الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

تفسير سورة " سبّح اسم ربك الأعلى"

 

      الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، ونصلى ونسلم على رسول الله الصادق الأمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله .

          أما بعد: فقد قال الله تعالى ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ــ بسم الله الرحمن الرحيم . سبح إسم ربك الأعلى . الذي خلق فسوى . والذي قدر فهدى .

     كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يستحب قراءة المسبحات ، وخاصة هذه السور ، فكان يقرأ بها في المجامع العظام ، كيوم الجمعة ، ويوم العيد ، لفضل ما اشتملت عليه من الأحكام ، والمواعظ العظام . ولما نزلت ( سبح إسم ربك الأعلى) قال النبي صلى الله عليه وسلم:    « اجعلوها في سجودكم » (1) . و لما نزل قوله ( فسبح بإسم ربك العظيم ) ، قال: « اجعلوها في ركوعكم » (1) .

     بدأ هذه السور بالأمر بالتسبيح . إذ معنى التسبيح: التنزيه ، التقديس لله ، وفيه فضل عظيم ، وقد أعاد سبحانه وأبدى من ذكره ، تارة بلفظ الأمر ، كقوله ( سبّح إسم ربك الأعلى) (2) ( وسبّح بحمد ربك حين تقوم ) (3) وتارة بلفظ الماضي كقوله: ( سبح لله ما في السموات وما في الأرض) (4) وتارة بلفظ المضارع كقوله ( يسبح لله ما في السموات وما في الأرض ) (5) وتارة بلفظ المصدر كقوله ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) (6) .


 


(1)                 رواهما الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة .

(2)                 1 – الأعلى .

(3)                 48 – الطور .

(4)                 الحشر والصف .

(5)                 الجمعة والتغابن.

(6)                 17 – الروم .

 

     وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: بأن التسبيح ، و التحميد ، يقوم مقام الصدقة بالمال ؛ وخاصة الفقراء الذين لا مال لهم ، فقال:« إن بكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ،وكل تكبيرة صدقة» (3).

     ثم إن التسبيح ، و التحميد عند النوم يخفف الآلام ، ويلطف المشاق العظام . كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم علياً وابنته فاطمة ، وقال: هو خير لكما من خادم . ثم قال (الذي خلق فسوى) أي خلق الإنسان

في أحسن تقويم ، ، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً . فلا تظنوا أن شيئاَ احسن من الإنسان ، لا الظباء ، ولا الخيل ، ولا النعام .

     (والذي قدر) أي ـ خلقه . فخلق كل شيء بمقادير مضبوطة ، فهدى إلى ما قدر من هذا التقدير، كون بعض الدواب، كالظباء ، وغيرها ، تلد في البر ، ثم يقوم ولدها ، ويهتدي لرضاع ثديها ( والذي أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى) أي بينما العشب خضرأ أنضرأ ، فإذا هو هشيم يابس ، وكذلك حالة الإنسان ، بينما يكون شاباً ، ثم كهلاً ، فإذا هو شيخ كبير ضئيل .

يحور رماد بعد ما هو ساطع

 

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه

     ( سنقرؤك فلا تنسى) وهذه معجزة عظمى ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتيماً ، أمياً ، لا يكتب ، و لا يقرأ المكتوب ، كحاله أكثر قريش ، كصفة الأعراب المتنقلة ، ويسمون بالأميين، 


 


(1)                 الجمعة والتغابن .

(2)                 17 – الروم .

(3)                 من حديث رواه مسلم عن أبي ذر .

 

ووصف الله نبيه بالأمي في قوله ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) (1) .

     فالأمية: هي معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم لئلا تتطرق إليه الظنون الكاذبة ، فيقولون: كتبه من كتاب كذا ، أو تعلمه من كتاب كذا ، يقول الله ( وما كنت تتلوا من قبله كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) (2) فالأمية مع معجزات نبوته ، وليست من سنته ، بل حاربها ، حيث نشر العلم ، وتعلم الكتابة بين أصحابه ، وكان أول ما أنزل الله عليه من القرآن: سورة القلم .

     نشأ النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً في حجر عمه أبي طالب ، كأحد أولاد قريش ، ورعى الغنم في صغره كما في الحديث:  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما من نبي إلا وقد رعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها بقراريط لأهل مكة » (3) .

     وليس في مكة مدارس ، ولا كتب . وبقي على حالته حتى بلغ أربعين سنة من عمره .

     ثم فاجئه الحق ، ونزل عليه الوحي بغار الحراء . والله أعلم حيث يجعل رسالته ، وأخذ القرآن ينزل عليه تدريجياً بدون أن ينسى شيئاً منه ، وحتى نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة على طولها ، وهي جزء كامل ، بدون أن ينسى شيئاً منها


 


(1)                 157 – الأعراف .

(2)                 48- العنكبوت .

(3)                 رواه البخاري عن أبي هريرة ، ورواه أصحاب السير .

 

لأن الله يقول ( سنقرؤك فلا تنسى ) (1) .  ونحن في تحفظنا للقرآن ، مكثنا مع سورة الأنعام فوق الشهر لإتقان حفظها ، نتغالب معها أحياناً نذكر ، وأحياناً ننسى ، وفي البخاري: عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي ، يحرك شفتيه ، خشية أن ينساه. فأنزل الله ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ــ أي بحفظه ــ إن علينا جمعه و قرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ــ أي استمع ، وأنصت له ــ ثم إن علينا بيانه ) (2) . أي علينا أن نجمعه لك في صدرك ، ثم تقرأه بدون أن تنسى شيئاً منه .

     فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل الوحي ، سكت ، وإذا أقلع عنه ، قرأه كما كان يقرؤه. وقوله ( إلا ما شاء الله إ نه يعلم الجهر وما يخفى ) فهذا الاستثناء قبل للمنسوخ من القرآن ، وقيل للتأكيد.

     ( ونيسرك لليسرى ) أي للشريعة السمحة السهلة ، ليست بشاقة . من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« صل قائماً . فإن لم تستطع ، فقاعداً ، وإن لم تستطع ، فعلى جنب ، وإلا ، فأوم إيماء» (3) . ورأي رجلاً يصلي على وسادة قد رفعت له ، فرمى بها ، وقال: « صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء . وقال في الصيام ( ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر. يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) (4) . ورخص للشيخ الكبيري أن يفطر ؛ ويطعم عن كل يوم مسكيناً . وهذا كله من التيسير ، وعدم التعسير ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) (5) فقولهم: إن شرائع الإسلام تكاليف شاقة ، خطأ . فإنها قرة العين ، ولذة للروح في حق من اعتادها وتمرن على فعلها .


 


(1)                 6 – الأعلى .

(2)                 16-19 – القيمة .

(3)                 رواه البخاري من حديث عمران بن الحصين .

(4)                 185 – البقرة .

(5)                 78 – الحج .

 

ورسخ في قلبه محبتها ، وقد ذاق طعم الإيمان من رضي الله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً ورسولا. ثم قال ( فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ) .

     فأمر الله نبيه بأن يذكر الناس ، إن نفعت الذكرى ــ أي ما دامت قلوبهم مقبلة على الاستماع ، للأتباع والانتفاع ، كما قال: ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) (1) . وقال: ( فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر) (2) أي لست بمسلط على إدخال الهداية قلوبهم ( إن عليك إلا البلاغ ) (3) وأفضل الأعمال : إيقاظ الراقدين ، وتنبيه الغافلين ، لأن الله يقول: ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (4) فالتذكير بمثابة الصقال للقلوب عن الصدأ ، ومن الصدقة: كلمة حكمة ، تدل بها على الهدى، وتردع بها عن السفاه والردي .

     وكانت عامة مجالس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ، إنما هي مجالس وعظ ، وتذكير بالله . إما بتلاوة القرآن ، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة ، كما أمر الله في كتابه بأن يقص ، ويعظ ، ويذكر ، ويدعو إلى دينه ، وإلى سبيل ربه ، بالحكمة ، والموعظة الحسنة . وسماه الله بشيراً ونذيراً .

     ولهذا شرعت الخطبتان في الجمعة ، لتذكير الناس بما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم . وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الإصغاء والاستماع لهما ، وعدم الاشتغال بالكلام ، وقال: « من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً ، ومن قال لصاحبه أنصت فقد لغا ، ومن لغا، فلا جمعة له » (5) .


 


(1)                 45 – ق .

(2)                 21-22- الغاشية .

(3)                 48 – الشورى .

(4)                 55 – الذاريات .

(5)                 متفق عليه عن أبي هريرة والإمام أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة ولكن بلفظ " إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت" .

 

     وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تفاوت الناس في الاستماع ، والانتفاع . ففي الصحيحين عن أبي موسى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: : « مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم كمثل الغيث الكثير ــ أي مطر وابل ، أصاب أرضاً فكان منها نقية قيلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ــ فهذا مثل من استمع ، وانتفع بما سمع ، ودعا الناس إليه ، فكان من الذين يسمتعون القول فيتبعون أحسنه ، وكانت منها أجادب ، أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ـ أي من هذا الماء ، الذي أمسكته فهذا مثل من يستمع الحكمة ، فيحفظها ، ويؤديها كما سمعها لكنه مقصر في العمل بما يسمع ، فهو عليم اللسان ــ ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به » (1) . فهذا يعد من شر المستمعين الذين إذا ذكروا لا يذكرون ولهذا قال ( سيذكر من يخشى ) أي أن من يخشى الله ، ويتقيه ، فإنه ينتفع بما سمع ، ورأس العلم ، خشية الله . وكفى بخشية الله علماً والاغترار به جهلا ( ويتجنبها الأشقى) أي يتجنب سماع التذكير ، والانتفاع به ، الشقي ، الذي استحكم الشقاء على قلبه ، فهو قاسي القلب ، وما ضرب الله عبداً بعقوبة أعظم من قسوة القلب ، وإن أبعد القلوب من الله ، القلب القاسي .

     و شكى رجل إلى الحسن البصري قساوة قبله ، فقال: أدنه من مجلس الذكر .


 


(1)                 من حديث رواه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري .

 

     وفي البخاري عن طارق ابن شهاب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً في حلقة من أصحابه، فدخل ثلاثة نفر ، فأما أحدهم ، فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ، أما الثاني، فاستحيا ، وجلس خلف الحلقة ، وأما الثالث ، فأعرض ، وخرج. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أ لا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أما أحدهم فآوى إلى الله ، فآواه الله . وأما الآخر ، فاستحيا ، فاستحيا الله تعالى منه ، وأما الآخر، فأعرض ، فأعرض الله تعالى عنه» (1) .

     فجعل المعرض عن التذكير ، معرضاً عن الله ، يقول الله ( ومن يعش ــ أي يعرض ــ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) (2) .

     ومعنى قوله ( ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها و لا يحيى) لأن أهل النار يتمنون الموت ليستريحوا به من العذاب ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون . لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون) (3) .

     ثم قال:  (  قد أفلح من تزكى ) .

     والله يحقق الفلاح ، وهو الفوز والنجاح لمن تزكي ــ أي أدى زكاة ماله ، طيبة بها نفسه ، يغتنمها مغنماً له عند ربه ، يعلم بطريق اليقين إن ما أنفقه ، فإن الله سيخلفه . وسميت زكاة ، لكونها تزكي المال أي تنميه ، وتطهره ، وتنزل البركة فيه ، كما تزكى إيمان مخرجها من مسمى الشح ، والبخل ، وتطهره، ويقول الله ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) (4) .


 


(1)                 أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي واقد الليثي .

(2)                 36-38 – الزخرف .

(3)                 77-78 – الزخرف .

(4)                 103 – التوبة .

 

ومنها: التزكية بالمحافظة على الفرائض ، والفضائل ، والتنزه عن منكرات الأخلاق ، والرذائل ، لأنه هذه: هي التي تزكي النفوس وتشرفها ، وتنشر في العالمين فخرها ( قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها ) (1) .

فكن طالباً للنفس أعلى المراتب

 

    وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى

ثم قال:  (واذكر إسم ربه فصلى) فدائماً يقرن سبحانه الصلاة بالزكاة في كثير من الآيات ، وقيل: نزلت هذه الآية في صلاة العيد ، وفي زكاة الفطر .

( بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى ) إن الله سبحانه أخبر عن الناس بأنهم يحبون الحياة، ويؤثرون العمل لها على العمل لآخرتهم ، و يحبون المال حباً جماً ، لكون النفوس ، مولعة بحب العاجل ( إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورائهم يوماً ثقيلا ) (2) . فمحبة الحياة ، ومحبة المال ، هي من الأشياء التي جبل البشر عليها ، وقد وصف الله الإنسان ، بأنه لحب الخير لشديد ، والخير هو المال الكثير ، فلا عيب في محبة الإنسان للحياة ، أو المال ، إذا لم تخرج به محبته عن حد الاعتدال، كما قيل:

يقول وقد لاقى النعيم بجنتي

 

دع الذم للدنيا فكم من موفق

فيا ليت أيامي أطيلت و مدتي

 

حياتي لو امتدت لزادت سعادتي

فمحبة الدنيا ، ليس مذموماً على الإطلاق ، وإنما يذم إذا خرج بصاحبه عن حد الاعتدال


 


(1)                 9-10 – التوبة .

(2)                 27 – الانسان .

 

بأن أشغل صاحبه عن عبادة ربه ، أو بخل بما أتاه الله من فضله ، لأن البر ، وفعل الخير ، وهو همة التقي ، ولا يضره لو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا ، وقد مدح الله التجار الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكره الله ، و إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار . فهؤلاء يشتغلون في الدنيا بجوارحهم ، وقلوبهم متعلقة بالعمل لآخرتهم ، فحصلوا الحسنتين ، وفازوا بالسعادتين ، فكانت أعمالهم بارة ، وأرزاق الله عليهم دارة ثم قال ( والآخرة خير وأبقى) .

     لما بين سبحانه محبة الناس للعاجلة  استدعاهم إلى العمل للآخرة ، فإنها خير من الدنيا وما فيها ، ولأن العمل للآخرة ، هو أكبر ما يستعان به على الدنيا وبركتها ، والسعادة فيها ، لكون الدنيا محفوفة بالأنكاد والأكدار ، وبالهموم والغموم ، والأحزان ، ولا يهذبها ويصفيها سوى الدين، وطاعة رب العالمين .

     وفي الأثر إن الله يقول : « ابن آدم ، أنت إلى نصيبك من الآخرة ، أحوج منك إلى نصيبك في الدنيا ، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا ، فاتك نصيبك من الآخرة ، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة ، مر على نصيبك من الدنيا ، فانتظمه انتظاماً » . ويدل لذلك ما رواه ابن ماجة ، والترمذي ، من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قال الله عز و جل ابن آدم . تفرغ لعبادتي ، أملأ قلبك غنى ، وأسد فقرك. وإن لا تفعل ملأت قلبك شغلاً ، ولم أسد فقرك » (1) .

 


 


(1)           وفي رواية عن معقل ابن يسار بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقراً وأملا يديك شغلاً " رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد .

ثم قال: ( إن هذا لفي الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى) يشير إلى أن هذه الموعظة من آخر السورة المبدوءة بقوله ( قد أفلح من تزكى)  إنها في صحف إبراهيم وموسى سواء كانت مذكورة في صحف إبراهيم بلفظها ، أو بمعناها ، وكلاهما محتمل.

     اللهم اجعلنا ممن اتبع القرآن فقاده إلى رضوانك والجنة ، ولا تجعلنا ممن اتبع القرآن فزج في قفاه إلى النار .