![]() |
|
الأمانة و موقعها من الديانة
الحمد لله العفو الغفور . و أشهد أن لا إله إلا الله وحده ، بيد
مواقيت الأعمار ، و مقادير الأمور .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . الداعي إلى كل عمل مبرور . اللهم صل عليه
وعلي آله صحبه و سلم تسليما كثيرا. أما
بعد: فأعلموا رحمكم الله : أن الأمانة شأنها كبير ، و موقعها عند الله عظيم . يقول
الله : ( يا أيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول و تخونوا أمانتكم و أنتم
تعلمون ) (1) . فدلت هذه الآية على أن من خان أمانته ، فقد
خان ربه ، و خان نبيه ، و لن يضر الخائن إلا نفسه . قال أنس رضي الله عنه : ما
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: « إنه لا إيمان لمن أمانة له» (2) . و جاء رجل من
أهل العالية فقال : يا رسول الله . أخبرني بأشد شيء في هذا الدين . فقال الأمانة
يا أخا العالية إنه لا دين لمن لا أمانة له ، ولا صلاة ، ولا زكاة له (3) . و الأمانة تارة تكون بين الخلق فيما يتعاملونه
بينهم من التبايع و الودائع و الكيل ــ والوزن ، و تارة تكون بين العبد و بين ربه
في الفرائض الواجبة المسماة بالتكاليف الشرعية . فالوضوء أمانة ، والزكاة أمانة ،
والصيام أمانة . و هكذا سائر الأعمال ، تجري على هذا المنوال . فمن الناس المؤمن
الأمين ، الذي يؤدي واجب حق الله في ماله ، و يبادر بأداء زكاته إلى مستحقها
،
(1)
27 ــ
الأنفال . (2)
رواه البزار
عن علي كرم الله وجهه . (3)
رواه البزار
عن علي رضى الله عنه . طيبة بذلك نفسه ، يعتقدها
مغنما له عند ربه ، وبركة في ماله . و منهم الخائن المهين ، الذي يبخل بما آتاه
الله من فضله ، و يأكل زكاته . ( و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله
هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) (1) . فالوضوء أمانة ، والصلاة أمانة ، و الزكاة
أمانة ، والصيام أمانة ، و هكذا سائر الأعمال تجري على هذا المنوال . فمن الناس : المؤمن الأمين ، الذي يؤدي واجب
حق الله في واجباته ، و يبادر بأداء زكاته ، طيبة بذلك نفسه ، ويعتقدها مغنما له
عند ربه ، وبركة في ماله ، فيدفعها إلى مستحقها ، و يقول : اللهم اجعلها مغنما ولا
تجعلها مغرما. و منهم : الخائن المهين ، الذي يبخل بما أتاه
الله من فضله ، و يأكل زكاته ، ويحتسبها مغرما في ماله ، ( و لا يحسبن الذين
يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم باب هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم
القيامة ) (2) . فالآكل لزكاته هو خائن لأمانته ، خائن لفقراء
بلده ، فاسق عن أمر ربه ، و ما إسلامه الذي يدعيه ، إلا إسلام مزيف مغشوش ؛ لكون
الزكاة بمثابة الدليل والبرهان ،
على صحة الإيمان ، كما في الحديث: « الصدقة برهان » لكونها تبرهن عن
إيمان مخرجها ، وكونه آثر طاعة ربه على محبة ماله . كما أن منع الزكاة هو العنوان
على النفاق ، فإن من صفة المنافقين ، ما أخبر الله عنهم ( المنافقون والمنافقات
بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف و يقبضون أيديهم ــ أي عن أداء
زكاة أموالهم ــ نسوا الله فنسيهم ) (3) .
(1)
180 ــ آل
عمران . (2)
180 ــ آل
عمران . (3)
67 ــ التوبة
. فالوضوء أمانة ؛ لأن مفتاح الصلاة : الطهور .
وفي الحديث : « استقيموا و لن تحصوا ، واعلموا ان خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ علي
الوضوء إلا مؤمن »(2) . و من حكمته : أنه
ينشط الأعضاء عند القيام للصلاة ، و يحط الخطايا . و كذلك الصلاة : أمانة الرب ، و عمود دين
العبد ، و أول ما يفقد الإنسان من دينه الأمانة ، و آخر ما يفقد من دينه الصلاة . و لهذا كان السلف يسمونها الميزان . فإذا
أرادوا أن يبحثوا عن دين إنسان ، سألوا عن صلاته ، فإن حدثوا بأنه يحافظ على
الصلاة في الجماعات علموا بأنه ذو دين ، و إن حدثوا بأنه لا يشهد الصلاة ، علموا
بأنه لا دين له و من لا دين له ، جدير بكل شر ، بعيد عن كل خير . ثم إن الصلاة لا تكون صلاة ، حتى تقع على صفة
ما شرعه الله على لسان نبيه ، كما في الحديث : « صلوا كما رأيتموني أصلي » . فهذا ميزانها الفعلي ، و أما ميزانها القولى :
ففي البخاري ، أن رجلا دخل المسجد ، فصلى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أرجع . فصل . فإنك لم تصل . فعل ثلاثا. فقال : والذي بعثك بالحق ، لا أحسن غير هذا
. فعلمني . فقال: « إذا قمت إلى الصلاة ، فاسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ، و كبر ، ثم أقرأ
ما تيسر معك من القرآن ثم أركع حتى تطمئن راكعا، ثم أرفع حتى تعتدل قائما ، ثم
أسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم أرفع حتى تعتدل قاعدا ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها » .
(1)
رواه ابن
ماجه بإسناد صحيح والحاكم عن ثوبان . (2)
رواه البخاري
عن مالك بن حويرث . فهذه هي الصلاة المشروعة ، التي تصعد و لها
نور ، فتشفع لصاحبها عند ربها ، و تقول : حفظك الله كما حفظتني : و أسوء الناس
سرقة الذي يسرق من صلاته ، أي لا يتم ركوعها ، و لا سجودها . و كذلك الزكاة : أمانة الرب ، أوجبها الله في
مال الغني لأخيه المعوز الفقير ، و سميت زكاة ؛ لكونها تزكي إيمان مخرجها من مسمى
الشح والبخل ، و تطهره . يقول الله ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و كذلك تزكي المال ــ أي تكثره ، و تنميه ،
وتنزل البركة فيه ، فما نقصت صدقة مالا تزيده . و كذلك الصيام : فإنه سر بين
العبد، و بين ربه ، فلو شاء لأبطله
، ولو بفساد نيته ، لكن المؤمن لو ضرب على أن يستبيح الفطر ، لما استباح الفطر
أبدا لكون إيمانه ، و أمانته ، تمنعه عن إحباط عمله ، و إبطال صومه . هذه الأركان ، هي التي عناها القرآن بقوله (
إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض والجبال فأبين أن يحملنها و اشفقن منها و
حملها الإنسان ) (2) . فإن الراجح عند
العلماء ، أن هذه الأمانة : هي
الواجبات ، المسمات بالتكاليف الشرعية ، فإنها أمانة الله و عهده ، في عنق كل
إنسان ( و من أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) (3) . و من استؤمن على حفظ مال
الحكومة ، أو المعارف ، أو الأوقاف ، أو لأحد من الشركات ، أو مال تاجر من التجار
، فليعلم أن ما تحت يده مما تولاه أنه أمانة عنده ، و مسئول عنه ، و محاسب عليه ،
(3)
103 ــ
التوبة . (4)
72 ــ
الأحزاب . (5)
10 ــ الفتح . فمن واجب إيمانه و أمانته أن يقوم بحفظ ما
استؤمن عليه ، و أن يذود أيدي العدوان و الخونة عنه ، حتى يؤديه كاملا موفرا ، غير
مبخوس و لا منقوص ، فإن خالف ، و خان ، و أخذ يختلس ما استؤمن
عليه بطريق التلصص الخفي ، والخيانة الغبية ، فقد خان أمانته ، وخان ربه و
دينه ، و ما أختلسه فإنه بمثابة الزبد الذي يذهب جفاء و يرجع إلى الوراء . والنبي
صلى الله عليه وسلم : قال : « من استعملناه منكم علي عمل فكتمنا مخيطا فما فوق كان
غلولا يأتي به يوم القيامة » (1) . ( و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) (2) و من
المشاهد المحسوس ، أن الخائن يفتضح بخيانته في الدنيا عند الناس ، و يوم القيامة
ينصب لكل خائن لواء عند استه ، يقال هذا غدرة فلان . والمؤمن يطبع على الخلال كلها
، إلا الخيانة والكذب فلا يكون المؤمن خائنا ، ولا كذابا . « و آية المنافق ثلاث : إذا حدث
كذب . و إذا وعد أخلف . و إذا أؤتمن خان » (3) . و من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول
: «
اللهم أني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و من الخيانة فإنها بئست البطانة »
(4) . ولهذا قال العلماء في الحكمة في قطع يد
السارق: إن اليد لما كانت أمينة تبلغ ديتها ــ خمسين بعيراًــ فقالوا: إن اليد لما
كانت أمينة كانت عند الله ، وعند خلقه ثمينة . فإذا خانت ، هانت .
(1)
من حديث رواه
مسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه . (2)
161 – آل
عمران . (3)
متفق عليه عن
أبي هريرة وفيه زياد " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم " . (4)
من حديث طويل
رواه الحاكم عن ابن مسعود وقال صحيح ، وقال العراقي ليس كما قال . ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) (1) . إن الشركات الأجنبية التي تشتغل في البلدان
العربية الإسلامية ، قد دخلوا مع الحكومات الإسلامية في عقد ، وفي عهد وأمانة ،
واشتغلوا عل هذا الحساب . فمن الواجب احترام دمائهم وأموالهم ،لأنهم يسمون معاهدين
. وحرمة مال المعاهد ، فعليه لعنة الله ، والملائكة ، والناس أجمعين . فلا يقل
أحدكم هؤلاء كفار . يستبيح بذلك أخذ أموالهم . فإن حرمة مال المعاهد كحرمة مال
المسلم . والتعليم أمانة . والتعليم دين ، فانظروا عمن
تأخذون دينكم . ونعوذ بالله من شر الوسواس ، الذي يوسوس بالشر في صدور الناس. فمن
واجب المعلم أن يخلص في تعليمه ، فيلقن التلاميذ تعظيم الرب ، وتعظيم حدوده
وفرائضه . وأن صلاح المرء بصلاح دينه ، وأن المحافظة على فرائض الرب هي من أكبر
العون على حصول المطلوب، من العلم المرغوب ؛ لأن الله يقول : ( واتقوا الله
ويعلمكم الله ) (2) . ثم إن الأستاذ قدوة تلاميذه ، وثقتهم به ،
يستدعي قبولهم لما يقوله ويفعله ، فينشئون غالباً على طريقته وعقيدته . أشبه
الأعضاء مع اللسن . تقول : إتق الله فينا ، فإن استقمت استقمنا . وإن اعوججت اعوججنا
. فإذا ترك الأستاذ الصلاة في الجماعة ، تركها التلاميذ. أو شرب الدخان التنباك ،
شربه التلاميذ. أو أطلق لسانه باللعن والشتم ، تعلموا منه ذلك . لأن هذا نوع تعليم
منه لهم . ومن المعلوم أن التعليم بالأفعال أبلغ منه بالأقوال وكل إناء ينضح بما
فيه . وعادم الخير لا يعطيه .
(1)
18 – الحج . (2)
282 – البقرة
.
وكل من دخل مع
صاحبه في عقد بيع وشراء ، أو ثمن لم يؤده إليه ، فليعلم أنه دخل مع صاحبه في عهد
وأمانة ، فمن الواجب على صاحب العقد أن يبين ما به من العيوب ، كما أن من واجب
المشتري أن يقابل صاحبه بحقه غير مبخوس ولا منقوص . وبدون تعليل ولا تمليل . فأن
مطل الغني ظلم ، يحل عرضه وعقوبته . جاء رجل إلى النبي
صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله . إن لنا جيراناً لا يتركون لنا شاذة المجالس
بالأمانات، إلا مجلس دم حرام ، وفرج حرام . فإن جلس الرجل مع الآخر ثم التفت فهي
أمانة ، يجب المبالغة في كتمان السر بينهما. ومن الخيانة أن يفشي الرجل إلى إمرأته
سراً ، أو تفشى إليه، ثم ينشر أحدهما سر صاحبه . ويسمى هذا الإفشاء بالمجاهرة . الوظائف الحكومية
على اختلاف أنواعها أمانات في أعناق المتقلدين لها فمن واجب المتولي للوظيفة أن يقوم
بأمانة ما تولاه ، وما استؤمن عليه بإخلاص وصدق ونصح ، وأن يعامل الناس بما يحب أن
يعاملوه به من التسهيل والتيسير . القضاء أمانة .
وهو منصب شريف ؛ منصب الأنبياء والخلفاء الراشدين . والأصل فيه قوله تعالي: (يا
داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن
سبيل الله) (1). وكان النبي صلى
الله عليه وسلم قاضياً ، وأبو بكر قاضياً ، وعمر قاضياَ ، وعلي كذلك . والقضاء في
مواطن الحق ، هو مما يوجب الله به الأجر ، ويحسن به الذخر . شرع القضاء رحمة
للناس وراحة لهم ، لإزالة الشقاق بينهم ، وقطع النزاع عنهم ، وإقامة الحدود،
واستيفاء الحقوق ، وردع الظالم ، ونصر المظلوم .
فمن واجب القاضي أن يحتسب
راحة الناس ورحمتهم في قطع النزاع عنهم ، وأن يحتسب التبكير في الجلوس للناس ،
ويفتح باب المحكمة على مصراعيه ، ثم يبدأ بالأول ، فالأول ، كما نص على ذلك فقهاء
الإسلام في كتبهم . ففي الحديث« من تولى شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم
وفقرهم ، احتجب الله دون حاجته وفقره »(2) . ولما بلغ عمر أن سعد بن أبي وقاص قد اتخذ له
بابا ، وحجاباً يمنعون دخول الناس عليه ، أرسل محمد بن مسلمة ، وأمره أن يحرق باب
سعد قبل أن يكلم أحداً من الناس . فهؤلاء القضاة الذين يغلقون أبواب المحاكم
عليهم ، ويتركون الناس خلف الأبواب ، يغشاهم الذل والصغار ، والقاضي غير مكترث بهم
، ولا مهتم بأمرهم ، ويمضي أكثر وقته في الحديث في مصالح نفسه الخاصة . وشهر للحج
، وشهر للعمرة ، وشهر للمصيف في الطائف أو لبنان مثلاً . ويترك الناس يموج بعضهم
في بعض بالنزاع والخصام ، لا يجدون من يقطع النزاع عنهم ، وهو مستأجر لحل
مشاكلهم.. فهؤلاء بالحقيقة مخالفون لنصوص مذهبهم . فإن الفقه الإسلامي يمنع غلق
الأبواب ، ونصب الحجّاب دون القاضي ودون الناس . فافتحوا الأبواب ، وسهلوا الحجاب ، وبكروا في
الجلوس ، حتى يسهل عليكم معالجة الخصام ، وتنظيم الأحكام . فإن جلوس القاضي في محل
عمله لفصل القضاء بين الناس ، أفضل من تطوعه بحجه وعمرته . وأفضل من صيامه بمكة .
لأن جلوسه في محل القضاء واجب عليه ، ومطلوب منه شرعاً وعرفاً ، أما التطوع بالحج
والعمرة ! فإنها ليست بواجبة عليه ، ولا مستحبة في حقه . وقد لا تصح منه. فلا ينبغي أن يهمل هذا الواجب المحتم عليه ،
في محاولة التنفل الذي هو ممنوع منه شرعاً وعرفاً. فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من
زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .
(1)
26 – ص . (2)
في رواية
لأحمد في مسنده والترمذي عن عمرو بن مرة وإسناده حسن " ما من إمام أو وال
يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته
وحاجته ومسكنته " . |