الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

نوع ثالث من التذكير بعيد الأضحى

 

      الله أكبر ، الله أكبر  الله أكبر، الله أكبر ، الله أكبر .

      لا إله إلا الله ، و الله أكبر ، الله أكبر، ولله الحمد .

     الحمد لله الذي شرع لعباده طريق العبادة ويسّر، وأنار قلوب أوليائه بنور طاعته وبصر ، وجعل لهم بكمال حجهم عيداً يعود في كل سنة ويتكرر . أحمده سبحانه وهو المستحق لأن يحمد ويشكر ، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الخلق فقدّر ، وشرع فيسّر.  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صاحب اللواء والكوثر ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهر،  وسلم تسليماً كثيراً . الله أكبر، الله أكبر ،  لا إله إلا الله ، و الله أكبر ، الله أكبر، ولله الحمد .

     أما بعد : فيا أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه ، وامتثلوا أمر ربكم و لا تعصوه ، فإن  أطعتموه لم يصل إليكم شيء تكرهونه ، وإن عصيتموه عاقبكم بما لا تطيقونه . وأعلموا رحمكم الله ؛ أنكم خرجتم إلى هذا       المكان السعيد، لقصد أداء صلاة العيد ، تأسياً بنيكم عليه الصلاة والسلام ، وإظهاراً لشكر نعمة الهداية إلى الإسلام ، وبلوغ عيد حج بيت الله الحرام . وأن يومكم هذا يعد من أكبر الأيام شعائرا ، ومن أعظمها مناسك مشاعر . أطلعه الله عليكم سعيداً ، وجعله لكم نسكا وعيداً .شرفت به أيام التشريق ، وأفاض الحجاج فيه من المشعر الحرام إلى البيت العتيق ، تهرق فيه دماء الأضاحي ، ويطلع الرب فيه على عباده ويباهي فهو يوم الحج والمنحر ، وعيد الله الأكبر .

     يجتمع فيه الحجاج بمنى لقضاء مناسك الحج ، ويتقربون إلى الله فيه بالعج و الثج .  يحيون سنة أبيهم إبراهيم بما يذبحونه من القرابين ، فهو عيد لاستكمال مناسك حجهم ، كما أن عيد رمضان عيد لاستكمال شهر صومهم. فهما عيدا أهل الإسلام .

      ولأجله شرع إظهار التجمل والزينة فيهما ، والجهر بالتكبير في ليلتهما، و عند الخروج عليهما ، إكبارا لأمرهما ، وإشهاراً لشرفهما . ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) (1) .

     الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد .

     والأضحية سنة مؤكدة ، سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً منه وفعلاً ، ونزل فيها قرآن يتلى، وهي من القرابين ، التي تقربونها لرب العالمين ، ويترتب عليها الأجر الكبير والفضل الجزيل . فعن زيد بن أرقم . قال: قلنا ــ أو قالواــ: يا رسول الله . ما هذه الأضاحي ؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم .  قالوا: فما لنا فيها ؟ قال:  بكل شعرة حسنة . قالوا: فالصوف؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة (3) .

     لهذا لا ينبغي للمقتدر أن يبخل عن نفسه بأضحية أو ذبيحتين قربانا إلى الله ، يحتسب ثوابهما عند الله. فقد كان الصحابة يسمنون الأضاحي في بيوتهم ، حرصا على حصول هذه الفضيلة . و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الأضاحي بين أصحابه لتعميم العلم بهذه الشعيرة ، وإظهار مكانتها من الشريعة.

     والأضحية إنما شرعت في حق الحي شكرا منه على بلوغ عيد الإسلام ، وحتى تكون أعياد المسلمين عالية على أعياد المشركين ، وما يقربونه في أعيادهم من القرابين .


 


(1)                 185 – البقرة .

(2)                 أخرجه الحاكم و قال صحيح الاسناد . قال الحافظ   ذكره المنذري جـ 2 ص 154 .

 

     قال أبو أيوب الأنصاري : كان الرجل منا يضحي بالشاة عنه و عن أهل بيته فيأكلون ، و يتصدقون .

     فذبح الأضحية في يوم العيد و أيام التشريق هو من العبادة لله رب العالمين . يقول الله سبحانه :
( ولكل أمة جعلنا منسكا ــ أي عيدا ــ ليذكروا إسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير )
(1) . كما أن الذبح للزار ، والذبح للجن ، والذبح للقبر يعد من الشرك الأكبر المبين . فمن الشرك بالله الذبح لغير الله .

     و في البخاري عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى عليه و سلم بأربع كلمات فقال : » لعن الله من  ذبح لغير الله ، لعن الله من لعن والديه ، لعن الله من آوي محدثا ، لعن الله من غير منار الأرض  « (2) . أي مراسيمها .

     وأفضل الأضاحي الكبش: أي الخروف ــ سواءً أ كان فحلاً أم خصياً ــ سليم العيوب . ويجزئ الجذع  من الضأن ؛ وهو ما تم له ستة أشهر ، ومن المعز ما تم له سنة . وتجزئ الناقة والبعير عن سبع أضاح، والبقرة والعجل عن سبع أضاح في مثل هذا اليوم هو من العبادة لرب العالمين ( إن صلاتي ونسكي ــ أي ذبيحتي ــ ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ) (2) . ووقت الذبح يوم العيد وثلاثة أيام بعده .

     عباد الله : ــ إن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . وإن الله سبحانه قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم . والله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحب .


 


(1)                 28 – الحج .

(2)                 162 – الأنعام .

     فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه . والدين هو هذا السمح الحسن ، الموصل بمن تمسك به إلى سعادة الدنيا والآخرة ؛ رأسه الإسلام ، وعموده الصلاة ، وبقية أركانه الزكاة ، والصيام ، وحج بيت الله الحرام.

     وقد جعل الله هذه الأركان بمثابة البنيان للإسلام ، و بمثابة الفرقان بين المسلمين والكفار ، والمتقين والفجار ، و بمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان . بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان .

     لأن الإسلام ليس هو محض التسمي به باللسان ، والإنتساب إليه بالعنوان ، ولكنه ما وقر في القلب ، وصدقته الأعمال . فاعملوا بإسلامكم تعرفوا به ، وادعوا الناس إليه ، تكونوا من خير أهله . فإنه لا إسلام بدون عمل . ومن ترك الصلاة فقد كفر . وللإسلام صوى و منار كمنار الطريق يعرف به صاحبه .

     فالمسلم حقا هو : من يصلي الصلوات الخمس المفروضة ، ويؤدي الزكاة الواجبة ، ويصوم رمضان. فيظهر إسلامه علانية للناس ، بحيث يشهدون له بموجبه . والناس شهداء الله في أرضه .

     فدين الإسلام ، والعمل به على التمام ؛ هو سياج وحدة الأمة ، وعقد نظامها ، وبه مدار عزها ، و دوام استقامتها ، لأنه دين الحق ، والصالح لكل زمان و مكان . قد نظم حياة الناس أحسن نظام ، بالحكمة والمصلحة والعدل والإحسان . فلو أن الناس آمنوا بتعاليمه ، وانقادوا لحكمه و تنظيمه ، ووقفوا عند حدوده و مراسيمه ، لصاروا به سعداء . لأنه يهدي للتي هى أقوم . ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين ) (1) .


 


(1)                 85 ــ آل عمران .

     أما من يتسمى بالإسلام و هو لا يصلي ، ولا يصوم ، ولا يؤدي زكاة ماله ، فلا شك أن إسلامه باللسان يكذبه الحس والوجدان ، والسنة والقرآن . ومن ادعى ما ليس فيه ، فضحته شواهد الامتحان . فيا أهل الإسلام : لستم على شيء حتى تقيموا القرآن ، وتعلموا بأركان الإسلام .

     فالتكاتف على العمل بشرائع الإسلام ، هو الذي يوحد المسلمين ، و يؤلف بين قلوبهم ، ويصلح ذات بينهم ، ويجعلهم مستعدين للنصر على عدوهم ، كما قال أمير المؤمنين ــ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ــ »  إن الله سبحانه قد أعزكم بالإسلام ، ومهما طلبتم العز في غيره يذلكم  « .

     و هذه الشرائع التي أوجبها الله على عباده ؛ مثل شريعة الصلاة ، وشريعة الزكاة ، وشريعة الصيام؛ هي : تنزيل الحكيم العليم . شرعها و أوجبها من يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد ، في المعاش والمعاد ، وأنها هي أسباب سعادتهم الدينية والدنيوية ، لأن الله لا يوجب شيئا من الواجبات مثل الصلاة الزكاة والصيام ، إلا و مصلحته راجحة ، ومنفعته واضحة ، ولا يحرم شيئا من المحرمات كالربا والزنا وشرب الخمر ، إلا و مضرته واضحة ، و مفسدته راجحة .

      فالشرائع هي أم الفرائض والفضائل ، والناهية عن منكرات الأخلاق والرذائل . تهذب الأخلاق ، وتطهر الأعرق ، وتزيل الكفر و الشقاق والنفاق . أما عادم الدين فإنه جرثومة الفساد ، وخراب البلاد . وإنما تنشأ الجرائم الشنيعة ، والفواحش الفظيعة ، من القتل و هتك الأعراض . و نهب الأموال ــ إنما تنشأ من العادمين للدين ، الذين ساءت طباعهم ، وفسدت أوضاعهم . فأضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بحرمات الدين ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين .

     وكل من لا دين فيه ، فإنه جدير بكل شر ، بعيد عن كل خير ، و عادم الخير لا يعطيه ، وكل إناء ينضح بما فيه . وليعتبر المعتبر بالبلدان التي قوضت منها خيام الإسلام ، و ترك أهلها فرائض الصلاة و الزكاة والصيام ، و استباحوا الجهر بمنكرات الكفر والفسوق والعصيان ، ثم لينظر كيف حال أهلها ، وما دخل عليهم من النقص والجهل ، والكفر ، و فساد الأخلاق ، والعقائد ، والأعمال ، وإثارة الفتن ، و خراب العمران . حتى صاروا بمثابة البهائم ، يتهاجرون في الطرقات ، لا يعرفون منكرا ، ولا يمتنعون من قبيح ، و لا يهتدون إلى حق . ذلك بأن المعاصي عقوبات ، وللمنكرات ثمرات .

     ( و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) (1) . وان من المشاهد بالاعتبار ، أنه ما ظهر الإلحاد والزندقة في بلد ، فكفر أهلها بالشريعة الإسلامية ، وتركوا الصلاة والزكاة والصيام الفرضية ، واستباحوا شرب المسكرات ، وفعل المنكرات الوبيئة ، إلا فتح عليهم من الشر كل باب ، وصب عليهم ربك سوط عذاب . ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين  ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب )(2) .

     فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين .  


 


(1)                 112 ــ النحل .

(2)                 25 ــ الأنفال .