الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

 

التذكير الثاني بعيد الأضحى

 

     الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين. ونحمده ونشكره، ونكبره أن جعلنا مسلمين . الله أكبر ، الله أكبر  الله أكبر، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كلما أحرموا من الميقات ، الله أكبر كلما لبى الملبون وزيد في الحسنات ، الله أكبر كلما طافوا بالبيت وضجت الأصوات بالدعوات ، الله أكبر كلما وقفوا خاضعين بعرفات . فسبحان سامع تلك الأصوات ، وسبحان مجيب الدعوات ، وسبحان العالم بما مضى من خلقه وما هو آت . الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد .

     الحمد لله الذي شرع لعباده أنواع العبادة ، ويسّر وأنار قلوب أوليائه بنور طاعته وبصّر ، وجعل لهم بكمال حجهم عيداً يعود في كل سنة ويتكرر .أحمده سبحانه وهو المستحق لأن يحمد ويشكر ، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الخلق فقدّر ، وشرع ويسّر ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .

     أما بعد : فيا أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه ، وامتثلوا أمر ربكم و لا تعصوه ، فإن  أطعتموه لم يصل إليكم شيء تكرهونه ، وإن عصيتموه عاقبكم بما لا تطيقونه . وأعلموا رحمكم الله ؛ أنكم خرجتم إلى هذا الصعيد لقصد أداء صلاة العيد ، تأسياً بنيكم عليه الصلاة والسلام ، وإظهاراً لشكر نعمة الهداية إلى الإسلام ، وبلوغ عيد حج بيت الله الحرام . وأن يومكم هذا يعد من أكبر الأيام شعائر ، ومن أعظمها مناسك ، ومشاعر . أطلعه الله عليكم سعيداً ، وجعله لكم نسكا وعيداً .شرفت به أيام التشريق ، وأفاض الحجاج فيه من المشعر الحرام إلى البيت العتيق ، تهرق فيه دماء الأضاحي ، ويطلع الرب فيه على عباده ويباهي فهو يوم الحج والمنحر ، وعيد الله الأكبر . يجتمع فيه الحجاج بمنى لقضاء مناسك الحج ، ويتقربون إلى الله فيه بالعج و الثج .  يحيون سنة أبيهم إبراهيم بما يذبحون من القرابين ، فهو عيد لاستكمال مناسك حجهم ، كما أن عيد الفطر عيد لاستكمال شهر صومهم. فهما عيدا أهل الإسلام ، ولأجله شرع إظهار التجمل والزينة فيهما ، والجهر بالتكبير في ليلتهما؛ إكبارا لأمرهما ، وإشهاراً لشرفهما .

     ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) (1) .

     الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ، ولله الحمد .

     والأضحية سنة في حق الحي . سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً منه وفعلاً ، ونزل فيها قرآن يتلى ( فصل لربك وانحر ) (2) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمنون الأضاحي في بيوتهم حرصاً على هذه الفضيلة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الأضاحي بين أصحابه لتعميم العلم بهذه الشعيرة ، وإظهار مكانتها من الشريعة .

          وعن يزيد بن أرقم . قال: قلنا ، أو قالوا: يا رسول الله . ما هذه الأضاحي ؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم .  قالوا: فما لنا فيها ؟ قال:  بكل شعرة حسنة . قالوا: فالصوف؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة) (3) .

     وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع مائة بدنة . أي مائة ناقة ، نحر منها ثلاثاً وستين بيده عدد ،عمره الشريف ، وكن يزدلفن بين يديه أي تبرك الناقة قبل الأخرى .

     وضحى عام لم يحج بكبشين أملحين ، أقرنين ، ذبح أحدهما بيده .


 


(1)                 185 – البقرة .

(2)                 2 – الكوثر .

(3)                 سبق سنده في الموضوع السابق . من إخراج الحاكم له .

 

 وقال: بسم الله والله أكبر الله هذا عن محمد وآل محمد . ثم ذبح الثاني. وقال: اللهم هذا عن محمد وعمن لم يضح من أمة محمد ممن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ . فلا تحزن أيها العاجز الفقير ، فقد ضحى عنك البشير النذير .وقد قال قوم من أهل العلم بوجوب الأضحية على الغني المقتدر ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في يوم العيد: » من كان له سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا « (1) . فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها في حق الحي ومن الخطأ كون الإنسان يضحي عن والديه الميتين ،
و ينسى نفسه .

     و تجزئ الذبيحة الواحدة عن الرجل و أهل بيته ، والجماعة إذا اجتمعوا في بيت كالعيال عشرة أو عشرين جاز أن يضحوا بذبيحة واحدة عنهم كلهم بمثابة أهل البيت . وأفضل الأضاحي الخروف ، سليم العيوب . و تجزئ العنز والتيس ، والناقة عن سبع أضاحي . والبقرة والعجل عن سبع إذا تم لهما سنتان . و تجب التسمية عند الذبح . ووقت الذبح يوم العيد ، و ثلاثة أيام من بعده علي القول الصحيح .

     فذبح الأضحية في مثل هذا اليوم هي من العبادة لرب العالمين . كما أن الذبح للجن ، والذبح للزار ، والذبح للقبر يعد من الشرك المبين ، و من الشرك بالله الذبح لغير الله ، و في البخاري عن علي رضي الله عنه قال حدثني رسول الله صلى عليه و سلم بأربع كلمات فقال : » لعن الله من  ذبح لغير الله ، لعن الله من لعن والديه ، لعن الله من آوي محدثا ، لعن الله من غير منار الأرض  « (2) . أي مراسيها .

الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد .


 


(1)                 رواه الحاكم و صححه .

(2)                 رواه البخاري .

     و هنا حديث رواه مسلم عن أم سلمة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أراد أن يضحي ، فإذا دخلت العشر فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا .

     فهذا الحديث قد اختلف العلماء فيه . فمنهم من أنكر صحته ؛ منهم عائشة أم المؤمنين . ومنهم من حمل النهي علي الكراهية ، كما هو الظاهر من مذهب الشافعي و مالك ورواية عن الإمام أحمد . ورجحها في الإنصاف . و أبعد الأقوال عن الصواب من قال انه حرام . و متى قلنا أن النهي للكراهية ن فإن الكراهية تزول بأدني حاجة ، وعلى كل الأقوال فإنه لو حلق الشخص رأسه ، أو يأخذ شيئا من لحيته، أو قلم أظافره في عشر ذي الحجة ، ثم أراد أن يضحي فإن أضحيته صحيحة بإجماع أهل العلم ، ومثله المرأة لو أنقضت شعر رأسها ، ونسلته بالمشط فتساقط منه شعر ، وأرادت أن تضحي ، وأضحيتها صحيحة . كما يباح مباشرة النساء والطيب و غيرهما .

     وما شاع على السنة العامة من قولهم أن من أراد أن يضحي فإنه ينبغي له أن يحرم . فهذا لا صحة له ، فإنه لا إحرام إلا لمن أراد أن يحج و يعتمر ، و قد صار هذا الاعتقاد يمنع أكثر الناس عن الأضحية لظنهم أنها لا تصح منهم ، مع قصهم لشيء من الشعر . والصحيح أن الأضحية صحيحة حتى مع تعمد قص الشعر كما نص على ذلك العلماء .

      و قد أنكرت عائشة على أم سلمة هذا الحديث ، وقالت إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق من أحرم بالحج و هذا هو المعقول . فإن من أحرم بالحج أو العمرة ؛ فإنه يجب عليه أن يكف عن أخذ شعره وأظافره ، فانقلب هذا الحديث على أم سلمة كما قالت عائشة .

     و في مثل هذه الأيام يسأل بعض الناس عن أفضل ما يفعلونه من إهداء ثواب أعمالهم لموتاهم ، فيظن بعضهم : أنه ذبح أضحية ، حيث استقر في نفوس أكثر العامة فعلها. وهذا ليس بصحيح ، فإن الأضحية إنما شرعت في حق الحي تشريفا لعيد الإسلام ، و شكرا لله على بلوغه . يقول الله ( فصل لربك وانحر ) (1) . فالمخاطبون بفعل صلاة العيد هم الأحياء ، المخاطبون بذبح الأضحية لا الموتى فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بذبح الأضحية عن الميت ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه ضحى لميته ، أو أوصى أن يضحي عنه بعد موته ، ولا أوقف ــ وقفا له في أضحيته . ولو كانت من البر ، أو أنه يصل إلى موتاهم ثوابها ؛ لكانوا أحق بالسبق ‘ليها . والنبي صلى الله عليه وسلم قد أرشد الأولاد إلى الدعاء ، وإلى الصدقة عن آبائهم ؛ فإنها من أفضل ما يرجى ثوابها و نفعها إليهم ، لكون الصدقة تصادف من الفقير موضع حاجة ، وشدة فاقة ، لما يتطلبونه في مؤنة العيد من النفقة والكسوة له ولعياله ، فتقع الصدقة بالموقع التي يحبها الله ، من تفريج كربته ، و تيسير عسرته ، وقضاء حاجته ، وهي أفضل من قطعة لحم تهدى إليه ، لا تسمن و لا تغني من جوع.

     فمن أراد أن يعمل عملا يثاب على فعله ، ويصل ثوابه إلى ميته ، فليضح عن نفسه ، أو يتصدق بثمن الأضحية عن ميته .

     إن الأضحية التي قيمتها ستمائة ريالا متى تصدق بثمنها على ستة بيوت من فقراء المسلمين لكل بيت مائة ، فإن هذا أفضل و أعم نفعا . و في الصحيحين أن سعد بن عبادة . قال يا رسول الله : إن أمي افتلتت نفسها و لم توص ، وأظنها لو تكلمت لتصدقت . أفلها الأجر إن تصدقت عنها ؟ قال : »  نعم تصدق عن أمك« .

     و جاء رجل من بنى ساعده فقال . يا رسول الله : إن أبوي قد ماتا فهل بقي من برهما شيء أبرهما بعد موتهما ؟ قال : نعم . الصلاة عليهما ، والإستغفار لهما ، و إنفاذ عهدهما بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، و إكرام صديقهما من بعدهما .

 

(1)                 2 ــ الكوثر . 

 

وفي صحيح مسلم . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  »  إذا مات الإنسان إنقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له  « (1). و قال :»  أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر و تأمل الغني و لا تمهل حتى إذا بلغت ــ الروح ــ الحلقوم ، قلت : لفلان كذا ، ولفلان كذا ن ألا وقد كان لفلان « (2). فما أحسن من صدقة الشخص ، تخرج منه في حالة الصحة بدون أن يتكل فيها على وصيته ، فما نفع الإنسان مثل اكتسابه بنفسه لنفسه .

     فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .


 


(1)                 رواه مسلم عن أبي هريرة .

(2)                 رواه مسلم عن أبي هريرة .