الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

الجهاد في سبيل الله وفضل النفقة فيه

 

      الحمد لله ، و نستعين بالله ، و لا حول ولا قوة إلا بالله ، و نصلى و نسلم على رسول الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله  ، و أشهد أن محمدا رسول الله .

      أما بعد : فإن من حكمة أحكم الحاكمين : أن أوجب على عباده المؤمنين جهاد الكفار و المنافقين ؛ ليمتحن بذلك صحة إيمان المدعيين ، و ليعلم الكل علم اليقين : أن الدنيا دار بلاء و امتحان ، و العاقبة للمتقين ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم و لكن ليبلو بعضكم ببعض ) (1) . ( و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين ) (2) . و الجهاد هو سنام الإسلام ؛ لأن الدين رأسه الإسلام ، و عموده الصلاة ، و ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ، والجهاد يكون بالحجة والبيان ، و يكون بالقوة والرجال ، ويكون بالمال . و لكل مقام مقال . لأن الجهاد مأخوذ من بذل الجهد و الطاقة في إعلاء كلمة الحق ، و نصر دينه ، والذود عن حدود المسلمين و حقوقهم و حرماتهم . والمسلم يجاهد بسيفه و لسانه و ماله ، كما في الحديث  ، أن النبي صلى الله علي و سلم قال : « جاهدوا المشركين بأموالكم و أنفسكم و ألسنتكم » (3) .  

     و أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ــ: « بأنه ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا سلط الله عليهم ذلا لا ينزع حتى يراجعوا دينهم » (4) .

     و في القرآن و السنة تكرار فضل الجهاد والمجاهدين . وأخبر الله في كتابه الحكيم ،


 


(1)                 4 ــ محمد .

(2)                 31 ــ محمد .

(3)                  رواه الإمام أحمد و أبو داود و النسأي و ابن حبان و الحاكم عن أنس و قال صحيح و أقروه .

(4)                 من حديث ابن عمر .

 

 

     بأن الجهاد هو التجارة الرابحة في الأجر ، كما أنه من أسباب العز و النصر ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . ـــ إلى قوله ـــ و أخرى تحبونها نصر من الله و فتح قريب ) (1) .

     إن السلف الصالحين من الصحابة و التابعين ، لما سمعوا آيات الجهاد تتلى عليهم قالوا : ( سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا ) (2) . فساحت أيديهم بالنداء ، و سمحت نفوسهم بالفداء ، فمنهم البائع لنفسه و منهم الباذل لماله ، حمية دينية و نخوة عربية ، لعلمهم ( أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ) (3) . فمن أخبارهم الشهيرة ، ومآثرهم المنيرة : أن رجلا من الصحابة ، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أ رأيت إن قاتلت و قتلت صابرا محتسبا ماذا أكون ،  قال في الجنة . و كان في يدو كسرة تمرة ، فقال : والله لإن بقيت حتى آكل هذه الكسرة إنها لحياة طويلة ، ثم رمى بها ، و هز سيفه ، و أقبل يرتجز و يقول :

إلا التقى و عمل المعاد

 

ركضا إلى الله بغير زاد

إن التقى من أفضل المزاد

 

والصبر في الله على الجهاد

فقاتل حتى قتل ــ رضى الله عنه ــ .

     ثم إن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ حثهم على الجهاد في سبيل الله في غزوة العسرة ، و كانت زمن جهد و مجاعة ، فقال عثمان بن عفان ــ رضى الله عنه ــ على بمائة بعير بأحلاسها و أقتابها ، ثم حثهم أخرى فقال عثمان :


 


(1)                 10 ــ 13 ــ الصف .

(2)                 285 ــ البقرة .

(3)                 من 111 ــ التوبة .

 

 

 على مائة بعير بأحلاسها و أقتابها ، ثم حثهم أخرى ، فقال عثمان : على مائة بعير بأحلاسها و أقتابها ، ثم جاء بصرة دنانير كادت كفه تعجز عنها فوضعها بين يدي رسول الله صلى عليه وسلم ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها و يقول : « ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ، غفر الله لك يا عثمان ما قدمت و ما أخرت » .  

     و قدمت عير من الشام لعبد الرحمن بن عوف تقدر بسبعمائة بعير ، تحمل طعاما و ثيابا و أدما ، فتصدق بها كلها في سبيل الله .

     فبالله قل لي : كيف عاقبة أمرهما بعد هذا الإنفاق الطائل ، أجبك بأنهما توفيا و هم أحسن الناس حالا و أحسن الناس مالا ، وتصدق عمر بشطر ماله .

     إن الله سبحانه قد ضمن للمؤمنين المجاهدين ، فقال : ( إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد ) (1) ، و قال : ( و كان حقا علينا نصر المؤمنين ) (2) . فهذا النصر المضمون للمؤمنين ، هو مشروط بنصرهم لدين الله و حمايته ، والذود عن حدود المسلمين ، و حقوقهم و حرماتهم ، و أن يجاهدوا أنفسهم على القيام بواجبات دينهم ، قبل أن يجاهدوا عدوهم ، حتى يكون الله وليهم و ناصرهم ، والمعين لهم على عدوهم . ( إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ) (3) . و لا بد مع هذا من الأخذ بأسباب الوسائل من الحزم و الحذر ، و الاستعداد بالقوة ، كما أرشد إليه الكتاب العزيز في قوله ( خذوا حذركم ) (4) .


 


(1)                 51 ــ غافر .

(2)                 47 ــ الروم .

(3)                 7 ــ محمد .

(4)                 71 ــ النساء .

 

 

     ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ( 1) . و القوة تختلف باختلاف الأحوال والأزمان ، و لكل زمان دولة و قوة و رجال تناسب حالة القتال .

     أما إذا تخلف عملهم عن واجبات دينهم ، أو لم يستعدوا بالحزم و القوة لجهاد عدوهم ، فإنه يتخلف عنهم هذا النصر المضمون لهم ، لأن ذنوب الجيش جند عليه ، و الاتكال على الإيمان بدون عمل يعتبر عجزا و مخالفة لأمر الله و رسوله .

     لهذا ، يجب التفكير في سبب تخلف هذا النصر عن المؤمنين طيلة هذه السنين في قوله ( و كان حقا علينا نصر المؤمنين )(2) . و لن يخلف الله وعده ، و إن تخلف هذا النصر إنما هو من أجل تخلف إصلاح الأحوال و الأعمال ، فتسلط الأعداء عليهم في حال تقصيرهم بواجبات دينهم ،و عدم استعدادهم بالقوة لمجابهة عدوهم ( ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ) (3) .

     إن الشيء بالشيء يذكر ، والدنيا كلها عبر .

     إنه لما كانت واقعة بدر ، و كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة ، و في حالة ضعف و ذلة ، و أقبل المشركون بخيلهم و خيلائهم و هم محدقون بالسلاح التام ؛ يريدون أن يستأصلوا شأفة  رسول الله وأصحابه ، و أن يبيدوا خضرائهم ، فصف الله رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ المقاتلة ، ثم قام يدعو و يتضرع إلى ربه حتى سقط رداءه من طول قيامه للدعاء ، فلما التقى الجمعان ، أنزل الله النصر على نبيه وأصحابه ، فقتلوا سبعين من عظماء المشركين ، و أسروا سبعين ، وضربوا عليهم الفداء .


 


(1)                 60 ــ الأنفال .

(2)                 47 ـ الروم .

(3)                 79 ــ النساء .

    

 

 

     و بعد هذا النصر والظفر ، دخل في قلوب الصحابة شيء من قوة الإيمان بالله ، والتوكل عليه و ظنوا أنهم لن يغلبوا أبدا ؛ من أجل إيمانهم ، وكونهم حزب رسول الله صلى الله عليه وسلم و يقاتلون في سبيل الله ، مما جعلهم يكسلون عن الاحتفال بالأسباب ، و أخذ الحذر ، والاحتفاظ عن غوائل عدوهم .

     و في واقعة أحد ، صف رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلة في مصافهم ، و أمر عبد الله بن جبير على سرية ، و جعلهم في فم الشعب . و قال: « أحموا ظهورنا و لا تبرحوا مكانكم حتى لو رأيتم الطير تخطفنا ، فلا تنصرونا ، أو رأيتمونا ، نغنم فلا تشركونا » ، و كانت الغلبة للنبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه أول النهار ، حتى كسروا تسعة ألوية للمشركين ، و انهزم المشركون ، وجعل السلاح ، والمتاع يتساقط منهم ، والناس يحوزونه ، فقال أصحاب عبد الله بن جبير بعضهم لبعض : الغنيمة . الغنيمة ، فذكرهم أميرهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصوه ، وأخلوا مركزهم ، فدخلت خيل المشركين من جهته ، فقتلوا سبعين من الصحابة ن و شجوا رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و كسروا رباعيته ، و دلوه في حفرة ظنوه ميتا ، و صرخ الشيطان : قتل محمد .

     و بعد هذه الهزيمة ، أخذ الصحابة يتفكرون في سببها ، و قد عرفوا أنها إنما حصلت عليهم ، بسبب ذنب اقترفوه في إخلاء مركزهم ؛ الذي أمروا بحفظه ، وأنزل الله ، كالتأنيب و التأديب ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم (1) ، أي بسبب تقصيركم بواجبكم .

     فهذه الكبوة ، و ما حصل على أثرها من النكبة ، قد أورثت الصحابة شيء من الحزم ،


 


(1)                 165 ــ آل عمران .

 

 

     و فعل أولى العزم ، من أخذ الحذر ، والاستعداد بالقوة ، و استعمال وسائل الكيد لعدوهم ، مما جعلهم يتوصلون إلى ما تحصلوا عليه ، من فتح مشارق الأرض و مغاربها .

     و لما انتشرت فتوحهم الإسلامية ، وامتد سلطان المسلمين على الأقطار الأجنبية ، لم يقصروا نفوسهم على استلذاذ الترف ، و رخاء العيش ، و تزويق الأبنية فحسب ، بل عكفوا جادين على تمهيد قواعد الدين ، و هدم قواعد المبطلين ، و نشر الأحكام الشرعية ، و تعميم اللغة العربية ، فاختطوا المدن ، و أنشئوا المساجد ، و أشادوا المكارم و المفاخر ، و أزالوا المنكرات و الخبائث ، فأوجدوا حضارة نضرة ، جمعت بين الدين و الدنيا . أسسوا قواعدها على الطاعة ، فدامت لهم بقوة الاستطاعة ، و غرسوا فينا الأعمال البارة ، فأينعت لهم بالأرزاق الدارة ، فكانوا ممن قال الله فيهم : ( و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) (1)  فمن قام بالله عز ، ومن كان مع الله ، كان الله معه .

     إن المصارعة بين الحق و الباطل ، والمقاتلة بين المسلمين والكفار ، لا تزال قائمة و موجودة من لدن خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، و حتى يقاتل آخر هذه الأمة الدجال ( كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى أن تكرهوا شيئا و خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و انتم لا تعلمون ) (2) . و يترتب على هذه الحروب حكم و مصالح لا يعلم غايتها إلا الله الذي قدر سببها ( و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) (3) .


 


(1)                 40 ــ 41 ــ الحج .

(2)                 216 ــ البقرة .

(3)                 25 ــ البقرة .

    

 

     فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق ادالة مستمرة ، أو ظن أن الله يديل اليهود على المسلمين ادالة مستمرة ، فقد ظن بالله ظن السوء ، لكن الله سبحانه يؤدب عباده، فإذا عصاه من يعرفه ، سلط عليه من لا يعرفه . و الباطل لا تقوى شوكته ، و لا تعظم صولته ، إلا في حال رقدة الحق عنه ، و غفلته منه ، فإذا انتبه له هزمه بإذن الله ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون ) (1) . غير أن للباطل صولة ، نعوذ بالله من شرها ، لكن عاقبتها الذهاب و الاضمحلال ، و قد قال الله : ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين ) (2) . أي يخوفوكم بأوليائه ، و يعظمهم في نفوسكم ، ومن هذا التخويف ما وقع في قلوب أكثر الناس من شدة خوفهم من اليهود ، و تعظيمهم في نفوسهم و ألسنتهم ، حتى ظنوا أنهم لن يغلبوا أبدا من شدة كيدهم و مكرهم ، و توفر وسائل القوة لديهم و قد غزوا قلوب الناس بالرعب و الرهب منهم ، و نسوا أن الله سبحانه قد وعد عباده المؤمنين بالنصر عليهم ، فقال تعالى : ( لن يضروك إلا أذى و إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) (3) و نسوا قول الله تعالى (و إذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) (4) وصدق الله العظيم ، فإن هذا العذاب الذي وعدهم الله بأن يساموا به ، و ضربة لازب في حقهم ، لا يفارقهم ، ولا يزال ملازما لهم ، كما هو الواقع بهم الآن بأيدي المسلمين ، وما سيقع بهم إلى يوم القيامة أكثر و أعظم ( سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق )(5) .


 


(1)                 18 ــ الأنبياء .

(2)                 175 ــ آل عمران . 

(3)                 111 ــ آل عمران .

(4)                 167 ــ الأعراف .

(5)                 53 ــ فصلت .

 

 

     إن هذا الطفور و الطغيان ، و مجاوزة الحد في الفتك و السفك والعدوان ، الواقع من اليهود على العرب المسلمين طيلة هذه السنين ، حتى أخرجوهم من ديارهم و مساكنهم إلى الصحراء ، و استولوا عليها قسرا و قهرا ، و أخذوا يسومونهم سوء العذاب ، من القتل و التضييق والإرهاق ، حتى بلغ الأمر بهم إلى أشد الاختناق ، و إلى حد ما لا يطاق ، حتى لقد أنكر أمرهم و بغيهم و طغيانهم جميع دول العالم ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) (1) .

     وقد عرف العقلاء أن هذا التغلب والاستيلاء من اليهود ؛ إنما حصل بسبب ذنب من المسلمين اقترفوه ، و ذلك حينما ضعف عملهم بالإسلام ، و ساء اعتقادهم فيه ، و صار فيهم المنافقون يدعون إلى نبذه ، و إلى عدم التقيد بفرضه و نفله ، وعلى أثره حصل الاختلاف بين الحكام و الزعماء نتيجة الاختلاف في النزعات والأهواء ، فتقطعت وحدة جماعة المسلمين إربا و أوصالا ، و صاروا شيعا و أحزابا ، ففشي من بينهم الفوضى و الشقاق ، و قامت الفتن على القدم و ساق ، يقتل بعضهم بعضا ، و يسبي بعضهم أموال بعض بحجة الاشتراكية المبتدعة ، التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وبسبب هذا الاختلاف ، حصل الاعتلال و الاختلال .

     و هي فرصة سنح للعدو فيها المواثبة ، فقويت شوكته ، وعظمت صولته ، و تسلط على العرب المسلمين بجبروته و قوته ، حتى أخذ الناس يقولون ( متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) (2).

     وبسب هذه الحوادث و النكبات ، و ما نجم عنها الكبوات ، و النكبات ، حصل رجوع الكثير من الناس إلى ربهم .


 


(1)                 39 ــ 40 ــ  الحج .

(2)                 214ــ البقرة .

     والقيام بواجبات دينهم ، من صلاتهم و صيامهم ، فعملوا أعمالهم في إصلاح أعمالهم ، رجاء أن يصلح الله أحوالهم ، لعلمهم أنه ما نزل بهم بلاء إلا بذنب .

     كما حصل التقارب بين قلوب حكام المسلمين و زعماءهم ، و إزالة الإحن و الشحناء من بينهم ، فتكاتفوا ، و تساعدوا ، و تعاضدوا على قتال عدوهم ، لأن المؤمنين ( بعضهم أولياء بعض )(1) أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم )(2)

     و هذا الرجوع إلى الله ، وما يتبعه من التعاضد و التساعد في القتال في سبيل الله ، هو مؤذن و مبشر بنصر الله و فتح قريب إنشاء الله ، كما أنه مؤذن و مبشر بانتهاء نصر اليهود ، واقتراب مصرعهم بحول الله ، وكل شيء فمرهون بوقته ، ومربوط بقضاء الله و قدره ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم و إن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده )(3) .

     إن هذه الأمة الباغية الطاغية التي بساحة العرب المسلمين ، تقتل الأنام ، و تحاول أن تجتث أصل الإسلام ، ينسلون للتعاون من حدب ، ويتواثبون على أهل الإسلام من كل جانب .

     فإن جهاد هذا العدو الصائل واجب على المسلمين بكل الوسائل ، فمن تعذر عليه ببدنه ، تعين عليه بماله ، قال تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ) (4).

     و لأن المال بمثابة الترس للإسلام ، يستحلب به العدد و العتاد ، وسائر وسائل الجهاد ،


 


(1)                 71 ــ التوبة .

(2)                 54 ــ المائدة .

(3)                 160 ــ آل عمران .

(4)                 111 ــ التوبة .

 

 

     و يستدفع به صولة أهل الكفر و العناد ، فهو المحور الذي تدور عليه رحى الحرب ، ويستعان به في الطعن والضرب ، والمسلم يجاهد بنفسه و ماله ، وقد فرض الله في أموال الأغنياء نصيبا مفروضا يصرف في الجهاد والمجاهدين في سبيل الله ، فيجوز أو يستحب للتاجر أن يصرف زكاته في هذه الحالة إلى المجاهدين في سبيل الله ، وفي المال حق سوى الزكاة ، فمن لم يكن عنده زكاة ، وجب أن يساهم بقدر استطاعته ، كل على حسب مقدرته ، والدرهم بسبعمائة درهم ، و عند الله أضعاف كثيرة .

     و لست أقول أن مساعدة هؤلاء المجاهدين مستحبة فحسب ، وإنما أقول : إنها واجبة كوجوب الصلاة والصيام . لأن الجهاد ذروة سنام الإسلام ، والنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال : « جاهدوا المشركين بأموالكم و أنفسكم و ألسنتكم » (1).  

     إن من بعد حروب الصحابة والتابعين ، ثم حروب صلاح الدين مع التتر و الصليبيين ، حينما أجلاهم عن بلدان العرب المسلمين ، لم نسمع بالجهاد في سبيل الله الصحيح والحقيقي ، إلا في هذا القتال الواقع بين المسلمين مع اليهود ، فهذا هو الجهاد في سبيل الله حقا ، والذي يجب أن يضحي في سبيله بالنفس والنفيس .

     لأن هؤلاء المجاهدين المباشرين للقتال ؛ هم بمثابة المرابطين دون ثغور المسلمين ، يحمون حدود المسلمين و حقوقهم ، فهم يحاربون دون أديانكم و أبدانكم ، يحاربون دون ذراريكم و نساءكم ، يحاربون دون مجدكم وشرفكم ، و حسن سمعتكم . و قد طلبوا النجدة و المساعدة من إخوانهم المسلمين ، و قد أوجب الله عليكم نصرتهم ، فقال تعالى : ( و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) (2).  


 


(1)                 رواه أحمد وأبو داود و النسائي و ابن حبان و الحاكم .

(2)                 من الآية 72 ــ الأنفال .

 

 

     والنصر يكون بالمال و الرجال ، و يكون بالمال ( و آتوهم من مال الله الذي آتاكم ) (1) ، فمن العار أن تنعموا و هم بائسون ، أو تشبعوا و هم جائعون ، أو يضعفوا و أنتم مقتدرون ، والمسلم كثير بإخوانه ، قوي بأعوانه .

     و إنه ما بخل أحد بنفقة واجبة في سبيل الحق ، كالجهاد في سبيل الله ، إلا أتلف الله عليه ما هو أكثر منها ، والناس إنما يستحبون اقتناء المال لحوادث الزمان .

     إن في العهد الذي عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته : أن ذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، وهم يد على من سواهم ، ومعنى كونهم يد على من سواهم ، أنه متى نبغ عدو على المسلمين كهؤلاء اليهود ، فإن من الواجب أن يكونوا كاليد الواحدة في دحر نحره ، و دفع شره ، لأن المسلم كالبنيان للمسلم ( تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (2) .

     لقد بلغكم من الأخبار المشهورة ، والجرائد المنشورة ، أن مدار قوة اليهود ، تتركز على مساعدات قومهم لهم ، أفلا يكون المسلمون أحق بالسبق إلى هذه الفضيلة التي أوجبها عليهم كتاب ربهم ، و سنة نبيهم ، و أنتم تقاتلون على الحق ، و هم على الباطل .


 


(1)                 33 ــ النور .

(2)                 من آية 2 المائدة .

 

    

     إن الله سبحانه قد أوجب الجهاد ، و أمر بالاستعداد له بالقوة ، و من المعلوم أنه لا قوة بعد الله إلا بالمال ، و بدونه يقع الناس في الذل و الضر و بد .

إذا وهت المخالب والنيوب

 

وكيف يصول في الأيام ليث

     إن هذه القضية قد حركت كل من في قلبه نخوة دينية ، أو غيرة عربية ، فساهموا في الفضل ، وتنافسوا في البذل ، فمنهم من ضحى بالنفس ، و منهم من جاء بالنفيس ، لأنه لا خبيئة بعد بؤس ، و لا عطر بعد عروس ، والمال لا يستغنى عنه في حال من الأحوال ، و ناهيك بالحجة إليه في أزمة القتال .

إن يظهروا يأخذوكم والمال معا  

 

فلا تدخروا المال للأعداء إنهم

قد احتفظتم بها إن أنفكم جدعا

 

لا خير في المال و في نعم

     ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، و الله الغني و أنتم الفقراء ) (1) ، ( و اسمعوا و أطيعوا و أنفقوا خيرا لأنفسكم و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (2) .

     اللهم إنا نسألك : بأن لك الحمد . لا إله إلا أنت المنان ،بديع السماوات و الأرض ، يا ذا الجلال و الإكرام ، اللهم أنصر جيوش المسلمين نصرا عزيزا ، اللهم افتح لهم فتحا مبينا ، اللهم ألف بين قلوبهم ، أصلح ذات بينهم ، و انصرهم على عدوك و عدوهم ، و اهدهم سبيل الحق والعدل و السداد .


 


(1)                 38 ــ محمد .

(2)                 16 ــ التغابن .

 

     اللهم أعنهم ولا تعن عليهم ، و انصرهم و لا تنصر عليهم ، و انصرهم على من بغي عليهم ، و ثبت أقدامهم ، وأنزل السكينة في قلوبهم ، اللهم إنا نستعين بك ، و نستنصرك على اليهود ! الذين كذبوا رسلك ، و آذوا عبادك ، اللهم أنزل عليهم رجزك ، وعذابك ، اللهم منزل الكتاب ، و مجري السحاب ، و هازم الأحزاب ، اهزمهم ، وانصر المسلمين عليهم بحولك و قوتك إله الحق .