الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

صلة الأرحام وكونها من الأعمال الميمونة

في بسط الرزق وبركة الأعمار

 

      الحمد لله الذي وفق من أراد هدايته للإسلام ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام .

          أما بعد: فقد قال الله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) (1) فأمر الله سبحانه عباده بتقواه؛ التي هي امتثال أمره في الطاعة والإحسان ، واجتناب نهيه في العقوق وقطيعة الأرحام ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) (2) .

     وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدعو إلى صلة الأرحام في بداية دعوته ، كما يدعو إلى عبادة الملك العلام ، يقول عبد الله بن سلام: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، إنجفل الناس عنه، فلما رأيته ،  علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فسمعته يقول: « يا أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (3) . وفي صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة ، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأصنام ، إذ سمعت برجل يخبر أخباراً بمكة ، فقعدت على راحلتي حتى قدمت عليه


 


(1)                 1 – النساء .

(2)                 90 – النحل .

(3)                 رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .

 

     فرأيت رجلا جراء عليه قومه ، فتلطفت حتى دخلت عليه ، فقلت له: ما أنت؟ قال: « أنا نبي. قلت: وما نبي ؟ قال: أرسلني الله . قلت: وما أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام ، وكسر الأوثان ، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء . قلت: ومن معك على هذا ؟ قال: معي حر و عبد . ومعه يومئذ أبو بكر وبلال. قلت: إني متبعك على هذا . قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا . أما ترى حالتي وحالة الناس؟ ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد خرجت فأتني»  وذكر بقية الحديث .

     وفي قضية أبي سفيان بن حرب ، لما سافر إلى الشام ، وسأله هرقل عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال له بعد سؤال طويل: ماذا يأمركم به؟ قلت: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة ، والصدق ، والعفاف ، والصلة . فقال: إن كان ما تقول حقاً ، فسيملك موضع قدمي هاتين .

     ولما بدئ بنزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقي منه من الشدة ما هاله. قالت له خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً . إنك تصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق .

     فعلمت خديجة بفراستها الصادقة ، أن هذه الخلال ، من تحلى بها كان في كلاءة من الله ، وحفظ ورعاية ، وكان جديرا بكل خير ، بعيداً عن كل شر ، لأن صنائع الإحسان تقي مصارع السوء.

فحلو وأما وجهه فجميل

 

ولم أر كالمعروف أما مذاقه

وأن صلة الرحم هي عنوان الشرف والمجد والكرم ، وينجم عناه العطف واللطف ، والحنان والإحسان.

 

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فجاءه رجل ، فقال: يا رسول الله أخبرني عن أكرم الناس. فقال: « أكرم الناس أتقاهم للرب ، وأوصلهم للرحم ، وآمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر» (1) .

ثم إن صلة الرحم ، هي من الأسباب التي ينزل الله بها البركة في المال ، وفي العيال ، وصالح الأعمال .  كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من أحب أن يبسط له في رزقه ، وأن يمد له في عمره ، فليصل رحمه » . وهذا أمر مشهور ، يشهد به الواقع المحسوس من ذاق منه عرف . ومن حرم انحرف . فصلة الرحم يدر الله بها الثمار ، ويبارك بها في الأعمار ، حتى ولو كان المتصف بها الكفار ، لأن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا ، من صحة حال، وكثرة مال أو عيال ، وليس له في الآخرة من نصيب . أما المؤمن فإنه يطعم بها في الدنيا ويدخر ثوابها له في الآخرة ، فيحصل الحسنتين ، ويفوز بالسعادتين: سعادة الدنيا ، وسعادة الآخرة . إن الواصل لرحمه ، موصول من ربه بالبر والخير ، والبركة ، لما في الحديث أن النبي صلى قال: قال الله عز وجل: « أنا الرحمن . خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» (2) فمعنى وصلته أي أوصلت إليه كل خير . ومعنى قطعته أي قطعت عنه كل خير . فالواصل موصول والقاطع مقطوع .

أنى توجه والمحروم محروم

 

ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه

 

وحسبك ما في القرآن: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (3) .


 


(1)                 رواه ابن حبان في كتاب الثواب والبيقهي في كتاب الزهد وغيره من حديث درة بنت أبي لهب .

(2)                 رواه  أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة .

(3)                 22 – 24 – محمد .

 

إنه ما بخل أحد بنفقة واجبة من زكاة وصلة رحم ، إلا سلطه الشيطان على نفقة ما هو أكثر منها في سبيل الباطل ، والإسراف والتبذير . يقول الله ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً ) (1) .

إن الأرحام إذا توانسوا وتجالسوا ، تعاطفوا وتلاطفوا ، فتشملهم البركة والرحمة في حالهم ومالهم وعيالهم ، ويشتهرون عند الناس بالبر والصلة ، وسائر الأعمال الحسنة ، فيتحابون ويتعاطفون على حد ما قيل:

وإن تنأ عني تجدني عنك نائبا

 

إن تدن مني تدن منك مودتي

وبضدهم نحد بعض القبائل ينشأون على العقوق والقطيعة فيما بينهم ، فيتباغضون ويتقاطعون ، ويتوارثون العداوة والبغضاء فيما بينهم . ومنهم إلى أهلهم وأولادهم . فالرجل لا يسلم على أخيه ، ولا على ابن عمه، ولا يجيب دعوته . وكذا النساء مع النساء ، والأولاد ، فيشملهم الشؤم والفساد في حالهم ومالهم وعيالهم ، لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة والزئبق.

إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع

 

وللخير أهل يعرفون بهديهم

تشير إليهم بالفجور الأصابع

 

وللشر أهل يعرفون بشكلهم

ثم لنعلم أن ليس الواصل بالمكافئ ، لأن المكافأة يفعلها الأعداء مع الأعداء ، والبعداء مع البعداء ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ؛ لأن الواصل على الحقيقة يعامل ربه بصلته لرحمه حتى لو جفاه قريبه لم يشركه على صلته وإحسانه ، أو لم يكافئه على معروفه ، فإنه لا ينبغي أن يقطع صلته وإحسانه ، لأنه لو ضاع معروفة عنده ، فإنه لن يضيع عند الله عز وجل .


 


(1)                 26 – 27 – الإسراء

 

من يفعل الخير لا يعدم جوازيهس

 

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أفضل الصلة صلة الرحم الكاشح» (1) أي المضمر للعداوة . لأن صلتك له مع إضماره لعداوته تدل على حسن النية ، وصلاح السيرة والسريرة، ولهذا كان من خلق النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، ويعفو عمن ظلمه. وقد أرشد القرآن الحكيم إلى ذلك بقوله: ( و لا تستوي الحسنة و لا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ  عظيم.(2) ويعدون من مكارم الشعر ــ وإن من الشعر ــ لحكمة ــ قول معن بن أوس في رحم له قد جفاه فعامله بلطفه وإحسانه حتى أحبه واصطفاه وأنشد :

بحلمي عنه وهو ليس له حلم

 

وذي رحم قلمت أظفار ضغنه

وكالموت عندي أن يحل به الرغم

 

يحاول رغمي لا يحاول غيره

وما تستوي حرب الأقارب والسلم

 

صبرت على ما كان بيني وبينه

وقد كان ذا ضغن يضيق به الجرم

 

لأستل منه الضغن حتى استللته

أ تدرون من هم الأرحام الذين أوجب الله صلتهم ، وحرم عقوقهم وقطيعتهم ؟ هم آباؤكم ، وأمهاتكم وإخوانكم ، وأخواتكم ، وأعمامكم وعماتكم ، وأخوالكم ، وخالاتكم ، وأولاد العم ، والعمة ، وأولاد الخالة والخال .


 


(1)                 رواه الطبراني وابن خزيمة في صحيحه والحاكم عن أم كلثوم بنت عقبة بلفظ أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح .

(2)                 24 – 25 – فصلت .

 

وتعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم . فإن صلة الرحم مثراة في المال ، منسأة في الأثر . وصلة الأرحام تكون بالسلام ، وبالتحفي والإكرام ، وبالزيارة بالأقدام ، وبإرسال التحف والهدايا وسائر وسائل الإكرام . ففي الحديث: « تهادوا تحابوا، فإن الهدية تسل السخيمة وتذهب وحر الصدر» (1).

فآكد الحقوق بر الوالدين ، فإن رضي الرب في رضي الوالدين ، وسخط الرب في سخط الوالدين فبروا آباءكم ، تبركم أبناؤكم . وعفوا تعف نساؤكم . وما من ذنب أحرى من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخر في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم.

     جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إن أبوي قد ماتا ، فهل بقي  علي من برهما شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: « نعم الصلاة عليهما . يعنى الدعاء والاستغفار لهما ــ وإنفاذ عهدهما من بعدهما ــ أي الوصية التي وصيا بها ــ وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما من بعدهما» (2) .

وأجمع العلماء على وصول ثواب الصدقة إليهما بعد موتهما من ولديهما كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك . وكذلك الدعاء: ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له» .


 


(1)                 رواه البخاري من حديث أبي هريرة ورواه البزار بإسناد ضعيف من حديث أنس.

(2)                 رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه .

 

أما الأضحية فإنها إنما شرعت في حق الحي ، ولم تشرع عن الميت ، فلا يصل إليه ثواب ذبحها. والمشروع هو أن يتصدق عن والديه بقيمة هذه الأضحية على الفقراء والمساكين. لإجماع العلماء على وصول ثواب الصدقة سيما عشرة ذي الحجة التي العمل الصالح فيها أفضل من العمل في سائر السنة ، وتصادف من الفقير موضع حاجته ، وشدة فاقته ؛ لما يتطلبه العيد من النفقة ، والكسوة ، له ولعياله فتقع بالموقع يحبه الله .

والحاصل أن من وقفه الله لإحسانه ، وأعانه على صلة أرحامه ، فليعلم أنها هداية من الله خصه بها ، ووفقه إليها . فحذار حذار أن يبطل ثواب صلته وإحسانه ، بامتنانه بلسانه ، فإن الامتنان بالصلة والإحسان يبطل ثوابه بالسنة والقرآن يقول الله ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) (1) فالمن: هو أن يمتن عليه بها ، فيقول ، فعلت فيك كذا وفعلت كذا . والأذى هو أن يكثر من ذكرها في المجالس على سبيل الامتنان ، وتعداد الإحسان ، والله يقول:  ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) (2) . والعلماء يعدون الامتنان بالإحسان أنه غاية في الدناءة و  الرذالة والهوان .

وإن المعروف يحتاج في تكميله إلى تعجليه ، وتصغيره وستره ، يخفى صنائعه ، والله يظهرها. أما الامتنان بالصلة والإحسان ، فإنه بمثابة الهدم للبنيان ، فهم يمدحون الذي يواصل إحسانه مع ستره وكتمانه ، كما قيل:

إذا فعل المعروف زاد وتمما

 

يرب الذي يأتي من الخير أنه

تتبعه بالنقض حتى تهدما

 

وليس كبان حين تم بناؤه

ومن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ، و لا يزكيهم: المسبل إزاره خيلاء ، والمنان بعمله ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذبة . ولهذا قيل:

فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقياً

 

إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى

     نسأل الله سبحانه: أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيينا على ذكره وشكره ، وحسن عبادته .


 


(1)                 264 – البقرة .

(2)                 263 – البقرة .