![]() |
|
الجهاد في سبيل الله وفضل النفقة فيه
الحمد لله ، و نستعين بالله ، و لا حول ولا قوة إلا بالله ، و
نصلى و نسلم على رسول الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله ، و أشهد أن محمدا رسول الله . أما بعد : فإن من حكمة أحكم الحاكمين : أن أوجب على عباده
المؤمنين جهاد الكفار و المنافقين ؛ ليمتحن بذلك صحة إيمان المدعيين ، و ليعلم
الكل علم اليقين : أن الدنيا دار بلاء و امتحان ، و العاقبة للمتقين ( ذلك ولو
يشاء الله لانتصر منهم و لكن ليبلو بعضكم ببعض ) (1) . ( و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و
الصابرين ) (2) . و الجهاد هو سنام
الإسلام ؛ لأن الدين رأسه الإسلام ، و عموده الصلاة ، و ذروة سنامه الجهاد في سبيل
الله ، والجهاد يكون بالحجة والبيان ، و يكون بالقوة والرجال ، ويكون بالمال . و
لكل مقام مقال . لأن الجهاد مأخوذ من بذل الجهد و الطاقة في إعلاء كلمة الحق ، و
نصر دينه ، والذود عن حدود المسلمين و حقوقهم و حرماتهم . والمسلم يجاهد بسيفه و
لسانه و ماله ، كما في الحديث ، أن
النبي صلى الله علي و سلم قال : « جاهدوا المشركين بأموالكم
و أنفسكم و ألسنتكم » (3) . و أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ــ: « بأنه ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا سلط الله عليهم ذلا لا ينزع حتى
يراجعوا دينهم » (4) . و في القرآن و السنة تكرار فضل الجهاد
والمجاهدين . وأخبر الله في كتابه الحكيم ،
(1)
4 ــ محمد . (2)
31 ــ محمد .
(3)
رواه الإمام أحمد و أبو داود و النسأي و
ابن حبان و الحاكم عن أنس و قال صحيح و أقروه . (4)
من حديث ابن
عمر . بأن الجهاد هو التجارة الرابحة في الأجر ، كما
أنه من أسباب العز و النصر ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة
تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و
أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . ـــ إلى قوله ـــ و أخرى تحبونها نصر من
الله و فتح قريب ) (1) . إن السلف الصالحين من الصحابة و التابعين ،
لما سمعوا آيات الجهاد تتلى عليهم قالوا : ( سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا ) (2) . فساحت أيديهم بالنداء ، و
سمحت نفوسهم بالفداء ، فمنهم البائع لنفسه و منهم الباذل لماله ، حمية دينية و
نخوة عربية ، لعلمهم ( أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون
في سبيل الله ) (3) . فمن أخبارهم
الشهيرة ، ومآثرهم المنيرة : أن رجلا من الصحابة ، جاء إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال : أ رأيت إن قاتلت و قتلت صابرا محتسبا ماذا أكون ، قال في الجنة . و كان في يدو كسرة تمرة ،
فقال : والله لإن بقيت حتى آكل هذه الكسرة إنها لحياة طويلة ، ثم رمى بها ، و هز
سيفه ، و أقبل يرتجز و يقول :
فقاتل حتى قتل ــ رضى الله
عنه ــ . ثم إن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ حثهم
على الجهاد في سبيل الله في غزوة العسرة ، و كانت زمن جهد و مجاعة ، فقال عثمان بن
عفان ــ رضى الله عنه ــ على بمائة بعير بأحلاسها و أقتابها ، ثم حثهم أخرى فقال
عثمان :
(1)
10 ــ 13 ــ
الصف . (2)
285 ــ
البقرة . (3)
من 111 ــ
التوبة . على مائة بعير بأحلاسها و أقتابها ، ثم حثهم أخرى ، فقال عثمان
: على مائة بعير بأحلاسها و أقتابها ، ثم جاء بصرة دنانير كادت كفه تعجز عنها
فوضعها بين يدي رسول الله صلى عليه وسلم ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها
و يقول : « ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ، غفر الله لك يا
عثمان ما قدمت و ما أخرت » . و قدمت عير من الشام لعبد الرحمن بن عوف تقدر
بسبعمائة بعير ، تحمل طعاما و ثيابا و أدما ، فتصدق بها كلها في سبيل الله . فبالله قل لي : كيف عاقبة أمرهما بعد هذا
الإنفاق الطائل ، أجبك بأنهما توفيا و هم أحسن الناس حالا و أحسن الناس مالا ،
وتصدق عمر بشطر ماله . إن الله سبحانه قد ضمن للمؤمنين المجاهدين ،
فقال : ( إنا لننصر رسلنا و الذين آمنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد ) (1) ، و قال : ( و كان حقا علينا
نصر المؤمنين ) (2) . فهذا النصر المضمون
للمؤمنين ، هو مشروط بنصرهم لدين الله و حمايته ، والذود عن حدود المسلمين ، و
حقوقهم و حرماتهم ، و أن يجاهدوا أنفسهم على القيام بواجبات دينهم ، قبل أن
يجاهدوا عدوهم ، حتى يكون الله وليهم و ناصرهم ، والمعين لهم على عدوهم . ( إن
تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ) (3) . و لا بد مع هذا من الأخذ بأسباب الوسائل من الحزم و الحذر ، و
الاستعداد بالقوة ، كما أرشد إليه الكتاب العزيز في قوله ( خذوا حذركم ) (4) .
(1)
51 ــ غافر .
(2)
47 ــ الروم
. (3)
7 ــ محمد . (4)
71 ــ النساء
. ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ( 1) . و القوة تختلف باختلاف
الأحوال والأزمان ، و لكل زمان دولة و قوة و رجال تناسب حالة القتال . أما إذا تخلف عملهم عن واجبات دينهم ، أو لم
يستعدوا بالحزم و القوة لجهاد عدوهم ، فإنه يتخلف عنهم هذا النصر المضمون لهم ،
لأن ذنوب الجيش جند عليه ، و الاتكال على الإيمان بدون عمل يعتبر عجزا و مخالفة لأمر
الله و رسوله . لهذا ، يجب التفكير في سبب تخلف هذا النصر عن
المؤمنين طيلة هذه السنين في قوله ( و كان حقا علينا نصر المؤمنين )(2) . و لن يخلف الله وعده ، و
إن تخلف هذا النصر إنما هو من أجل تخلف إصلاح الأحوال و الأعمال ، فتسلط الأعداء
عليهم في حال تقصيرهم بواجبات دينهم ،و عدم استعدادهم بالقوة لمجابهة عدوهم ( ما
أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك ) (3) . إن الشيء بالشيء يذكر ، والدنيا كلها عبر . إنه لما كانت واقعة بدر ، و كان أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم قلة ، و في حالة ضعف و ذلة ، و أقبل المشركون بخيلهم و خيلائهم
و هم محدقون بالسلاح التام ؛ يريدون أن يستأصلوا شأفة رسول الله وأصحابه ، و أن يبيدوا خضرائهم ، فصف الله رسول الله
ــ صلى الله عليه وسلم ــ المقاتلة ، ثم قام يدعو و يتضرع إلى ربه حتى سقط رداءه
من طول قيامه للدعاء ، فلما التقى الجمعان ، أنزل الله النصر على نبيه وأصحابه ،
فقتلوا سبعين من عظماء المشركين ، و أسروا سبعين ، وضربوا عليهم الفداء .
(1)
60 ــ
الأنفال . (2)
47 ـ الروم .
(3)
79 ــ النساء
. و بعد هذا النصر والظفر ، دخل في قلوب الصحابة
شيء من قوة الإيمان بالله ، والتوكل عليه و ظنوا أنهم لن يغلبوا أبدا ؛ من أجل
إيمانهم ، وكونهم حزب رسول الله صلى الله عليه وسلم و يقاتلون في سبيل الله ، مما
جعلهم يكسلون عن الاحتفال بالأسباب ، و أخذ الحذر ، والاحتفاظ عن غوائل عدوهم . و في واقعة أحد ، صف رسول الله صلى الله عليه
وسلم المقاتلة في مصافهم ، و أمر عبد الله بن جبير على سرية ، و جعلهم في فم الشعب
. و قال: « أحموا ظهورنا و لا تبرحوا مكانكم حتى لو رأيتم
الطير تخطفنا ، فلا تنصرونا ، أو رأيتمونا ، نغنم فلا تشركونا » ، و كانت الغلبة للنبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه أول النهار ، حتى
كسروا تسعة ألوية للمشركين ، و انهزم المشركون ، وجعل السلاح ، والمتاع يتساقط
منهم ، والناس يحوزونه ، فقال أصحاب عبد الله بن جبير بعضهم لبعض : الغنيمة .
الغنيمة ، فذكرهم أميرهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصوه ، وأخلوا مركزهم
، فدخلت خيل المشركين من جهته ، فقتلوا سبعين من الصحابة ن و شجوا رأس رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، و كسروا رباعيته ، و دلوه في حفرة ظنوه ميتا ، و صرخ الشيطان
: قتل محمد . و بعد هذه الهزيمة ، أخذ
الصحابة يتفكرون في سببها ، و قد عرفوا أنها إنما حصلت عليهم ، بسبب ذنب اقترفوه في
إخلاء مركزهم ؛ الذي أمروا بحفظه ، وأنزل الله ، كالتأنيب و التأديب ( أو لما أصابتكم
مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم (1) ، أي بسبب تقصيركم بواجبكم . فهذه الكبوة ، و ما حصل على أثرها من النكبة ،
قد أورثت الصحابة شيء من الحزم ،
(1)
165 ــ آل
عمران . و فعل أولى العزم ، من أخذ الحذر ، والاستعداد
بالقوة ، و استعمال وسائل الكيد لعدوهم ، مما جعلهم يتوصلون إلى ما تحصلوا عليه ،
من فتح مشارق الأرض و مغاربها . و لما انتشرت فتوحهم الإسلامية ، وامتد سلطان
المسلمين على الأقطار الأجنبية ، لم يقصروا نفوسهم على استلذاذ الترف ، و رخاء
العيش ، و تزويق الأبنية فحسب ، بل عكفوا جادين على تمهيد قواعد الدين ، و هدم
قواعد المبطلين ، و نشر الأحكام الشرعية ، و تعميم اللغة العربية ، فاختطوا المدن
، و أنشئوا المساجد ، و أشادوا المكارم و المفاخر ، و أزالوا المنكرات و الخبائث ،
فأوجدوا حضارة نضرة ، جمعت بين الدين و الدنيا . أسسوا قواعدها على الطاعة ، فدامت
لهم بقوة الاستطاعة ، و غرسوا فينا الأعمال البارة ، فأينعت لهم بالأرزاق الدارة ،
فكانوا ممن قال الله فيهم : ( و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين
إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن
المنكر ولله عاقبة الأمور ) (1) فمن قام بالله عز ، ومن كان
مع الله ، كان الله معه . إن المصارعة بين الحق و الباطل ، والمقاتلة
بين المسلمين والكفار ، لا تزال قائمة و موجودة من لدن خلق الله الدنيا إلى أن
تقوم الساعة ، و حتى يقاتل آخر هذه الأمة الدجال ( كتب عليكم القتال و هو كره لكم
و عسى أن تكرهوا شيئا و خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و
انتم لا تعلمون ) (2) . و يترتب على
هذه الحروب حكم و مصالح لا يعلم غايتها إلا الله الذي قدر سببها ( و لو لا دفع
الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) (3) .
(1)
40 ــ 41 ــ
الحج . (2)
216 ــ
البقرة . (3)
25 ــ البقرة
. فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق ادالة
مستمرة ، أو ظن أن الله يديل اليهود على المسلمين ادالة مستمرة ، فقد ظن بالله ظن
السوء ، لكن الله سبحانه يؤدب عباده، فإذا عصاه من يعرفه ، سلط عليه من لا يعرفه .
و الباطل لا تقوى شوكته ، و لا تعظم صولته ، إلا في حال رقدة الحق عنه ، و غفلته
منه ، فإذا انتبه له هزمه بإذن الله ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو
زاهق و لكم الويل مما تصفون ) (1) . غير أن للباطل صولة ، نعوذ بالله من شرها ، لكن عاقبتها الذهاب و
الاضمحلال ، و قد قال الله : ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم و
خافون إن كنتم مؤمنين ) (2) . أي يخوفوكم
بأوليائه ، و يعظمهم في نفوسكم ، ومن هذا التخويف ما وقع في قلوب أكثر الناس من
شدة خوفهم من اليهود ، و تعظيمهم في نفوسهم و ألسنتهم ، حتى ظنوا أنهم لن يغلبوا
أبدا من شدة كيدهم و مكرهم ، و توفر وسائل القوة لديهم و قد غزوا قلوب الناس
بالرعب و الرهب منهم ، و نسوا أن الله سبحانه قد وعد عباده المؤمنين بالنصر عليهم
، فقال تعالى : ( لن يضروك إلا أذى و إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) (3) و نسوا قول الله تعالى (و إذ
تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ) (4) وصدق الله العظيم ، فإن هذا
العذاب الذي وعدهم الله بأن يساموا به ، و ضربة لازب في حقهم ، لا يفارقهم ، ولا
يزال ملازما لهم ، كما هو الواقع بهم الآن بأيدي المسلمين ، وما سيقع بهم إلى يوم
القيامة أكثر و أعظم ( سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه
الحق )(5) .
(1)
18 ــ الأنبياء
. (2)
175 ــ آل
عمران . (3)
111 ــ آل
عمران . (4)
167 ــ الأعراف
. (5)
53 ــ فصلت .
إن هذا الطفور و الطغيان ، و مجاوزة الحد في
الفتك و السفك والعدوان ، الواقع من اليهود على العرب المسلمين طيلة هذه السنين ،
حتى أخرجوهم من ديارهم و مساكنهم إلى الصحراء ، و استولوا عليها قسرا و قهرا ، و
أخذوا يسومونهم سوء العذاب ، من القتل و التضييق والإرهاق ، حتى بلغ الأمر بهم إلى
أشد الاختناق ، و إلى حد ما لا يطاق ، حتى لقد أنكر أمرهم و بغيهم و طغيانهم جميع
دول العالم ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير . الذين
أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) (1) . وقد عرف العقلاء أن هذا التغلب والاستيلاء من
اليهود ؛ إنما حصل بسبب ذنب من المسلمين اقترفوه ، و ذلك حينما ضعف عملهم بالإسلام
، و ساء اعتقادهم فيه ، و صار فيهم المنافقون يدعون إلى نبذه ، و إلى عدم التقيد
بفرضه و نفله ، وعلى أثره حصل الاختلاف بين الحكام و الزعماء نتيجة الاختلاف في
النزعات والأهواء ، فتقطعت وحدة جماعة المسلمين إربا و أوصالا ، و صاروا شيعا و
أحزابا ، ففشي من بينهم الفوضى و الشقاق ، و قامت الفتن على القدم و ساق ، يقتل
بعضهم بعضا ، و يسبي بعضهم أموال بعض بحجة الاشتراكية المبتدعة ، التي ما أنزل
الله بها من سلطان ، وبسبب هذا الاختلاف ، حصل الاعتلال و الاختلال . و هي فرصة سنح للعدو فيها المواثبة ، فقويت
شوكته ، وعظمت صولته ، و تسلط على العرب المسلمين بجبروته و قوته ، حتى أخذ الناس
يقولون ( متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) (2). وبسب هذه الحوادث و النكبات ، و ما نجم عنها
الكبوات ، و النكبات ، حصل رجوع الكثير من الناس إلى ربهم .
(1)
39 ــ 40 ــ الحج . (2)
214ــ البقرة
. والقيام بواجبات دينهم ، من صلاتهم و صيامهم ،
فعملوا أعمالهم في إصلاح أعمالهم ، رجاء أن يصلح الله أحوالهم ، لعلمهم أنه ما نزل
بهم بلاء إلا بذنب . كما حصل التقارب بين قلوب حكام المسلمين و
زعماءهم ، و إزالة الإحن و الشحناء من بينهم ، فتكاتفوا ، و تساعدوا ، و تعاضدوا
على قتال عدوهم ، لأن المؤمنين ( بعضهم أولياء بعض )(1) أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون
في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم )(2) و هذا الرجوع إلى الله ، وما يتبعه من التعاضد
و التساعد في القتال في سبيل الله ، هو مؤذن و مبشر بنصر الله و فتح قريب إنشاء
الله ، كما أنه مؤذن و مبشر بانتهاء نصر اليهود ، واقتراب مصرعهم بحول الله ، وكل
شيء فمرهون بوقته ، ومربوط بقضاء الله و قدره ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم و إن
يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده )(3) . إن هذه الأمة الباغية الطاغية التي بساحة
العرب المسلمين ، تقتل الأنام ، و تحاول أن تجتث أصل الإسلام ، ينسلون للتعاون من
حدب ، ويتواثبون على أهل الإسلام من كل جانب . فإن جهاد هذا العدو الصائل واجب على المسلمين
بكل الوسائل ، فمن تعذر عليه ببدنه ، تعين عليه بماله ، قال تعالى ( إن الله اشترى
من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ) (4). و لأن المال بمثابة الترس للإسلام ، يستحلب به
العدد و العتاد ، وسائر وسائل الجهاد ،
(1)
71 ــ التوبة
. (2)
54 ــ
المائدة . (3)
160 ــ آل
عمران . (4)
111 ــ
التوبة . و يستدفع به صولة أهل الكفر و العناد ، فهو
المحور الذي تدور عليه رحى الحرب ، ويستعان به في الطعن والضرب ، والمسلم يجاهد
بنفسه و ماله ، وقد فرض الله في أموال الأغنياء نصيبا مفروضا يصرف في الجهاد
والمجاهدين في سبيل الله ، فيجوز أو يستحب للتاجر أن يصرف زكاته في هذه الحالة إلى
المجاهدين في سبيل الله ، وفي المال حق سوى الزكاة ، فمن لم يكن عنده زكاة ، وجب
أن يساهم بقدر استطاعته ، كل على حسب مقدرته ، والدرهم بسبعمائة درهم ، و عند الله
أضعاف كثيرة . و لست أقول أن مساعدة هؤلاء المجاهدين مستحبة
فحسب ، وإنما أقول : إنها واجبة كوجوب الصلاة والصيام . لأن الجهاد ذروة سنام
الإسلام ، والنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال : « جاهدوا
المشركين بأموالكم و أنفسكم و ألسنتكم » (1). إن من بعد حروب الصحابة والتابعين ، ثم حروب
صلاح الدين مع التتر و الصليبيين ، حينما أجلاهم عن بلدان العرب المسلمين ، لم
نسمع بالجهاد في سبيل الله الصحيح والحقيقي ، إلا في هذا القتال الواقع بين
المسلمين مع اليهود ، فهذا هو الجهاد في سبيل الله حقا ، والذي يجب أن يضحي في
سبيله بالنفس والنفيس . لأن هؤلاء المجاهدين المباشرين للقتال ؛ هم
بمثابة المرابطين دون ثغور المسلمين ، يحمون حدود المسلمين و حقوقهم ، فهم يحاربون
دون أديانكم و أبدانكم ، يحاربون دون ذراريكم و نساءكم ، يحاربون دون مجدكم وشرفكم
، و حسن سمعتكم . و قد طلبوا النجدة و المساعدة من إخوانهم المسلمين ، و قد أوجب
الله عليكم نصرتهم ، فقال تعالى : ( و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) (2).
(1)
رواه أحمد
وأبو داود و النسائي و ابن حبان و الحاكم . (2)
من الآية 72
ــ الأنفال . والنصر يكون بالمال و الرجال ، و يكون بالمال
( و آتوهم من مال الله الذي آتاكم ) (1) ، فمن العار أن تنعموا و هم بائسون ، أو تشبعوا و هم جائعون ، أو يضعفوا
و أنتم مقتدرون ، والمسلم كثير بإخوانه ، قوي بأعوانه . و إنه ما بخل أحد بنفقة واجبة في سبيل الحق ،
كالجهاد في سبيل الله ، إلا أتلف الله عليه ما هو أكثر منها ، والناس إنما يستحبون
اقتناء المال لحوادث الزمان . إن في العهد الذي عهده رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأمته : أن ذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، وهم يد على من سواهم
، ومعنى كونهم يد على من سواهم ، أنه متى نبغ عدو على المسلمين كهؤلاء اليهود ،
فإن من الواجب أن يكونوا كاليد الواحدة في دحر نحره ، و دفع شره ، لأن المسلم
كالبنيان للمسلم ( تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (2) . لقد بلغكم من الأخبار المشهورة ، والجرائد
المنشورة ، أن مدار قوة اليهود ، تتركز على مساعدات قومهم لهم ، أفلا يكون
المسلمون أحق بالسبق إلى هذه الفضيلة التي أوجبها عليهم كتاب ربهم ، و سنة نبيهم ،
و أنتم تقاتلون على الحق ، و هم على الباطل .
(1)
33 ــ النور
. (2)
من آية 2
المائدة . إن الله سبحانه قد أوجب الجهاد ، و أمر
بالاستعداد له بالقوة ، و من المعلوم أنه لا قوة بعد الله إلا بالمال ، و بدونه
يقع الناس في الذل و الضر و بد .
إن هذه القضية قد حركت كل من في قلبه نخوة
دينية ، أو غيرة عربية ، فساهموا في الفضل ، وتنافسوا في البذل ، فمنهم من ضحى
بالنفس ، و منهم من جاء بالنفيس ، لأنه لا خبيئة بعد بؤس ، و لا عطر بعد عروس ،
والمال لا يستغنى عنه في حال من الأحوال ، و ناهيك بالحجة إليه في أزمة القتال .
( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله
فمنكم من يبخل ، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، و الله الغني و أنتم الفقراء ) (1) ، ( و اسمعوا و أطيعوا و
أنفقوا خيرا لأنفسكم و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) (2) . اللهم إنا نسألك : بأن لك الحمد . لا إله إلا
أنت المنان ،بديع السماوات و الأرض ، يا ذا الجلال و الإكرام ، اللهم أنصر جيوش
المسلمين نصرا عزيزا ، اللهم افتح لهم فتحا مبينا ، اللهم ألف بين قلوبهم ، أصلح
ذات بينهم ، و انصرهم على عدوك و عدوهم ، و اهدهم سبيل الحق والعدل و السداد .
(1)
38 ــ محمد .
(2)
16 ــ
التغابن . اللهم أعنهم ولا تعن عليهم ، و انصرهم و لا
تنصر عليهم ، و انصرهم على من بغي عليهم ، و ثبت أقدامهم ، وأنزل السكينة في
قلوبهم ، اللهم إنا نستعين بك ، و نستنصرك على اليهود ! الذين كذبوا رسلك ، و آذوا
عبادك ، اللهم أنزل عليهم رجزك ، وعذابك ، اللهم منزل الكتاب ، و مجري السحاب ، و
هازم الأحزاب ، اهزمهم ، وانصر المسلمين عليهم بحولك و قوتك إله الحق . |