : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتجرون ولكنهم
إذا نابهم أمر من أمور الله ، أو حضرت فريضة من فرائض الله ، بادروا بأدائها إلى
الله ، ولم تلههم تجارة و لا بيع عن ذكره الله ، فحصلوا الحسنتين ، وفازوا
بالسعادتين ؛ سعادة الدنيا ، وسعادة الآخرة ، فكانت أعمالهم بارة ، وأرزاق الله
عليهم دارة ( أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) (2) . أما من أنعم الله بالغنى ، فطغى واستكبر ، فقد
قال الله في حقه: ( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من
الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون . فأعقبهم نفاقاً في
قلوبهم إلى يوم القيامة يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) (3) . إن هؤلاء في حالة فقرهم ، كانوا على جانب من الصلاح
والاستقامة ، ويحافظون على الصلوات في الجمع والجماعة ، وكانوا في فقرهم ، يعاهدون
ربهم أن لو أغناهم الله لأدوا زكاة أموالهم ، وأنفقوا وتصدقوا ، فما حقق الله
آمالهم وكثر مالهم ، فروا واستكبر، وبخلوا بما آتاهم الله من فضله ، فتركوا
الصلوات ، ومنعوا الزكاة فأنزل الله فيهم ما تسمعون ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم
المفلحون ) (4) .
(1)
37-38 –
النور . (2)
18 – الزمر . (3)
75-77 –
التوبة . (4)
16 – التغابن
. فالمال لا يكون سعادة في الحياة ، و لا حسنات بعد الوفاة ، إلا إذا سلك به
صاحبه مسلك الاعتدال ؛ بأن يأخذه من حله ، ويؤدي منه واجب حقه ، فيكون نعم المال
الصالح للرجل الصالح والتاجر الصدوق الأمين مع النبيين ، والصديقين والشهداء
والصالحين . أما السفيه المبذر ، فهو الذي أصاب من هذا المال جانباً كثيرا ، وعدداً
كثيراً ، ولكنه أساء التصرف في استعماله ، حيث حمله على الطفور والطغيان ، على
مجاوزة الحد في السرف والترف والفسوق والعصيان ، لم يزل تاركاً للصلاة ، عاكفاً
على اللذات ، وشرب المسكرات ، ينفق المال جزافاً في سبيل البذخ والشهوات ، والتفنن
في المأكولات ، والتأنق في المركوبات ، ولم يزل ذلك دأبه ، حتى يصبح صفر اليدين ،
مطوق العنق بالدين ، قد بدل نعمة الله كفراً ، وأحل بغناه دار البوار . ومن المشاهد بالاعتبار إن
المسرفين المبذرين يصابون بالفقر قبل أن يموتوا ؛ لأن إنفاقهم المال في سبيل الإسراف والتبذير ، وعدم حسن التدبير ؛
مؤذن بزواله ، ثم الوقوع في ضده ــ أي الفقر الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه
وسلم وقال: « اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ،
و أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» (1) . فما افتقر من اقتصد . فدين الإسلام ، هو دين تثمير الأموال وحفظها ،
وتوسعة التجارات من سبيل حلها ، ومنع الإسراف والتبذير لها .
(1)
رواه أبو
داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ، وضعفه بمحمد أبن عجلان ، وإنما خرج له
مسلم في الشواهد . يقول الله ( و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي
جعل الله لكم قياماً ) (1)
. أي
تقوم بها أبدانكم ، وتقوم بها بيوتكم ، ويقوم بها مجدكم . وشرفكم . والسفه: خفة في الرأي ، علامته كونه لا يحسن
تثمير ماله و لا توفيره . وقال ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر
تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً) (2) . فجعل المبذرين من إخوان
الشياطين ، دليلا على مهانته ، ومذلته ، ومذمته ، لأن الشياطين هم الذين يبطرون
نعمة الله ويشكرونها ( ومن يكن الشيطان له قريناً فساء له قريناً ) (3) . فلا تكونوا مثل هذا السفيه المبذر ، ولا مثل
ذاك البخيل المقتر ، وكن مثل الوسط المقتصد ، الغني الشاكر ، الذي آتاه الله
النعمة فعادت عليه بالسعادة والرحمة ، ساسها بالرأي والتدبير ، وصانها من الإسراف
والتبذير ، وعاد بأداء زكاتها بالصدقة منها على الفقير والمسكين ، وعلى الرحم
واليتيم ، فزكت نعمته ، وزادت وثبتت ودامت ، فكان عمله باراً ، ورزق الله عليه
داراً ( أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) (4) . أسأل الله : أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ
علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا رحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا على
ذكره وشكره وحسن عبادته .
(1)
5 – النساء . (2)
26-27 –
الإسراء . (3)
38 – النساء . (4)
111- الزمر . |