![]() |
|
فضل الصدقة و النفقة في وجوه البر و الخير
الحمد لله الذي عمت نعمه جميع مخلوقاته ، فأبى أكثر الناس إلا
كفورا أنزل الآيات المحكمات الدالة
على فضل الصلاة ، وأداء الزكاة ، و بسط اليد بالصدقات ، فعميت بصائر الأكثرين ،
فما زادتهم إلا نفورا . وأشهد أن لا إله إلا الله ، المتفضل بالإحسان و الأنعام
منا منه و تيسيرا ، وأشهد أن محمداً
عبده و رسوله ، أرسله بالحق بشيرا و نذيرا . اللهم صل علي عبدك رسولك محمد ، و على
آله و صحبه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد: فيا أيها الناس
: ــ اتقوا الله و اطيعوه ، و
امتثلوا أمر ربكم و لا تعصوه فإن أطعتموه لم يصل إليكم شيء تكرهونه ، و إن عصيتموه
عاقبكم بما لا تطيقونه . و اعلموا رحمكم الله ــ أن من عرف الله معرفة صحيحة عبده
عبادة صحيحة ، ومن شرح الله صدره للإسلام ، نور قلبه بالإيمان ، قبل الوعظ ، و
النصيحة . ومن أمن مكر الله ، و ترك
فرائض الله ، و تجرأ على معاصي الله ، أذاقه الله لباس الجوع و الخوف و ، والفضيحة
، و على قدر جهل العبد بربه ، و تقصير بأداء واجب حقه ، تصدر عنه أعماله القبيحة ،
و أن الله يقول ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثي و هو مؤمن فلنحيينه حياة كيبة و
لنجزينهم بأحسن ما كانو يعملون ) (1) . فوعد الله ، ووعده حق و صدق ، كل من عمل صالحا من صلاة ، و زكاة ، و
صيام ، و صدقة ، و إحسان إلى الفقراء و المساكين و الأيتام ، فمن عمل هذه الأعمال ، و هو مؤمن و سعى
سعيه لكسب المال الحلال ، أحياه الله حياة سعيدة كيبة ، يجد لذتها في قلبه ،
(1)
97 ــ النحل
. و تسري بالصحة
والسرور على سائر جسمه ، و يكون سعيدا في حياته ، سعيدا بعد وفاته ، و يكون من
أولياء الله المقربين ، و حزبه المفلحين . و إن من حكمق أحكم
الحاكمين ، أن الله خلق الناس متفاوتين ، فمنهم الغني ، و منهم الفقير ، و منهم
السخي و منهم البخيل ، ومنهم العاصي و منهم المطيع ، فأوجب في مال الغني حقا واجبا
لأخيه المعوز الفقير ، ليمتحن بذلك صجة إيمان المدعين ، وجود الأسخياء المتصدقين ،
و شح البخلاء النذلاء الهلعين ، و ليعلم الكل علم اليقين : أن الله خلق الدنيا
فجعلها منحة لأقوام ، و محنة على الآخرين ، لأن كسب المال من حله ثم الجود بأداء
واجب حقه ، يعد من مفاخر الدنيا ، و أنه لنعم الذخر للأخري ، فقد ذهب أهل الدثور بالأجور
، و الدرجات العلى . فإنفاق المال في سبيل الصدقات ، و سلئر وجوه الخيرات ، هو
منجاة من الفقر ، و تجارة رابحة في الأجر ، و هو أسباب الوفر و الكثر فما نقصت
صدقة مالا بل تزيده ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه و هو خير الرازقين ) (2) . فلو جربتم لعرفتم فقد قيل
: من ذاق عرف ، ومن حرم انحرف ، و ما طلعت شمس يوم إلا و ملكان يناديان يا أيها الناس هلوا إلى ربكم ، فإن ما قل و كفي ، خير مما كثر و ألهى .
اللهم أعط منفقا خلفا و أعط ممسكا تلفا و في الأثر : أن الله يقول : ابن آدم أنفق انفق
عليك ، و لا توك فيوكي الله عليك ،
يقول الله ( و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم و أنفقوا لهم أجر
كبير ) (2) . وقد ضرب الله
لكم مثلا فاستمعوه و اتبعوه ، يقول الله سبحانه : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في
سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء و
الله واسع عليم ) (3) .
(1)
39 ــ سبأ . (2)
7 ــ الحديد
. (3)
261 ــ
البقرة . فهذا الله ينفقون أموالهم في
طاعة الله ، و أن الدرهم الواحد بسبعمائة درهم و هذه المضاعفة الفاخرة حاصلة
للمتصدق في الدنيا قبل الآخرة . ففي الدنيا يدرك المتصدق سعة الرزق و بسطته ، و
نزول البركة فيه ، حتى في يد ذريته من بعده ( و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) (1) . أي يبخل بالفضل و البركة
في حياته ، ويبخل بالأجر المدخر له في آخرته بسبب صدقته . و صدق الله العظيم ( الشيطان يعدكم الفقر و
يأمر بالفحشاء ) ــ أي البخل فسمى الله البخل فاحشة ــ ( و الله يعدكم مغفرة ) لذنوبكم
ــ أي بصدقتكم ــ ( و فضلا ) أي سعة و بركة في أموالكم ( والله واسع عليم ) (2) و قال ( ومن يوق شح نفسه
فأولئك هم المفلحون ) (3)
. إن الله سبحانه ذكر الإنفاق في كتابه المبين ،
بأساليب كلها تحفز الهمم ، و تنشط الأمم ، و تبسط الأكف بالكرم ، كقوله ( من ذا
الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) ( 4) و هذه المضاعفة الفاخرة حاصلة للمتصدق في
الدنيا قبل الآخرة ، بحيث يزداد ماله نموا و بركة ، و كقوله ( إن الذين يتلون كتاب
الله و أقاموا الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم سرا و علا نية يرجون تجارة لن تبور . ليوفيهم
أجورهم و يزيدهم من فضله ) (5) أي يزيد من فضل الدنيا و سعتها ، و البركة فيها ــ ( و انفقوا مما رزقناكم
من قبل أن يأني أحدكم الموت فيقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق و أكن من
الصالحين ) ( 6) . فالقرآن مملوء
بالذكر الحث على الصدقة و الإحسان .
(1)
38 ــ محمد .
(2)
268 ــ البقرة . (3)
9 ــ الحشر .
(4)
245 ــ
البقرة . (5)
29 ــ 30 ـــ
فاطر . (6)
10 ــ
المنافقون . فهذه الآيات و
أمثالها ، هي بمثابة الهزة و الزلزال لقلوب الرجال ، فقلب لا يلين لها ، و لا
يندفع للبذل في سبيلها ، هو قلب خال من الإيمان ، لم تمسه نفحة من نفحات الرحمان ،
قلب خال من الخير، و فائض بالبخل ، والخبث و الشر ، جبار السماوات والأرض يتودد
إلى عباده الموسرين ، بأن يؤتوا و يتصدقوا بفضل ما أوتوا علي إخوانهم المعوزين من
الفقراء والمساكين ، لأن الله أوجب في أموال الأغنياء حقا معلوما للسائل و المحروم
، يقول الله سبحانه ( و آت ذا القربي حقه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيرا
) (1) . و الصحابة الكرام : لما سمعوا داعي
القرآن يدعوهم إلى الصدقة والإحسان : ساحت أيديهم بالندى ، كما سمحت نفوسهم
بالفداء ، حتى أنهم يحاملون على ظهورهم ، ويتصدقون . كما في البخاري : عن أبي
مسعود البدري ، قال : حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة ، و لم يكن عندنا مال ، فكنا نحامل على ظهورنا و
نتصدق . لأنه ليس للإنسان من ماله إلا ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو تصدق
فأبقى . و أنه ما أنفق أحد نفقة في سبيل الحق ؛ من زكاة ، وصدقة ، و صلة ، إلا
عوضه الله عنها ما هو أكثر منها . و
ما بخل أحد بنفقة واجبة من زكاة ، وصدقة و صلة ، إلا أتلف الله عليه ما هو اكثر منها
، فمن رزقه الله من هذا المال رزقا حسنا فليبادر بأداء زكاته ، و بالصدقة منه ن
سرا و علنا ، حتى يكون أسعد الناس بماله ، فإن مال الإنسان ما قدم ، و مال الوارث ما خلف . ( وما أنفقتم من
شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) (2) . ( واسمعوا و أطيعوا و أنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم
المفلحون ) (3) . إن الأمة أو القبيلة
المتصفة بالسخاء بالمال ، و يقومون بالتعاون على الأعمال فيكفل غنيها فقيرها و
يعول قويها ضعيفها ،
(1)
26 ــ
الإسراء . (2)
39 ــ سبأ . (3)
16 ــ
التغابن .
فإنه لا بد أن تتسع
تجارتها ، وأن تتوفر سعادتها ، و أن يدوم على أفرادها النعمة إذا استقاموا على هذه
الخلة . و من العار أن تنعم و رحمك بائس ، و أن تشبع و جارك جائع ، وأن أفضل صدقة
: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى و تخشى الفقر ، و لا تمهل حتى إذا بلغت
الروح الحلقوم ، قلت لفلان كذا ، و لفلان كذا ، و قد كان لفلان ، و قد حذركم الله
عن هذا الندم قبل الوقووع فيه فقال ( وانفقوا مما رزقنكم من قبل أن يأتي أحدكم
الموت فيقول رب لو أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ) (1) . أما الأمة التى غمرها الله
بنعمته ، وفضلها بالغنى على كثير من خلقه ، ثم يجمد قلب أحجهم على حب ماله ، و
تنقبض يده عن أداء زكاته ، و الصدقة منه ، و الصلة لأقاربه ، و النفقة في وجوه
البر والخير الذي خلق المال لأجله ، إنه لرجل سوء ، و تاجر فاجر ، قد بدل نعمة
الله كفرا ، و أحل بغناه دار البوار ، فلا خير في مال بعده النار :
فانتبهوا
من غفلتكم ، و توبوا من زللكم ، و حافظوا على فرائض ربكم ، و أطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين .
(1)
10 ــ المنافقون
. |