الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

العدل قوام الدنيا والدين و صلاح المخلوقين

 

      الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، و بالعمل بطاعته تطيب الحياة ، و تفيض الخيرات ، و تنزل البركات ، و أشهد أن لا إله إلا الله شهادة نرجو بها رفيع الدرجات ، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صاحب الآيات والمعجزات ، اللهم صل على عبدك و رسولك محمد ، و على آله و أصحابه أولي الهمم العاليات ، والأعمال الصالحات .

     أما بعد : ــ فإن الله سبحانه قد أوجب على عباده المؤمنين العمل بشرائع الدين ، و مراعات العدل في الأقوال والأعمال ، و في الحكم و القسم و الشهادات ، و في الأهل والمال والبنين ، يقول الله ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ــ أي بالعدل ــ شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين ) (1) . ( و لا يجرمنكم ــ أي و لا يحملنكم ــ شنآن قوم ــ أي عداوة قوم ــ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) (2) . وقال ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) (3) .

     العدل و ما أدراك ما العدل : هو قوام الدنيا والدين ، وصلاح المخلوقين و له وضعت الموازين ، و هو الآلف المألوف و المؤمن من كل مخوف ، به تألفت القلوب ، والتأمت الشعوب ، و شمل الصلاح ، واتصلت أسباب النجاح ، والفلاح ، و شمل الناس التواصل والتناصف ، والتعاطف والتلاطف . والعدل مأخوذ من العدل و الاستواء ، المجانف للجنف والجور و الالتواء .


 


(1)                 135 ــ النساء .

(2)                 8 ــ المائدة .

(3)                 152 ــ الأنعام .

 

 

     و حقيقة وضع الأمور في موضعها ، وأخذ الأموال من حلها ووضعها في محلها ، وأداء الحقوق إلى أهلها ، و إيتاء كل ذي حق حقه ، « إن المقسطين عند الله ــ أي العادلون  على منابر من نور عن يمين الرحمن و كلتا يديه يمين ــ الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم و ما ولوا » (1) . 

     و العدل : ــ و هو ضد الجور ، و نسمع من ألسنة الناس يقولون : فلان عدل ، سيرته حسنة ، يؤدي الحقوق ، و لا يظلم أحدا . و بضده يقولون : فلان مايل ، يأكل حقوق الناس ، و يتكبر عليهم . فهذه شهادة الناس عليهم . والناس شهداء الله في أرضه .

     العدل واجب على كل أحد بحسبه ، فعلى الحاكم من عبودية العدل : وجوب تنفيذ الحق و الإلزام به ، وردع الظالم ، و كف طمعه ، وإقناعه بحقه ، و إيقافه على حده ما ليس على غيره ، لأن الحاكم ظل الله في أرضه ، يأوي إليه كل مظلوم من عباده ( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) (2) و إذا اتصف الحاكم بالعدل ، ألزم النفوس طاعته ، والقلوب محبته ، و أشرق بنور عدله زمانه ، و كثر على عدوه أنصاره و أعوانه ، و ما أحسن ما قيل :  

و صرف الدهر عقد ثم حل

 

لكل ولاية لا بد عزل

مدى الأيام إحسان و عدل

 

و أحسن سيرة تبقى لوال

     و على القاضي من عبودية الحكم بالعدل ، والاجتهاد في إيصال الحق إلى مستحقه ، والصبر على أذى الناس فيه ، و فتح الأبواب ، و تسهيل الجناب ، و إزالة الحجاب ، و التكبير للجلوس للناس ، و احتساب راحتهم بقطع النزاع عنهم ، لأن ذلك من لوازم الحكم بالعدل ، وقد ذكر العلماء بأن الذين يتوسطون بالإصلاح بين المتنازعين ،


 


(1)                 رواه مسلم و غيره عن عبد الله بن عمرو بن العاصص .

(2)                 251 ــ البقرة .  

 

 

     والقسم بين المتشاركين ، بأنهم بمثابة القضاة ، بحيث أنه يجب عليهم العدل والمساواة في حكمهم و قسمهم ، سيما إذا كان في الورثة أيتام صغار ، ونساء ضعاف ، فإنه يجب العطف عليهم ، واللطف بهم ، و إنصافهم في قسمهم ، فالتوسط بالإصلاح والعدل بين المتعادين ، إزالة الإحن و الشحناء بين الأقارب المتباغضين ، هو من سنة الدين ، يقول الله : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس و من يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) (1) و النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة و الصدقة ؟ ــ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ــ لا أقول تحلق الشعر و لكن أقول تحلق الدين »(2).

     ومن لوازم القائم بالإصلاح بين المتنازعين بالعدل أن يردع الطامع في مجاوزة حده ، و طمعه في حق غيره ، فيصرح له بخطئه و اعتدائه ، فإن الصديق الحر ، هو من يجرع صديقه المر ، ليقيه من الوقوع في الضر ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : ــ « أنصر أخاك ظالما أو مظلوما : قالوا يا رسول الله ، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : تردع عن الظلم فذلك نصرك إياه » (3) .

     ومن العدل مراعاة الاعتدال في أداء الشهادة ، لأنها من الدين والأمانة والله يقول ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ) (4) . أي بالعدل و قال ( و أقيموا الشهادة لله (5) أي أدوا الشهادة مقومة معدلة بدون جنف ولا جور ،


 


(1)                 114 ــ النساء .

(2)                 رواه أحمد و أبو داود و الترمذي عن أبي الدرداء بإسناد صحيحه .

(3)                 رواه البخاري و مسلم و الترمذي عن أنس بن مالك . و لكن بلفظ : (( تأخذ فوق يده ))  .

(4)                 8 ــ المائدة .

(5)                 2 ــ الطلاق .

 

 

     و بدون زيادة و نقص ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للشاهد : « ترى الشمس ؟ قال : نعم . قال : على مثلها فأشهد أودع » و لأن أداء الشهادة كأداء فريضة الصلاة والصيام ، لا تقبل زيادة ولا نقصان.

و الكل لله عز و جل . و في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « عدلت الشهادة الزور الشرك بالله تعالى مرتين . ثم قرأ : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان و اجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ) (1) » (2) . و قال : « ألا أنبئكم بأكبر من الكبائر . قلنا بلى يا رسول الله فقال : ( الإشراك بالله ، و عقوق الوالدين ، و كان متكئا فجلس . فقال : ألا و قول الزور ، ألا و شهادة الزور زورا لكونها مزورة ، أي مكذوبة مزورة ، أو لكونها منحرفة عن طريق الحق والعدل ، وقد ظلم الشاهد بها نفسه ، و ظلم من شهد له و ظلم من شهد عليه ، وفي الصحيحين « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم  يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، و يمينه شهادته ، يبيع دينه بعرض من الدنيا » فأخبر في هذا الحديث ، عن استخفاف الناس بالشهادة ، إن قوما في آخر الزمان يستخفون بالشهادة ، يجئ أحدهم بمثابة أنه شاهد ، فيطيش به الهوى مع من يشهد له ، فيقوم فيصعد ، مقام المتخاصم المتحامل ، و أحيانا يشهد ، و أحيانا يحلف ، بدون أن يستحلف ، وهذا يسمى الشاهد المتحامل ، وقد أسقط العلماء من أجل عدم عدالته ، و أخسر الناس من باع آخرته بدنياه ، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره .

     ومن ذلك وجوب العدل بين الأهل ، ولم يبح الله التعدد في الزوجات إلا بشرط التزام العدل .


 


(1)                 30 ــ الحج .

(2)                 رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة ، و رواه الطبراني في الكبير موقوفا على ابن مسعود بإسناد حسن . وهو في رواية حزيم بن فاتك مرفوعا .

(3)                 رواه البخاري ومسلم والترمذي .

     يقول الله ( فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع ، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة )(1)

و قال ( و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ) (2) فأخبر الله أن العدل بين الزوجات في المحبة و توابعها متعذر ، لأنه من غير المستطاع . و كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لنسائه و يعدل و يقول « اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » (3) .

يعنى القلب و دواعيه . ولهذا نهى الله المؤمنين أن يميلوا كل الميل إلى إحدى الزوجات و يذروا الأخرى كالمعلقة ، لا هي ذات زوج ، ولا مطلقة ، كما يوجد كثير في أخلاق الذواقين . فواجب المسلم العادل أن يراعي العدل في القسم بين زوجاته في المبيت والمقيل . و في الكسوة والنفقة ، إلا أن تسقط إحداهن حقها باختيارها ، فقد وهبت سودة نوبتها و ليلتها لعائشة ، و ليس من واجب القسم المساواة بين الزوجات في النفقة ، فيجوز أن يخصص إحدى الزوجات بزيادة نفقته على حسب زيادات مصرفها في بيتها ، لكونها تقصد لالتماس الصدقة ، أو لأن لها عيالا ، و نحو ذلك . فهذا جائز ، و ليس من الجور في شيء ، حتى لو أعطاها عطية جزلة خارج النفقة فإن ذلك جائز .     

   و من الجور و عدم العدل كون بعض الناس متى استجد له امرأة ووقعت عنده بموقع المحبة والحظوة ، هجر امرأته القديمة و قلاها و آذاها ، و قطع صلته بها ، و مبيته عندها ، و قطع نفقته عليها و عياله منها ، بدون سبب يوجبه منها ، ولم يزل ذلك دأبه بها إلى أن يبلى شبابها . و هذا لا يجوز ، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان . و كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في المجامع العظام « اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، و استحللتم فروجهن بكلمة الله » (4) .


 


(1)                 3 ــ النساء .

(2)                 129 ــ النساء .

(3)                 رواه الإمام أحمد و أهل السنن عن عائشة .

(4)                 من خطبته صلى عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة .

 

 

     وكان يقول : « اتقوا الله في الضعيفين المرأة الأرملة والصبي اليتيم » (1) . و كان يقول : « خيركم خيركم لأهله  وأنا خيركم لأهلي » (2) .

     و أعظم من هذا و أظلم : الذي تزوج امرأة فوقع بغضها في نفسه ، و لم تحظ بمودته ، فأخذ يضارها و يضربها ، لتفتدي منه فترد عليه الذي دفعه لها . و هذا حرام . و لا يفعله إلا الأراذل اللئام . و ما يأخذه من المال منها فإنه حرام . وليس بحلا ل ، لأن الله يقول ( و إن أردتم استبدال زوج مكان زوج و آتيتم إحداهم قنطارا فلا تأخذوا منها شيئا أتأخذونه بهتانا و إثما مبينا . وكيف تأخذونه و قد أفضي بعضكم إلى بعض و أخذن منكم ميثاقا غليظا ) (3) بل إن الكرام متى تصرمت حبال مودتهم ، عزموا على فراق زوجاتهم ، متعوهن بشيء من المال ، و تحف الإكرام والاحترام ، ليجبروا بذلك صدع الفراق ، و مرارة الطلاق ( و للمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) (4) .

     ومن العدل وجوب التسوية بين الأولاد في العطية والوصية ، وكان السلف الصالح يراعون العدل بين الأولاد حتى في القبل ، وفي الصحيحين عن النعمان بن البشير : أن أباه نحله بعض ماله . فقالت أمه عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بي أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهده على صدقتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أ فعلت هذا بولدك كلهم ؟ قال : لا . قال : « اتقوا الله و اعدلوا بين أولادكم » (5) .


 


(1)                 رواه البيهقي في الشعب عن أنس بن مالك .

(2)                 رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها .

(3)                 20 ــ 21 ــ النساء .

(4)                 241 ــ البقرة .

(5)                 رواه مسلم .

 

 

     و في رواية لا تشهدني على جور . قال فرد أبي تلك العطية . يقول العلماء إن من شؤم هذا التخصيص وقوع العداوة والبغضاء في قلوب الاخوة على أبيهم ، و على أخيهم المخصوص بالعطاء دونهم ، ووقوع العداوة من بعضهم على بعض ، فينشأون متقاطعين متباغضين .

     فمن أراد أن يخلف لأولاده مشكلة يتقاطعون عليها الأرحام ، و يستمر فيها من بينهم النزاع والخصام ، فليخصص أحدهم بالهدية أو بوقف الوقف على أحدهم ، أو الأرض . ولم ينه الرسول الشارع عن هذا التخصيص إلا من أجل شؤمه ، وانتزاع بركته ، و سوء عاقبته .

     و من الناس من يحابى بماله البنين دون البنات ؛ ليحرمهن من حقهن . هذا أيضا يعد من الظلم ، و من الجنف والجور ، فإن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث . ولما قسم الله الميراث في سورة النساء ، و بين ما يخص كل واحد من الورثة ، قال بعد تقسيمه ( تلك حدود الله ومن يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و ذلك الفوز العظيم . و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين ) (1) . يفسره حديث « إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، و حدد حدودا فلا تعتدوها ،  وحرم أشياء فلا تنتهكوها » (2) . ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) (3) . ومن المشاهد بطريق الاعتبار أن المبرور بطريق الجور مضرور ، و أن المحروم من حقه مرحوم ، أي تسبق له الرحمة من الله ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله ) (4) . و ها هنا قضية هي لنا بمثابة العظة و العبرة . و خير الناس من وعظ بغيره .


 


(1)                 13ــ 14 ــ النساء .

(2)                 حديث حسن رواه الدارقطنى و غيره عن أبي ثعلبة الخشني .

(3)                 135 ــ النساء .

(4)                 11 ــ النساء.

 

 

     و ذلك أن عبد الملك بن مروان خلف لعياله مالا كثيرا ، يكفيهم لنفقتهم نهاية أعمارهم ، و زادهم رضخا في المال ليقيهم من الوقوع في الفقر . أما عمر بن عبد العزيز فإنه لم يخلف لأهله سوى سبعين دينارا ، و قيل له أوصي لعيالك . فقال : لا : إن عيالي أحد رجلين : إما رجل تقي ، ( و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب ) (1) . و إما ولد فاجر ، ولا أريد أن أعين الفاجر على فجوره بشيء من المال . فتوفي رحمه الله عن غير مال . فدار الدهر بدورته . قال الراوي : فلقد رأيت عيال عمر بن عبد العزيز ، يتصدقون على عيال عبد الملك بن مروان ، و لقد رأيت أحد عيال عمر بن عبد العزيز يحمل مائة فرس في سبيل الله . فاحفظ الله يحفظك في دينك و أهلك و عيالك . و في الحديث « من أحب أن يحفظ في عقبه و عقب عقبه ، فليتق الله » .    

     فأفيقوا من رقدتكم ، وتوبوا من زللكم ، و حافظوا على فرائض ربكم ، و أطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين .