الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الوصية في حالة الصحة

وكونها من الحزم وفعل أولي العزم

 

      الحمد لله العفو الغفور ، الرؤوف الشكور ، الذي وفق من أراد هدايته لمحاسن الأمور ، ومكاسب الأجور ، فعملوا بحياتهم أعمالاً صالحة لوفاتهم ، يرجون بها تجارة لن تبور ، وأشهد أن لا إله إلا الله بيده مواقيت الأعمار ، ومقادير الأمور ، وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله ، الداعي إلى كل عمل مبرور ، اللهم صل على نبيك ورسولك ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

     أما بعد : فإن الله سبحانه خلق الناس ، وخلق لهم الدنيا بما فيها من الخيرات ، والفواكه والثمرات ، ليتمتعوا بها إلى ما هو خير منها ، ابتلاء وامتحاناً ؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملا. كلوا من رزق ربكم واعبدوه واشكروا له ، إليه ترجعون .

     كتب سبحانه على الدنيا الفناء ، وعلى الآخرة البقاء ، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء ( يا قوم  إنما هذه الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار . من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) (1) .

فسمى الله الدنيا دار متاع . والمتاع ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع عنه . مأخوذ من متاع المسافر. (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) (2) . وقال ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (3) .


 


(1)                 39-40 – غافر.

(2)                 38 – التوبة .

(3)                 20 – الحديد و185 – آل عمران .

 

وقد جعل الله الدنيا مزرعة للآخرة ، تزرع فيها الأعمال الصالحة ، والأعمال السيئة ، فمن زرع خيراً حصد خيراً ، ومن زرع شراً ، حصد شراً ، ولكل زارع ما زرع .

ويحصد الزارعون ما زرعوا

 

غداً توفي النفوس ما عملت

وإن أساءوا فبئس ما صنعوا

 

إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم

فما عيب الدنيا بأكثر من ذكر فنائها ، وتقلب أحوالها ، وهو أدل دليل على زوالها ، فتتبدل صحة الإنسان فيها بالسقم ، ونعيمه بالبؤس ، وحياته بالموت ، وعمارة فيها بالخراب ، والاجتماع فيها بفرقة الأحباب ، وكل ما فوق التراب ترب .

فلا تصفوا لأحد بحال ، محفوفة بالأنكاد والأكدار ، وبالشرور والأضرار ، وبالهموم والغموم . والأحزان ، فلا يهذبها ويصفيها سوى الدين ، وطاعة رب العالمين .

وما أقبح الكفر والإفلاس في الرجل

 

ما أحسن الدنيا مع الدين إذا اجتمعا

إن المؤمنين يعلمون بطريق اليقين أنهم في الدنيا بمثابة الغرباء المسافرين ، وأن لهم داراً غير دار الدنيا ، هي دار الآخرة . دار البقاء ، فهم يتزودون للنقلة إليها ، لعلمهم أن الدنيا دار فناء ، وأن الآخرة هي دار القرار ، فهم يتزودون من الدنيا للفوز بالآخرة . ( تزودوا فإن خير الزاد التقوى) (1) .

لو كان في العالم من يسمع

 

لقد نادت الدنيا على نفسها

وجامع بددت ما يجمع

 

كم واثق بالعمر أفنية


 


(1)                 197 – البقرة .

 

لها في كل حين قتيل من الناس ، فمنهم من يموت بالحرق ، ومنهم من يموت بالغرق ، ومنهم من يموت بالصدم ، ومنهم من يموت بانقلاب السيارة ، ومنهم من يموت فجأة بداء السكتة . تنوعت الأسباب والموت واحد. ومع هذا كله . فقد انخدع أكثر الناس فيها بطول الأمل ، عن تصحيح العمل ، والتأهب للأجل .

     وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يشب ابن آدم ويشب معه اثنتان: الحرص على الدنيا ، وطول الأمل » (1) . فالحرص على الدنيا المذموم ، كونه يتناول المال عن طريق الحرام ، وكونه يشغله ماله عن عبادة ربه وعن أداء واجباته ، من صلاته وزكاته ، كما أن طول الأمل المذموم هو الذي يمنع صاحبه عن تصحيح عمله ، وتحسين خاتمة عمره ، فتراه يندفع إلى فعل الأمر المحظور عليه ، ويقول: سأعمل ثم أتوب ، وقد يفاجئه الأجل قبل التوبة .

فالمسلم العاقل؛ يجب عليه أن يأخذ بالحزم  وفعل أولي العزم ، من التوثق في أمور حياته ، لما بعد وفاته ، لما في الصحيح من حديث ابن عمر . أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: « ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» (2) . وكان العقلاء من السلف الصالح يتأهبون بكتابة وصاياهم ، وتخليدها في حالة صحتهم ، عملاً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ، وأخذا بالحزم في حياتهم .

     وتتأكد الوصية في حق من عليه حقوق الناس . وأحق شيء يوصي به الشخص هو الخروج من المظالم ، وأداء الديون ، وحقوق الناس . لأن هذه من الأمور التي لا يترك الله منها شيئاً .

 


 


(1)                 رواه البخاري.

(2)                 رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .

 

وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (1). ولما ضمن أبو الدرداء دين الميت ــ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هل أديت دين الميت؟ قال: نعم. قال: الآن بردتَ عنه جلدته» (2) . فعلمنا من هذا الحديث أن الميت لا يبرأ بضمان الحي لدينه ، وإنما يبرأ بأداء الدين إلى صاحبه . ويجب أن يراعى العدل ، ويجتنب الحيف في وصيته ، فلا يفضل بعض ورثته على بعض ، لا في العطية ، ويكل أمرهم إلى ربهم ( إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما) (3) .

     فالمبرور بطريق الجنف مضرور . كما أن المحروم من حقه محروم ، أي تسبق له الرحمة من الله . ثم إنه قد شاع بين الناس من عوائدهم الوصية بالثلث، كأنه من الأمر الواجب على كل أحد ، سواء كان غنياً أو فقيراً ، وهذا خطأ . فإن الوصية بالثلث ليست مستحبة لكل أحد . فالمقل من المال الذي ليس عنده مال كثير ، وقد يكون له عيال صغار كثيرون فإن ترك الوصية في حقه أفضل من الوصية بالثلث . لأن ما يخلفه من المال لعياله وورثته فإنه بمثابة الصدقة منه عليهم . كما في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير وأحب إلى الله من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وأنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ، إلا آجرك الله عليها ، حتى ما تجعل في في امرأتك » . ولأن الوصية في الثلث ، يحرج عياله ببيع بيتهم الذي يسكنون فيه في حياتهم لأن بيعه من لوازم تصفية الثلث ، فترك الوصية للمقل من المال خير من الوصية .

     ومثله الوصية بالأضحية ؛ فإن الأضحية إنما شرعت في حق الحي شكرا لبلوغ عيد الإسلام . أما الميت فلا أضحية له . فمن أراد أن يضحي عن والديه الميتين فإن الصدقة أفضل في حقهما .


 


(1)                 رواه أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة .

(2)                 رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث جابر .

(3)                 135 – النساء .

 

أما الغني المكثر من المال ، الذي له عقارات ، وأسهم في الشركات وفي البنوك ، له ديون عند الناس قد يكون عليه حقوق الناس.  فالوصية بالثلث جائزة في حقه . لكن فيها نوع حرج ومشقة على الوصي، وعلى الورثة لصعوبة التخلص من الثلث الذي يشمل كل شيء. والذي ننصح به و ندعو إليه: هو: أن يوصي بشيء معلوم من المال . ثم ينظر إلى أرحامه وجيرانه وفقراء بلده ، فيوصي لكل واحد منهم بشيء معلوم ، يأخذه قبل أن يأخذه الوارث حقه .

     وإن أراد أن يوصي ببعض أرحامه بشراء بيت فعل. أو بناء مسجد وبيت يسكنه إمام المسجد فعل، فإن هذا طريق الوصية الصحيحة ، وإن أوصى بوقف عقار في  عمل البر والخير فحسن. وهي أسهل في حق الوصي والورثة. فما نفع الإنسان مثل اكتسابه لنفسه ، دون أن يتكل في تنفيذ وصيته على غيره. ولا ينسى فعل الخير في حالة حياته وصحته .

ففي الصحيحين: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فقال: يا رسول الله ، أي الصدقات أعظم أجراً ؟ قال: « أن تتصدق وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى وتخشى الفقر. ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم ، قلت: لفلان كذا ، ولفلان كذا ، وقد كان لفلان كذا» (1) . وروى أبو داود عن أبي سعيد. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته» .


 


(1)                 رواه في الصحيحين عن أبي هريرة .

 

فالوصية بالمعروف مشروعة بالكتاب والسنة . وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
« إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له» (1) .

والوصية الواقعة موقعها من الصحة ، هي من قبيل الصدقة الجارية ، التي يجري أجرها لصاحبها بعد موته . والنبي صلى الله عليه وسلم قال: « أتاني جبريل . فقال يا محمد: عش ما شئت فإنك ميت. وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به . وأعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس» (2) .

ثم إن هذا الموت الذي يفزع الناس منه ، والذي أفسد على أهل النعيم نعيمهم في الدنيا ، ليس هو فناء أبدا. لكنه انتقال من دار إلى دار أخرى ليجزي فيها الذين أساءوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى .

فلا يجزع من الموت إلا الذي لم يقدم لآخرته خيراً ، فهو يكره الموت لكراهته لقاء ربه من أجل ما قدمه من سوء عمله ، أما المؤمن الذي قدم لآخرته عملاً صالحاً ، فإنه لا يكره الموت حين نزوله به ، لفرحه بلقاء ربه ، وثواب عمله . فإن من قدم خيراً ، أحب القدوم عليه ، ولأن صنائع الإحسان تقي مصارع السوء . والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح « من أحب لقاء الله ، أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله ، كره الله لقاءه» .

فقال بعض من سمعه من الصحابة كلنا يكره الموت يا رسول الله . فقال: « إنه ليس الأمر كذلك، ولكن الإنسان إذا كان في انقطاع من الدنيا ، وأقبل على الآخرة ، فإن كان من أهل الخير بشر بالخير فأحب لقاء الله ، وأحب الله لقائه. وإن كان من أهل الشر ، بشر بالشر ، فكره لقاء الله ، وكره الله لقائه» (3).


 


(1)                 رواه مسلم .

(2)                 رواه الشيرازي في كتاب الألقاب والكنى ، والحاكم في الرقائق والبيقهي في الشعب ، كلهم عن سهل بن سعد بن مالك الخزرجي الساعدي.

(3)                 رواه البخاري ومسلم من حديث عبادة ابن الصامت ورواه الإمام أحمد من حديث أنس.

 

لهذا يقال للمؤمن عند الاحتضار:  ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) (1) . كما  يقال للفاجر يا أيتها النفس الخبيثة ، أخرجي إلى سخط من الله وغضب . وهكذا حال الناس لا يخرجون عن هذين الوصفين .

فواجب العاقل أن ينظر في أي الفريقين . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأي شيئاً من زهرة الدنيا وزينتها فأعجبه قال: « اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة » (2) . يشير بهذا إلى أن عيش الإنسان في الدنيا زائل ومنقطع لا محالة وأن العيش الدائم الصافي هو ما يتحصل عليه المؤمن بعد موته ، حين ينتقل من حياة الدنيا إلى حياة الآخرة ، وإذا دخل أهل الجنة الجنة ، وذاقوا حلاوة نعيمها ، وما أعد الله لهم فيها فعند ذلك يتذكرون حالتهم في الدنيا ، وما أصابهم من الأنكاد والأكدار ، والهموم والأحزان ، فيقولون (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور . الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) (3) .

إنه ما بين أن يثاب الإنسان على الطاعة والإحسان ، أو يعاقب على الإساءة والعصيان ، إلا أن يقال فلان قد مات . وما أقرب الحياة من الممات ، وكل ما هو آت آت. فانتبهو من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.


 


(1)                 27 – 30 – الفجر .

(2)                 متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس .

(3)                 34- 35 – فاطر .