![]() |
|
فضل الصبر على المصائب
وتحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والنياحة على الميت
الحمد لله الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت
والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (1) . وأشهد أن لا إله إلا الله ، بيده مواقيت
الأعمار ، ومقادير الأمور . وأشهد أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ، الداعي
إلى كل عمل مبرور . أما بعد: فإن الله
سبحانه كتب على الدنيا الفناء ، وعلى الآخرة البقاء ، ولا بقاء لما كتب عليه
الفناء . فكل شيء هالك إلا وجهه ، وكل ملك زائل إلا ملكه ، وفي الحديث: « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار . من عمل
سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون
الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) (3). فسمى الله الدنيا متاعاً والمتاع ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع عنه .
مأخوذ من متاع المسافر
(1)
من بداية
سورة الملك . (2)
متفق عليه
ورواه ابن ماجة عن أبي هريرة . (3)
39-40 – غافر
. (4)
38 – التوبة
. (5)
20 – الحديد
و185- آل عمران .
فما عيبت الدنيا
بأكثر من ذكر فنائها ، وتقلب أحوالها ، فتتبدل حياتها بالموت ، وعمارها بالخراب
واجتماع أهلها بفرقة الأحباب ، وكل ما فوق التراب تراب. محفوفة
بالأنكاد والأكدار ، والشرور والأضرار ، والهموم والغموم والأحزان ، ولا يهذبها
ويصفيها سوى الدين ، وطاعة رب العالمين ، فلا تصفوا لأحد بحال ، فلو كان ربنا لم
يخبر عنها خبراً ولم يضرب لها مثلا؛ لكانت قد أيقظت النائم ، ونبهت الغافل ، فكيف
وقد جاء من الله لها واعظ وعنها زاجر .
ثم إن الموت ليس
هو فناء أبداً ، لكنه انتقال من حياة الدنيا إلى حياة الآخرة ، فالمؤمن يحتسب ،
ويرجو اجتماعه بأحبابه في حياة الآخرة التي لا موت فيها ولا حزن ، والتي يقول
أهلها حين يدخلونها ويجتمعون فيها ( الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور
شكور. الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) (1) . إن الناس قد
انخدعوا بطول الأمل عن تصحيح العمل ، والتأهب للأجل ( اقترب للناس حسابهم وهم في
غفلة معرضون . ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون . لاهية
قلوبهم ) (2).
(1)
34 – فاطر . (2)
1-3-
الأنبياء . وفي الحديث أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يشب ابن آدم ويشب معه
اثنتان: الحرص على الدنيا ، وطول الأمل» (1) ــ فالحرص على الدنيا المذموم
، كونه يتناول المال عن طريق الحرام ، أو كونه يشغله ماله عن عبادة ربه ، وعن أداء
واجباته ؛ من صلاته ، وزكاته ، كما أن طول الأمل المذموم هو الذي يمنع صاحبه عن
تصحيح عمله ، وتحسين خاتمة عمره . وفي صحيح مسلم . عن ابن عمر . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما حق امرئ
مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» ، لكون الوصية لا تقرب أجلاً ، ولا تبعده . و إنما تعتبر من الأخذ بالحزم
، وفعل أولي العزم ، وأحق ما يوصي به الشخص هو الخروج من المظالم ، وأداء الحقوق
والديون إلى أهلها ، لكونها من الحقوق التي لا يترك الله منها شيئاً . وفي الحديث:
« نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه» (2) . ثم إن هذا الموت
الذي أفسد على أهل الدنيا نعيمهم في الدنيا ليس هو فناء أبداً ، لكنه خاتمة حياة
الدنيا وبدء حياة الآخرة ، . ليجزي فيها الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذي أحسنوا
بالحسنى. فلا يجزع من الموت متى نزل به إلا الذي لم يقدم عملاً صالحاً لآخرته . ويقول: ما هي إلا حياتنا
الدنيا نموت ونحيا. فهو يكره الموت ، لكراهته لقاء ربه من أجل ما قدمه من سوء عمله
. أما المؤمن الذي قدم لآخرته عملاً صالحاً في حياته ، فإنه لا يندم على الدنيا ،
ولا يجزع من الموت ، لعلمه أن له حياة هي أرقى وأبقى من حياته في الدنيا . فنفسه
مطمئنة بلقاء ربه ، وثواب عمله.
(1)
رواه البخاري
وفي رواية مسلم بلفظ " يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص
على العمر" ورواه البخاري بلفظ " يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان حب المال
وطول العمر " . (2)
رواه الإمام
أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة . فإن من قدم خيراً أحب القدوم عليه
، ولأن صنائع الإحسان تقي مصارع السوء ، فهذا يقال له عند الاحتضار ( يا أيتها
النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فأدخلي في عبادي . وأدخلي جنتي) (1) . وفي
الدعاء المأثور ــ اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك ، وتقنع بعطائك ،
وترضى بقضائك. ولما قال النبي صلى الله
عليه وسلم ـ « من أحب لقاء الله ، أحب الله لقائه ، ومن كره
لقاء الله ، كره الله لقاءه ، فقال بعض من سمعه من الصحابة كلنا يكره الموت يا
رسول الله . فقال: إنه ليس الأمر كذلك، ولكن الإنسان متى كان في انقطاع من الدنيا
، وإقبال على الآخرة ، فإن كان من أهل الخير بشر بالخير، فأحب لقاء الله ، وأحب
الله لقاءه ، وإن كان من أهل الشر ، بشر بالشر ، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه» (2) . ونظير هذا ما وقع
لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين احتضر . وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم
: « إنه يحشر أمام العلماء برتوة». وقال: « أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» ، ولما أحتضر
وكان صائماً . فقال لجاريته انظري هل غربت الشمس؟ فقالت: لم تغرب. ثم مكث ما شاء
الله . ثم قال: انظري . فقالت: نعم. قد غربت الشمس . فقال عند ذلك: مرحباً بالموت.
مرحباً بطارش جاء على فاقة ، لا أفلح والله من ندم على الدنيا، اللهم إنك تعلم أني
لم أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ، ولا لغرس الأشجار ، ولا لجمع المال، وإنما
أحببت البقاء في الدنيا لقيام الليل ، وصيام النهار ، ومزاحمة العلماء بالركب عند
حلق الذكر ، آهاً إلى ذلك. ثم قضى ، وتوفي رضي الله عنه .
(1)
27-30 –
الفجر. (2)
رواه الإمام
أحمد والنسائي من حديث أنس ورجاله رجال الصحيحين . إنه ما بين أن
يثاب الإنسان على الطاعة والإحسان ،
أو يعاقب على الإساءة والعصيان ، إلا أن يقال فلان قد مات ، وما أقرب الحياة من
الممات . وكل ما هو آت آت. ومن آداب المسلم:
الصبر عند المصيبة . فقد مدح الله الصابرين ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا
لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (1) . ثم إن التعجيل بتجهيزه
سنة . لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « أسرعوا بالجنازة فإن
تك صالحة فخير تقدمونها إليه ، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونها عن رقابكم» (2) ــ متفق عليه ــ وغسل الميت
وتكفينه ، والصلاة عليه ودفنه ، فرض كفاية ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
فالصلاة على الميت فرض كفاية . ومن صلى على الجنازة فله قيراط من الأجر ، ومن
شهدها حتى تدفن فله قيراطان ــ متفق عليه ــ وفي البخاري ، أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتسابا ، وكان
معها حتى يفرغ من دفنها ، فإنه يرجع بقيراطين » ، والسنة أن المشاة
يمشون أمام الجنازة ، والركبان خلفها لما روى سالم عن ابن عمر أنه رأي النبي صلى
الله عليه وسلم ، وأبا بكر وعمر ، يمشون أمام الجنازة ــ رواه الخمسة ــ وعن جابر
أنه قال: انصبوا عليّ اللبن نصباً ، واصنعوا بي كما صنع بقبر رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وكان قبره قد رفع عن الأرض قدر شبر. وعن أبي الهياج الأسدي عن علي رضي
الله عنه أنه قال: « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم ؛ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته فلا
يجوز رفع القبر ، ولا البناء عليه لكونه مدعاة إلى الفتنة به ، ثم إلى عبادة
والتوسل به » . والسنة أن القبر يعاد عليه ترابه بدون زيادة .
(1)
156-157-
البقرة . (2)
ورواه معهما
الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة . وروى مسلم في
صحيحه قال: « نهى رسول الله صلى عليه وسلم أن يجصص على القبر
، و أن يقعد عليه ، أو يبني عليه و قد ابتدع الناس في هذا الزمان بدعة التجصص علي
القبر ، ووضع الآجر فوقه . وهذه
بدعة منكرة تدعو إلى متابعة الناس عليها على سبيل العدوى ، والتقليد الأعمى . فمن
الواجب إزالة البناء والتجصيص عن القبور حتى تبقي على حالة ما عليه قبور المسلمين
، يردون تراب القبر عليه بدون زيادة ، ثم يرشونه بالماء ، و يضعون شيئا من الحصاء
فوقه ليحفظ التراب . ثم يقفون يدعون ويتضرعون إلى الله في قبول حسنته ، غفران
سيئته ، ثم ينصرفون أهلهم ، لعلهم ، واعتقادهم أنه لا يزكيه سوى عمله الصالح . لما
دفن عثمان بن مظعون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أخلصوا له الدعاء فإنه الآن يسأل » .
و ما يفعله بعض الناس في بعض البلدان من البناء علي القبور ، ثم العكوف عندها مدة
من الزمان ، فإنه من المنكر ، و يأوول إلى الشرك الأكبر، كما أن أول شرك حدث في الأرض ، هو الغلو
في قبور الصالحين ، بل الطريقة هي أن تدفنوا أمواتكم و ترجعوا إلى دنياكم . و عن أبي سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه وسلم : « لعن النائحة ــ وهي التي تندب الميت ، تعدد محاسنه بصوت عال مع البكاء ،
كأن تقول : وا كاسباه ، وا مطعماه ، وا حياتاه ، وا زينتاه . و قال : « والنائحة إذا
لم تتب قبل موتها ، تقام يوم القيامة و عليها سربال من قطران و درع من حرب » و قد حرم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، و الدعاء بدعاء الجاهلية ،
قالت أم عطية : أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة : أن لا ننوح . و
قال « إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه » . يعني أنه يتألم في قبره
من بكاء أهله عليه . أما البكاء الذي هو مجرد دمع العين ، و حزن القلب ، بدون رفع
صوت ، فهذا لا بأس به . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم : « العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى الرب ، و إنا بفراقك يا
إبراهيم لمحزونون » . و نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبر الميت بالليل ، إلا أن يضطروا
إليه . رواه ابن ماجة ، و أصله في مسلم : « زجر النبي صلى الله عليه
وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه » . و نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن سب الأموات . قال : « لا
تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا » . ــ رواه
البخاري ـــ و في رواية اذكروا محاسن موتاكم ، و كفوا عن مساويهم . فهذه الآداب الشرعية في أدب تجهيز الموتى
. ( واتقوا يوما
ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون ) (1) .
(1)
281 ــ
البقرة . |