![]() |
|
التذكير بعيد الأضحـــــى
الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين. ونحمده
ونشكره ونكبره أن جعلنا مسلمين . الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر كلما أحرموا من
الميقات ، الله أكبر كلما لبى الملبون وزيد في الحسنات ، الله أكبر كلما طافوا
بالبيت وضجت الأصوات بالدعوات ، الله أكبر كلما وقفوا خاضعين بعرفات . فسبحان سامع
تلك الأصوات ، وسبحان مجيب الدعوات ، وسبحان العالم بما مضى من خلقه وما هو آت .
الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد . الحمد لله الذي شرع لعباده أنواع العبادة ،
ويسّر وأنار قلوب أوليائه بنور طاعته وبصّر ، وجعل لهم بكمال حجهم عيداً يعود في
كل سنة ويتكرر . أحمده سبحانه وهو المستحق لأن يحمد ويشكر ،
وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الخلق فقدّر ، وشرع ويسّر ، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد : فيا أيها الناس: إتقوا الله وأطيعوه
، وامتثلوا أمر ربكم و لاتعصوه ، فإن أطعتموه لم يصل إليكم شيء تكرهونه ، وإن
عصيتموه عاقبكم بما لا تطيقونه . وأعلموا رحمكم الله ؛ أنكم خرجتم إلى هذا الصعيد
لقصد أداء صلاة العيد ، تأسياً بنيكم عليه الصلاة والسلام ، وإظهاراً لشكر نعمة
الهداية إلى الإسلام ، وبلوغ عيد حج بيت الله الحرام . وأن يومكم هذا يعد من أكبر
الأيام شعائر ، ومن أعظمها مناسك ، ومشاعر . أطلعه الله عليكم سعيداً ، وجعله لكم نسكا
وعيداً . شرفت به أيام التشريق ، وأفاض الحجاج فيه من
المشعر الحرام إلى البيت العتيق ، تهرق فيه دماء الأضاحي ، ويطلع الرب فيه على
عباده ويباهي فهو يوم الحج والمنحر ، وعيد الأكبر . يجتمع فيه الحجاج بمنى لقضاء
مناسك الحج ، ويتقربون إلى الله فيه العج والثج . يحيون سنة أبيهم إبراهيم بما يذبحون من القرابين ، فهو عيد
لاستكمال مناسب حجهم ، كما أن عيد الفطر عيد لاستكمال شهر صومهم. فهما عيدا أهل
الإسلام ، ولأجله شرع إظهار التجمل والزينة فيهما ، والجهر بالتكبير في ليلتهما؛
إكبارا لأمرهما ، وإشهاراً لشرفهما . ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم
ولعلكم تشكرون ) (1) . الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ،
الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد . والأضحية سنة في حق الحي . سنها رسول الله صلى
الله عليه وسلم قولاً منه وفعلاً ، ونزل فيها قرآن يتلى ( فصل لربك وانحر ) (2) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
يسمنون الأضاحي في بيوتهم حرصاً على هذه الفضيلة . وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقسم الأضاحي بين أصحابه لتعميم العلم بهذه الشعيرة ، وإظهار مكانتها من
الشريعة . وعن يزيد بن أرقم . قال: قلنا ، أو قالوا: يا
رسول الله . ما هذه الأضاحي ؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه
. قالوا: فمنا لنا فيها يا رسول
الله ؟ قال: بكل شعرة حسنة . قالوا:
فالصوف؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة) (3) .
(1)
185 – البقرة
. (2)
2 – الكوثر . (3)
رواه ابن
ماجة والحاكم . وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة
الوداع مائة بدنة . أي مائة ناقة ، نحر منها ثلاثاً وستين بيده عدد عمره الشريف ،
وكن يزدلفن بين يديه أي تبرك الناقة قبل الأخرى . وضحى عام لم يحج بكبشين أقرنين ، ذبح أحدهما
بيده . وقال: بسم الله والله أكبر الله هذا عن محمد وآل محمد . ثم ذبح الثاني.
وقال: اللهم هذا عن محمد وعمن لم يضح من أمة محمد ممن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي
بالبلاغ . فلا تحزن أيها العاجز الفقير ، فقد ضحى عنك البشير النذير . وقد قال قوم من أهل العلم بوجوب الأضحية على
الغني المقتدر ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بوم العيد: » من كان له سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا « (1) . والأضحية إنما شرعت في حق الحي الغني شكرا
لنعمة بلوغه العيد . أما الأضحية عن الميت فإنه بمقتضى التتبع
الاستقراء لكتب الصحاح ، والسنن ، والمسانيد ، لم نجدها دليلاً صحيحاً يأمر فيها
ــ بالأَضحية ــ عن الميت ، أو يشير إلى وصول ثوابها إليه . ولم ينقل عن أحد من
الصحابة أنه ضحى لميته ، وأنه أوصى أن يضحي عنه بعد موته ، أو أنه وقف وقفاً في
أضحية. فليس لها ذكر عندهم لا في أوقافهم ، ولا وصاياهم ، ولا تبرعاتهم لموتاهم .
فلو كانت الأضحية عن الميت سنة ، أو أنه يصل إلى موتاهم ثوابها بعد موته لسبقونا
إلى فعلها .
(1)
رواه الحاكم
مرفوعاً هكذا وصححه ، وموقوفا ولعله أشبه ــ هكذا السند في الترغيب للمنذري. وإنما أرشد النبي الأولاد إلى الصدقة عن
والديهم إذ هي أفضل من الأضحية . عباد الله: الصلاة الصلاة ، فإنه لا حظ في
الإسلام لمن ترك الصلاة ، فمنزلتها من الدين كمنزلة الرأس من الجسد ، فلا دين لمن
لا صلاة له ، فيه الفارقة بين أهل الكفر والإسلام . لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: » العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة
فمن تركها فقد كفر « (1) . وكان السلف الصالح يسمونها الميزان فإذا أرادوا أن
يبحثوا عن دين أي إنسان سألوا عن محافظته على الصلاة ، فإن حدثوا بأنه محافظ على
الصلاة في الجماعة علموا أنه ذو دين وإن حدثوا بأنه لا يشهد الصلاة علموا أنه لا
دين له وكل من لا دين له فإنه جدير بفعل كل شر ، بعيد من كل خير ، يستوجب البعد عن
وظائف التعليم ، لأنه يعدى بدائه ، ولأن الخائن بصلاته التي هي أمانة ربه ، جدير
بأن يخون أمته وأهل ملته ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في
الدين ) (2) . واستعينوا على تربية أولادكم بأخذهم إلى
الصلاة في المساجد معكم ؛ لأن من شب على شيء شاب على حبه ، ولأنه بمجاهدة الولد
عليها والأخذ بيده إليها ، يعود حبها ملكة راسخة في قلبه ، تحببه إلى ربه وتقربه
من خلقه وصلح له أمر دنياه وآخرته ، فهي الوازع الفرد ، تقيم اعوجاج الولد ، وتصلح
منه ما فسد ، وتكون سبباً لإنشراح صدره ، وسعة رزقه . وإنكم متى أهملتم تربية
أولادكم ، فلم تهذبوهم على حب الصلاة والصيام ، وسائر شرائع الإيمان ، فإنه لا بد
أن يتولى تربيتهم الشيطان ، فيحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان
(1)
رواه من حديث
بريده أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح. وابن ماجة وابن حبان في
صحيحه ، وصححه الحاكم. ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض
له شيطاناً ) (1) يقول الله تعالى: ( وأمر أهلك
بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) (2) . وأدوا زكاة أموالكم فإنها سبب لسعة رزقكم ،
وكأنها بمثابة محك التمحيص لصحة إيمانكم ، أو ما علمتم أنها إنما سميت زكاة من أجل
أنها تزكي المال ، بأن تكثره وتوفره وتطهره . كما تزكي إيمان مخرجها من درن الشح
والبخل والهلع ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (3) . وأقسم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ما نقضت
الزكاة مالا بل تزيده . فاتخذوها عند الله مغنماً ،ولا تجعلوها مغرماً ، وعليكم
ببر الوالدين ، وصلة الأرحام ، فواصلوهم بالتحف والهدايا وأنواع الإكرام وزوروهم
للسلام عليهم بالأقدام ، فإن
الأرحام متى تجالسوا وتزاوروا تعاطفوا . ومتى تباعدوا تقاطعوا. فمن وصل رحمه أوصل
الله إليه الخيرات ، وبسط له في حاله وماله البركات ، ومن قطع رحمه قطع الله عنه
الخيرات ، وحرمه أنواع البركات ، وعاقبه بالوقوع في الأزمات والحاجات. وليس الواصل
بالمكافيء ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها . والرحم هم: أمك ، وأبوك ، وأختك ، وأخوك ،
وعمك ، وخالك ، وبنات عمك ، وبنات عماتك وبنات خالك ، وبنات خالاتك . » تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم محبة في الأهل
مثرات في المال منسأة في الأجل « (4) أي تكثر المال وتنزل البركة في
العمر.
(1)
36 – الزخرف
. (2)
132 – طه . (3)
9 الحشر و16
– التغابن . (4)
رواه الإمام
أحمد في مسنده والترمذي والحاكم عن أبي هريرة وقال الحاكم صحيح وأقروه . واغتنموا في هذا اليوم
إطفاء ثائرة العداوة والأحقاد فيما بينكم . فمن كان بينه وبين أخيه ورحمه ، أو
جاره شيء من العداوة والبغضاء فليرض الرحمن ، ويغضب الشيطان ، ويسعى في إزالة
العداوة والهجران ، ثم يلقه فيسلم عليه ، ليحوز الأجر الجزيل ، والفضل العظيم ،
حيث يأمرنا سبحانه بقوله وعليكم بأداء الأمانة ، فإنها عنوان الديانة .
ففي الحديث » لا إيمان لمن لا أمانة له « (3) . ولأن المؤمن يطبع على الخلال
كلها ؛ إلا الخيانة ، والكذب فأيما رجل أستئومن على حفظ مال لتاجر ، أو حكومة ، أو
شركة ، ثم اختلس ما استؤمن عليه بطريق التلصص الخفي ، والخيانة والغدر ، فإنه
يبتلي في الدنيا بالفاقه والفقر ، ويبعث يوم القيامة غادراً خائناً . ( ومن يغلل
يأت بما غل يوم القيامة ) (4) وإياكم والربا فإن عاقبته نار وعار ، والذين
يأكلون الربا إنما يأكلون في بطونهم ناراً . والربا أنواع؛ أشده وأشره ؛ الذين
يستدينون من البنوك النقود إلى أجل ، ومتى حل الأجل أضافوا زيادة في الثمن ، ومدوا
في الأجل ، وهذا هو عين ربا الجاهلية الذي حرمه الإسلام ، وأنزل الله في الزجر عنه
القرآن ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكله ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهديه ( فمن
جاءه موعظة من ربه فانتهي فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار
هم فيها خالدون) (5) . وقلب الدين على المعسر يعد من
الزنا ، ومن أنواع الربا: الإتجار في الأعيان المحرمة ، كبيع الخمر ولحم الخنزير ،
والصور المجسمة ، فلا يقولن أحدكم إنما أبيعها على النصارى فإن الله إذا حرم شيئاً
، حرم بيعه وشراؤه وثمنه . وفي الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ، فإن الله
إذا حرم شيئاً حرم ثمنه « . فأفيقوا من رقدتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا
على فرائض ربكم ، واجتنبوا ما حرم عليكم ، واستقيموا على الجادة قبل ( أن تقول نفس
يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين) (6) .
(1)
34 – فصلت (2)
رواه مسلم عن
أبي أيوب الأنصاري (3)
من حديث رواه
الطبراني في الأوسط عن ابن عمر . (4)
161 – آل
عمران . (5)
275 – البقرة
. (6)
56 – الزمر . |