الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

                                                            

الأمانة و موقعها من الديانة

 

      الحمد لله العفو الغفور . و أشهد أن لا إله إلا الله وحده ، بيد مواقيت الأعمار ، و مقادير الأمور .  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . الداعي إلى كل عمل مبرور . اللهم صل عليه وعلي آله صحبه و سلم تسليما كثيرا.

     أما بعد: فأعلموا رحمكم الله : أن الأمانة شأنها كبير ، و موقعها عند الله عظيم . يقول الله : ( يا أيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول و تخونوا أمانتكم و أنتم تعلمون ) (1) .

     فدلت هذه الآية على أن من خان أمانته ، فقد خان ربه ، و خان نبيه ، و لن يضر الخائن إلا نفسه . قال أنس رضي الله عنه : ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: « إنه لا إيمان لمن أمانة له» (2) . و جاء رجل من أهل العالية فقال : يا رسول الله . أخبرني بأشد شيء في هذا الدين . فقال الأمانة يا أخا العالية إنه لا دين لمن لا أمانة له ، ولا صلاة ، ولا زكاة له (3) .

     و الأمانة تارة تكون بين الخلق فيما يتعاملونه بينهم من التبايع و الودائع و الكيل ــ والوزن ، و تارة تكون بين العبد و بين ربه في الفرائض الواجبة المسماة بالتكاليف الشرعية . فالوضوء أمانة ، والزكاة أمانة ، والصيام أمانة . و هكذا سائر الأعمال ، تجري على هذا المنوال . فمن الناس المؤمن الأمين ، الذي يؤدي واجب حق الله في ماله ، و يبادر بأداء زكاته إلى مستحقها ، 


 


(1)                 27 ــ الأنفال .

(2)                 رواه البزار عن علي كرم الله وجهه .

(3)                 رواه البزار عن علي رضى الله عنه . 

 

طيبة بذلك نفسه ، يعتقدها مغنما له عند ربه ، وبركة في ماله . و منهم الخائن المهين ، الذي يبخل بما آتاه الله من فضله ، و يأكل زكاته . ( و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) (1) .

     فالوضوء أمانة ، والصلاة أمانة ، و الزكاة أمانة ، والصيام أمانة ، و هكذا سائر الأعمال تجري على هذا المنوال .

     فمن الناس : المؤمن الأمين ، الذي يؤدي واجب حق الله في واجباته ، و يبادر بأداء زكاته ، طيبة بذلك نفسه ، ويعتقدها مغنما له عند ربه ، وبركة في ماله ، فيدفعها إلى مستحقها ، و يقول : اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما.

     و منهم : الخائن المهين ، الذي يبخل بما أتاه الله من فضله ، و يأكل زكاته ، ويحتسبها مغرما في ماله ، ( و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم باب هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) (2) .

     فالآكل لزكاته هو خائن لأمانته ، خائن لفقراء بلده ، فاسق عن أمر ربه ، و ما إسلامه الذي يدعيه ، إلا إسلام مزيف مغشوش ؛ لكون الزكاة بمثابة  الدليل والبرهان ، على صحة الإيمان ، كما في الحديث: « الصدقة برهان » لكونها تبرهن عن إيمان مخرجها ، وكونه آثر طاعة ربه على محبة ماله . كما أن منع الزكاة هو العنوان على النفاق ، فإن من صفة المنافقين ، ما أخبر الله عنهم ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف و يقبضون أيديهم ــ أي عن أداء زكاة أموالهم ــ نسوا الله فنسيهم ) (3) . 


 


(1)                 180 ــ آل عمران .

(2)                 180 ــ آل عمران .

(3)                 67 ــ التوبة .

 

     فالوضوء أمانة ؛ لأن مفتاح الصلاة : الطهور . وفي الحديث : « استقيموا و لن تحصوا ، واعلموا ان خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ علي الوضوء إلا مؤمن »(2) . و من حكمته : أنه ينشط الأعضاء عند القيام للصلاة ، و يحط الخطايا .

     و كذلك الصلاة : أمانة الرب ، و عمود دين العبد ، و أول ما يفقد الإنسان من دينه الأمانة ، و آخر ما يفقد من دينه الصلاة .

     و لهذا كان السلف يسمونها الميزان . فإذا أرادوا أن يبحثوا عن دين إنسان ، سألوا عن صلاته ، فإن حدثوا بأنه يحافظ على الصلاة في الجماعات علموا بأنه ذو دين ، و إن حدثوا بأنه لا يشهد الصلاة ، علموا بأنه لا دين له و من لا دين له ، جدير بكل شر ، بعيد عن كل خير .

     ثم إن الصلاة لا تكون صلاة ، حتى تقع على صفة ما شرعه الله على لسان نبيه ، كما في الحديث : « صلوا كما رأيتموني أصلي » . فهذا ميزانها الفعلي ، و أما ميزانها القولى : ففي البخاري ، أن رجلا دخل المسجد ، فصلى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرجع . فصل . فإنك لم تصل . فعل ثلاثا. فقال : والذي بعثك بالحق ، لا أحسن غير هذا . فعلمني . فقال: « إذا قمت إلى الصلاة ، فاسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ، و كبر ، ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم أركع حتى تطمئن راكعا، ثم أرفع حتى تعتدل قائما ، ثم أسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم أرفع حتى تعتدل قاعدا ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها » .


 


(1)                 رواه ابن ماجه بإسناد صحيح والحاكم عن ثوبان .

(2)                 رواه البخاري عن مالك بن حويرث .

 

     فهذه هي الصلاة المشروعة ، التي تصعد و لها نور ، فتشفع لصاحبها عند ربها ، و تقول : حفظك الله كما حفظتني : و أسوء الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ، أي لا يتم ركوعها ، و لا سجودها . 

     و كذلك الزكاة : أمانة الرب ، أوجبها الله في مال الغني لأخيه المعوز الفقير ، و سميت زكاة ؛ لكونها تزكي إيمان مخرجها من مسمى الشح والبخل ، و تطهره . يقول الله ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم
و تزكيهم بها )
(1) .

     و كذلك تزكي المال ــ أي تكثره ، و تنميه ، وتنزل البركة فيه ، فما نقصت صدقة مالا تزيده . و كذلك الصيام : فإنه سر بين العبد،  و بين ربه ، فلو شاء لأبطله ، ولو بفساد نيته ، لكن المؤمن لو ضرب على أن يستبيح الفطر ، لما استباح الفطر أبدا لكون إيمانه ، و أمانته ، تمنعه عن إحباط عمله ، و إبطال صومه .

     هذه الأركان ، هي التي عناها القرآن بقوله ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض والجبال فأبين أن يحملنها و اشفقن منها و حملها الإنسان ) (2) . فإن الراجح عند العلماء ، أن هذه  الأمانة : هي الواجبات ، المسمات بالتكاليف الشرعية ، فإنها أمانة الله و عهده ، في عنق كل إنسان ( و من أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) (3) .

و من استؤمن على حفظ مال الحكومة ، أو المعارف ، أو الأوقاف ، أو لأحد من الشركات ، أو مال تاجر من التجار ، فليعلم أن ما تحت يده مما تولاه أنه أمانة عنده ، و مسئول عنه ، و محاسب عليه ،


 


(3)                 103 ــ التوبة .

(4)                 72 ــ الأحزاب .

(5)                  10 ــ الفتح .

         

     فمن واجب إيمانه و أمانته أن يقوم بحفظ ما استؤمن عليه ، و أن يذود أيدي العدوان و الخونة عنه ، حتى يؤديه كاملا موفرا ، غير مبخوس و لا منقوص ، فإن خالف ، و خان ، و أخذ يختلس ما استؤمن            عليه بطريق التلصص الخفي ، والخيانة الغبية ، فقد خان أمانته ، وخان ربه و دينه ، و ما أختلسه فإنه بمثابة الزبد الذي يذهب جفاء و يرجع إلى الوراء .

     والنبي صلى الله عليه وسلم : قال : « من استعملناه منكم علي عمل فكتمنا مخيطا فما فوق كان غلولا  يأتي به يوم القيامة »  (1) . ( و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) (2)  و من المشاهد المحسوس ، أن الخائن يفتضح بخيانته في الدنيا عند الناس ، و يوم القيامة ينصب لكل خائن لواء عند استه ، يقال هذا غدرة فلان . والمؤمن يطبع على الخلال كلها ، إلا الخيانة والكذب فلا يكون المؤمن خائنا ، ولا كذابا .  « و آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب . و إذا وعد أخلف . و إذا أؤتمن خان » (3) . و من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : « اللهم أني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و من الخيانة فإنها بئست البطانة »        (4) .

     ولهذا قال العلماء في الحكمة في قطع يد السارق: إن اليد لما كانت أمينة تبلغ ديتها ــ خمسين بعيراًــ فقالوا: إن اليد لما كانت أمينة كانت عند الله ، وعند خلقه ثمينة . فإذا خانت ، هانت .


 


(1)                 من حديث رواه مسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه .

(2)                 161 – آل عمران .

(3)                 متفق عليه عن أبي هريرة وفيه زياد " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم " .

(4)                 من حديث طويل رواه الحاكم عن ابن مسعود وقال صحيح ، وقال العراقي ليس كما قال .

 

     ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) (1) .

     إن الشركات الأجنبية التي تشتغل في البلدان العربية الإسلامية ، قد دخلوا مع الحكومات الإسلامية في عقد ، وفي عهد وأمانة ، واشتغلوا عل هذا الحساب . فمن الواجب احترام دمائهم وأموالهم ،لأنهم يسمون معاهدين . وحرمة مال المعاهد ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين . فلا يقل أحدكم هؤلاء كفار . يستبيح بذلك أخذ أموالهم . فإن حرمة مال المعاهد كحرمة مال المسلم .

     والتعليم أمانة . والتعليم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم . ونعوذ بالله من شر الوسواس ، الذي يوسوس بالشر في صدور الناس. فمن واجب المعلم أن يخلص في تعليمه ، فيلقن التلاميذ تعظيم الرب ، وتعظيم حدوده وفرائضه . وأن صلاح المرء بصلاح دينه ، وأن المحافظة على فرائض الرب هي من أكبر العون على حصول المطلوب، من العلم المرغوب ؛ لأن الله يقول : ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) (2) .

     ثم إن الأستاذ قدوة تلاميذه ، وثقتهم به ، يستدعي قبولهم لما يقوله ويفعله ، فينشئون غالباً على طريقته وعقيدته . أشبه الأعضاء مع اللسن . تقول : إتق الله فينا ، فإن استقمت استقمنا . وإن اعوججت اعوججنا . فإذا ترك الأستاذ الصلاة في الجماعة ، تركها التلاميذ. أو شرب الدخان التنباك ، شربه التلاميذ. أو أطلق لسانه باللعن والشتم ، تعلموا منه ذلك . لأن هذا نوع تعليم منه لهم . ومن المعلوم أن التعليم بالأفعال أبلغ منه بالأقوال وكل إناء ينضح بما فيه . وعادم الخير لا يعطيه .


 


(1)                 18 – الحج .

(2)                 282 – البقرة .

 

روح العدالة في الشباب ضئيلا

 

وإذا المعلم لم يكن عدلا سري

وكل من دخل مع صاحبه في عقد بيع وشراء ، أو ثمن لم يؤده إليه ، فليعلم أنه دخل مع صاحبه في عهد وأمانة ، فمن الواجب على صاحب العقد أن يبين ما به من العيوب ، كما أن من واجب المشتري أن يقابل صاحبه بحقه غير مبخوس ولا منقوص . وبدون تعليل ولا تمليل . فأن مطل الغني ظلم ، يحل عرضه وعقوبته .

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله . إن لنا جيراناً لا يتركون لنا شاذة
ولا فاذة إلا أخذوها ، فهل إذا قدرنا على شيء من مالهم نأخذه ؟ قال: لا . أد الأمانة إلى من أئتمنك ،
ولا تخن من خانك . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقابلة الخيانة بالخيانة؛ لأنها مهانة وعدم أمانة.

المجالس بالأمانات، إلا مجلس دم حرام ، وفرج حرام . فإن جلس الرجل مع الآخر ثم التفت فهي أمانة ، يجب المبالغة في كتمان السر بينهما. ومن الخيانة أن يفشي الرجل إلى إمرأته سراً ، أو تفشى إليه، ثم ينشر أحدهما سر صاحبه . ويسمى هذا الإفشاء بالمجاهرة .

الوظائف الحكومية على اختلاف أنواعها أمانات في أعناق المتقلدين لها فمن واجب المتولي للوظيفة أن يقوم بأمانة ما تولاه ، وما استؤمن عليه بإخلاص وصدق ونصح ، وأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به من التسهيل والتيسير .

القضاء أمانة . وهو منصب شريف ؛ منصب الأنبياء والخلفاء الراشدين . والأصل فيه قوله تعالي: (يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (1). وكان النبي صلى الله عليه وسلم قاضياً ، وأبو بكر قاضياً ، وعمر قاضياَ ، وعلي كذلك . والقضاء في مواطن الحق ، هو مما يوجب الله به الأجر ، ويحسن به الذخر .

شرع القضاء رحمة للناس وراحة لهم ، لإزالة الشقاق بينهم ، وقطع النزاع عنهم ، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق ، وردع الظالم ، ونصر المظلوم .

وبات كل عن أخيه راضي

 

لو أنصف الناس استراح القاضي

فمن واجب القاضي أن يحتسب راحة الناس ورحمتهم في قطع النزاع عنهم ، وأن يحتسب التبكير في الجلوس للناس ، ويفتح باب المحكمة على مصراعيه ، ثم يبدأ بالأول ، فالأول ، كما نص على ذلك فقهاء الإسلام في كتبهم . ففي الحديث« من تولى شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وفقرهم ، احتجب الله دون حاجته وفقره »(2) .

     ولما بلغ عمر أن سعد بن أبي وقاص قد اتخذ له بابا ، وحجاباً يمنعون دخول الناس عليه ، أرسل محمد بن مسلمة ، وأمره أن يحرق باب سعد قبل أن يكلم أحداً من الناس .

     فهؤلاء القضاة الذين يغلقون أبواب المحاكم عليهم ، ويتركون الناس خلف الأبواب ، يغشاهم الذل والصغار ، والقاضي غير مكترث بهم ، ولا مهتم بأمرهم ، ويمضي أكثر وقته في الحديث في مصالح نفسه الخاصة . وشهر للحج ، وشهر للعمرة ، وشهر للمصيف في الطائف أو لبنان مثلاً . ويترك الناس يموج بعضهم في بعض بالنزاع والخصام ، لا يجدون من يقطع النزاع عنهم ، وهو مستأجر لحل مشاكلهم.. فهؤلاء بالحقيقة مخالفون لنصوص مذهبهم . فإن الفقه الإسلامي يمنع غلق الأبواب ، ونصب الحجّاب دون القاضي ودون الناس .

     فافتحوا الأبواب ، وسهلوا الحجاب ، وبكروا في الجلوس ، حتى يسهل عليكم معالجة الخصام ، وتنظيم الأحكام . فإن جلوس القاضي في محل عمله لفصل القضاء بين الناس ، أفضل من تطوعه بحجه وعمرته . وأفضل من صيامه بمكة . لأن جلوسه في محل القضاء واجب عليه ، ومطلوب منه شرعاً وعرفاً ، أما التطوع بالحج والعمرة ! فإنها ليست بواجبة عليه ، ولا مستحبة في حقه . وقد لا تصح منه.

     فلا ينبغي أن يهمل هذا الواجب المحتم عليه ، في محاولة التنفل الذي هو ممنوع منه شرعاً وعرفاً. فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .


 


(1)                 26 – ص .

(2)           في رواية لأحمد في مسنده والترمذي عن عمرو بن مرة وإسناده حسن " ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته " .