![]() |
|
فقه أحكام منسك حج بيت الله الحرام
الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، وأشهد أن محمدا
عبده و رسوله سيد الأنام ، والداعي إلى دار السلام. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد
، وعلى آله وصحبه البررة الكرام . أما بعد : فإن الله سبحانه جعل الشهور
والأعوام ، والليالي والأيام كلها مواقيت الأعمال ، ومقادير الآجال ، فهي تنقضي
جميعا ،وتمضي سريعا، والذي أوجدها وخصها بالفضائل ، وأودعها هو باق و هذا التكفير ، إنما يقع في صغائر الذنوب في
قول الجمهور ، أما الكبائر مثل : القتل ، والربا ، والزنا ، وشرب الخمر ، وأكل
أموال الناس . فهذه لا يكفرها الحج ، ولا الصلاة ، ولا الصيام . إنما يكفر بالتوبة ورد المظالم . ثم إن الله سبحانه قد بنى دين الإسلام على خمسة أركان ؛ الخامس منها
حج بيت الله الحرام . وخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » إن الله كتب عليكم الحج . فقام الأقرع ابن حابس فقال: يقول الله تعالى : ( وأذن في الناس بالحج
يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ) (1) . وهذه المنافع الذي يشهدها الحج شاملة لمنافع الدنيا ،
ومنافع الآخرة . فمن منافع الدنيا أن يلقى
المسلمون بعضهم بعضا في بلد من دخله كان آمنا ، فيتعارفون ، ويتعاشرون ، ويتواصلون
، ويتناصحون ، فيتفكرون في علاج عللهم ، وإصلاح مجتمعهم وإزالة الإحن و الشحناء
من بينهم . وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله
عنه يأمر أمراء الأمصار وسائر العمال بأن يلقوه في موسم الحج فيسأل كل واحد عما
تولاه من شئون مملكته ، وما تحتاجه من الإصلاح والتعديل. وأما منافع الآخرة ، فما يحصل لهم من المغفرة
لمن أخلص نيته ، وأصلح عمله . ففي الحديث : أن النبي صلى عليه وسلم قال : » الحجاج والعمار وفد الله إن سألوه أعطاهم ، وإن دعوه أجابهم ، وإن أنفقوا
أخلف الله عليهم «
. رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما . يقول الله سبحانه (
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (2) . وعن أنس قال : قيل يا رسول الله . وشرط الفقهاء الأمن على نفسه من خوف الهلاك .
(1)
27ــ 28 الحج
. (2)
97 ــ آل
عمران . الحج من الشرائع القديمة والحج هو من الشرائع القديمة ؛ فكان الأنبياء
أممهم المطيعون لهم يحجون البيت الحرام ، كما في الحديث : أن النبي صلى الله عليه
وسلم : مر بوادي عسفان . فقال يا أبابكر : لقد مر بهذا الوادي هود ، وصالح . على
بكرات خطمهما الليف يحجون هذا البيت العتيق (1) . و قال :
لقد مر بالروحاء سبعون نبيا فيهم نبي الله موسى يؤمون هذا البيت العتيق (2) . وكانت قريش تحجه قبل الإسلام ، غير أنهم أدخلوا فيه
عبادة الأصنام ، لأن هذا البيت ؛ هو أول بيت أسس في الأرض لعبادة الله عز و جل ،
وللصلاة فيه ، كما قال تعالي : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى
للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج
البيت من استطاع إليه سبيلا و من كفر فإن الله غني عن العالمين ) (2) . وفي صحيح البخاري . عن أبي ذر . قال : قلت يا
رسول الله . اخبرني عن أول بيت وضع في الأرض ؟ قال : المسجد الحرام . قلت . ثم بعد هذا ؟ قال : المسجد الأقصى
. قلت كم بينها ؟ قال : أربعون عاما.
فتح مكة فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام ثمان من
الهجرة . وفي السنة التاسعة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه
بأن يحج بالناس .
(1)
رواه أحمد
والبيهقى من حديث ابن عباس . (2)
رواه أبويعلى
و الطبراني من حديث أنس . (3)
96 ــ
97 آل عمران . وكان عدم مبادرته إلي الحج في
هذه السنة ، أن الناس قد اعتادوا أعمالا منكرة يعملونها في الطواف ؛ وذلك أنهم
يطوفون بالبيت عراة ، الرجال والنساء ، ويقولون : ثياب عصينا الله فيها لا نطوف
بها . فأنزل الله سبحانه ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا
بها . قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) (1) . ولهذا أرسل النبي
صلى الله عليه وسلم عليا بأن ينادى في الناس بسورة البراءة ، وأن لا يحج بعد العام
مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ــ
عهد فأجله إلى مدته ( إن الله بريء من المشركين ورسوله ) (2) . وروى مسلم في صحيحه عن جابر
: مكث النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين لم يحج . وفي السنة العاشرة : أذن في الناس : أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم حاج . فقدم المدينة بشر كثير كلهم يريد أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويحج معه ،
ونعمل مثل عمله ، قال جابر : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى ذا
الحليفة ــ وهي ميقات أهل المدينة فنزل بها صلى الله عليه وسلم وبات بها تلك
الليلة ، فولدت أسماء بنت عميس ــ زوجة أبي بكر . فأرسلت إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم . فقالت : كيف أصنع ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم » اغتسلى واستثفري بثوب وأحرمي « (3) . فدل هذا الحديث علي أن
الحائض ، والنفساء تغتسل للإحرام وتحرم كما يحرم سائر الناس ، وإحرامها صحيح . قال
جابر : » لسنا ننوي إلا الحج ، لسنا
نعرف العمرة «(4) .
(1)
28 ــ
الأعراف . (2)
3 ــ التوبة
. (3)
رواه مسلم عن
جابر بن عبد الله . (4)
رواه مسلم
. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد
لإحرامه واغتسل وتطيب . قالت عائشة ــ رضي الله عنها ــ طيبت رسول الله صلى الله
عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت . فطيب الرجال ما ظهر
ريحه وخفي لونه ؛ كدهن الورد . و طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه . صفة الإحرام بالحج ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإحرامه
واغتسل ؛ فأحرم في إزار و رداء ،
وصلى ركعتين بعد إحرامه ؛ والإحرام هو : نية الدخول في نسك الحج والعمرة متمتعا ،
ولا يلزمه التلفظ بالنية ، بل لو أحرم كما يحرم الناس صح ، ويصير متمتعا ولو لم
يتلفظ بنية الحج . و هذا هو الظاهر من فعل الصحابة. قال جابر : ثم
ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته القصواء ، فلما استوت به
على البيداء، نظرت إلى مد بصري من بين راكب ، وماش وعن يمينه مثل ذلك ، وعن شماله
مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، وعليه
ينزل القرآن. فما عمل به من شيء عملنا به ، فأهل بالتوحيد » لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ،
لا شريك لك«.
وأهل الناس بالذي يهلون به ، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه
حتى لقي ركباً بالروحاء فقال: » من القوام؟ قالوا المسلمون . قالوا: من أنت؟ قال: أنا رسول الله فرفعت امرأة إليه صبياً فقالت : يا رسول الله : أ لهذا
الحج ؟ قال: نعم ، و لك أجر . فدل
هذا الحديث على استحباب إحرام الصبي للحج بحيث يحرم عنه وليه، ويطوف به ، و يسعى
به ، و يرمي عنه ، ويفدي له. إن كان إحرامه بالتمتع ، و إن إحرامه له هو من باب
الاستحباب لا الوجوب. وإنما شرع للتمرين على العبادة . لكن هذا الحج لا يجزيه عن حجة الإسلام. ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه
، فجاءت امرأة من خثعم .
فقالت: يا رسول الله. إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخاً كبيرا لا
يثبت على الرحلة . أ فأحج عنه؟ فدل هذا الحديث على جواز حج المرأة عن الرجل ،
وإن المرأة يجوز لها أن تحج عن أبيها ، أو عن أمها ، كما يجوز للرجل أن يحج عن
أبيه ، وعن أمه إذا حج عن نفسه . كما دل الحديث على الرجل الكبير ، والمرأة
الكبيرة اللذين لا يستطيعان الطواف ولا السعي ، وسألته امرأة فقالت: يا رسول الله . إن أمي
نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت . أ فأحج عنها ؟ فقال: » نعم حجي عنها . أ رأيت لو كان على أمك دين ،أ كنت قاضية. اقضوا الله ،
فالله أحق بالوفاء «. فدل هذا الحديث على أن من
نذر فعل طاعة من الطاعات ، كمن نذر أن يحج ، أو نذر أن يصوم عشرة أيام، أو أن يتصدق بكذا ، أو كذا ، فإن هذا
النذر ، نذر طاعة قد أوجبه على نفسه ، فلزمه الوفاء به. فقد مدح الله في كتابه
الذين يوفون بالنذر . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه «. والنذر على الإطلاع مكروه ، وليس بمحبوب ؛ لأن الناذر يوجب على
نفسه شيئاً لم يوجبه الله عليه ، و لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : » النذر اجتناب محظورات الإحرام وسئل النبي صلى الله
عليه وسلم: ماذا يلبس المحرم؟ فقال: » لا يلبس القميص ،
ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا
البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد نعلين ؛ فليلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من
الكعبين ، ولا تلبسوا شيئاً مسه الزعفران ولا الورس «
. إن من سنة الإحرام ؛
هو أن يتجرد الإنسان عن كل ما يعتاد لبسه ، فلا يلبس القميص ، ولا العمائم ، ولا
القلنسوة ، ولا السراويلات، ولا الخفاف ــ وهي الزرابيل ــ بل يتجرد عن كل مخيط ؛
فيحرم في إزار، ورداء ، تشبه أكفان
الموتى ، بحيث يتساوى في هيئة الإحرام ، الشريف والوضيع ، والغني والفقير، والملك والمملوك
، والوزير والصعلوك كما يتساوون في الصلاة ، وفي الطواف ، وفي سائر العبادات . » ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه « . ومتى كان الإنسان
يشتكي رأسه لعلة يجدها في نفسه إذا كشف رأسه ؛ واحتاج إلى ستر رأسه ؛ فإنه يجوز أن
يستر رأسه ، ويفدى ما يجزئ في الأضحية ، أو يصوم ثلاثة أيام ، أو يطعم ستة مساكين،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب ابن عجرة: » لعلك آذاك هوام رأسك ؟ فقال: نعم يا رسول الله . فقال: إحلق
رأسك ، وصم ثلاثة أيام ، وأطعم ستة مساكين، أو أنسك بشاة « ــ رواه البخاري . ولا يبطل بذلك إحرامه ، ولا حجه ، بل يكفيه عن
حلق رأسه ، أو تقليم أظافره ، أو لبس المخيط من القميص والسراويل فأن يفديه بذبح ما يجزئ في الأضحية ، أو
يطعم ستة مساكين ، أو يصوم ثلاثة أيام . وكل هذا على التخير ، وحجه صحيح . أما المرأة . فأن
إحرامها في وجهها . فلا تلبس البرقع ، ولا النقاب فتزيل عن وجهها النقاب الذي
يستعمله نساء الأعراب ، إلا عندما يراها أحد من الرجال ؛ فإنها تسدل الخمار على
وجهها . تقول عائشة: » كانت إحدانا تكشف وجهها في
إحرامها ، فمتى رأينا الرجال سدلت إحدانا خمارها على وجهها فإن انتقبت المحرمة ــ أي لبست النقاب
على وجهها ــ وجب عليها أن تفدي عنه بذبح ما يجزئ في الأضحية ، أو صيام ثلاثة أيام
، أو إطعام ستة مساكين ، ولا يجب عليها أن تستعمل العصابة على جبهتها لتمنع بها مس
الخمار لوجهها ، فهذا لم يثبت فعله عن نساء الصحابة «
. ولو فرض أن الخمار مس وجهها من أجل هبوب الهواء ، أو غير ذلك ، فإن هذا لا يضرها
ولا يقدح في صحة حجها . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار في طريقه حتى
أتى »سرفا « وهو بطرف مكة مما يلي طريق جدة فنزل به . حكمة الحيض . . وما
يجب عل من ابتليت به في سفر حجها ثم دخل على عائشة
وهي تبكي فقال: » ما يبكيك ، لعلك نفست ؟ أي
حضت ــ فأشارت إليه أي نعم. فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما
يفعل الحاج غير أن تطوفي بالبيت حتى تطهري «. وفي رواية . قال: » أرفضي حجك
واجعليها عمرة «
أي قولي لبيك عمرة وحجاً . وقال لها إن طوافك بالبيت ، وسعيك بين الصفا والمروة ،
يكفيك لحجك وعمرتك . فالحيض خلقة وجبلة في المرأة خلقه الله لحكمة . غذاء الجنين
في البطن ، كما أن صفار البيضة يغذي الفرخ حتى يتم . ولهذا الحامل لا تحيض، ومتى
خرج منها الدم فإنه نقص في الحمل ، ويعتبر بأنه دم فساد لا تترك له الصلاة ، ولا
الصيام ، وهو من مكملات المرأة ، لكون المرأة التي تحيض هي المستعدة للحمل . فالمرأة متى ابتليت
بخروج الحيض عند الإحرام ، أو عند قرب دخولها مكة ، فإنه تدخل العمرة على الحج
وتقول : » لبيك عمرة وحجا « . فتصير قارنة و لا تطوف ،
ولا تسعى حتى تطهر وتغتسل ويكفيها لحجها وعمرتها طواف واحد ، وسعى واحد ، و لو بعد
الوقوف ورمي الجمار . لكن إذا استمر الحيض
عليها ، وخافت من خروج الرفقة من مكة قبل أن تظهر ، وقبل أن ينقطع عنها الدم ولا
يمكنها التخلف عنهم ، فقد أفتى شيح الإسلام ابن تيمية ، والعلامة ابن القيم مثل
هذه المرأة بأن تغتسل وتستثفر ، ثم تطوف ، وتسعى ، وتفعل بقية حجها . ويكفيها ذلك
، ويتعبر حجها صحيحاً ، لأنها حالة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها ، ( و لا يكلف الله
نفساً إلا وسعها ) (1) ( فاتقوا الله ما استطعتم ) (2) . فأشبه عادم الطهورين يصلي على حسب حاله.
(1)
من 286
البقرة . (2)
16 – التغابن
. وكذا
المرأة المبتلاة بجريان الدم بما يسمى الاستحاضة ، وكذلك الرجل المبتلى بسلس البول
الدائم، فكل واحد من هؤلاء يصلى على حسب حاله حتى ولو قطر الدم على الحصير ، وكذلك
طواف الحج فإنه يطوف على حسب حاله ؛ إذا الطهارة للصلاة آكد من الطهارة لطواف الحج
وإذا ضاق الأمر اتسع ، والمشقة تجلب التيسير ، والنبي صلى الله عليه وسلم
قال: » وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم « (1). وهذا هو الذي نعتقده ونعتمد
صحة الفتوى به . وقد رخص الفقهاء للحائض والنفساء متى توضأت
وضوء الصلاة بأن تمكث في المسجد الحرام وغيره من المساجد متى أمنت تلويثه ، لكون
الوضوء يخفف من حديث الحيض والنفاس ، وكذا الجنابة. وقالوا: إن الصحابة كانوا
يمكثون في المسجد بعد الوضوء وهم مجنبون، ولهذا قال ناظم المفردت:
آداب الطواف باليت قال جابر: ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
دخل مكة ؛ فطاف بالبيت ، فرمل ثلاثة أشواط ، ومشى أربعة . والرمل هو: العدو مع تقارب الخطى .
واضطبع بردائه فجعله تحت إبطه الأيسر. وهذا الرمل والاضطباع: إنما يشرعان في طواف
القدوم من السفر فقط . وما عدا ذلك فإنه يطوف ماشياً بسكينة ووقار . ثم قرأ (
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فصلى
ركعتين ، وشرب من ماء زمزم ، ثم خرج
إلى السعي ، فبدأ بالصفا وختم بالمروة ، فعل ذلك سبعاً يذكر الله فيهما ويسبح
ويدعو.
(1)
من حديث رواه
البخاري ومسلم وعن أبي هريرة . (2)
125 – البقرة
. الاكتفاء بسعي واحد عن
الحج والعمرة حق القارن والمتمتع فلما كان آخر سعيه بالمروة ،
قال لأصحابه: » لو أني استقبلت من أمري ما
استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي ، فليحل ،ليجعلها
عمرة « (1) ــ وفي هذا دليل على تحديد نحر نسك التمتع والقرآن بيوم
العيد وأيام التشريق ، وإنه لا يجوز قبل ذلك ــ فقال سراقة بن مالك بن جعشم فقال:
أ لعامنا هذا . أم للأبد ؟ (2) . فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم » بل لأبد الأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة « (3) . فحل الناس كلهم ، وقصروا من رؤوسهم ، و لبسوا ثيابهم ، ودارت مجامر
الطيب بينهم . إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي ، فإنهم بقوا على
إحرامهم ، و لم يحلوا منه إلا يوم العيد بعد ما رموا جمارهم ، ونحروا هديهم . وفي اليوم الثامن أحرم الذين حلوا بالحج ،
وتوجهوا إلى منى ، فنزلوا بها ، وفي اليوم التاسع توجهوا إلى عرفات ، و صلى بهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر قصراً وجمعاً حتى أهل مكة. فكانوا
يقصرون مع الصلاة بنمرة ومزدلفة ومنى ، و بعد الصلاة توجهوا إلى عرفات ، وخطب بهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطبة العظيمة . وقال: » إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم
إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ومنها ألا كل شيء
من أمر الجاهلية تحت قدمي
(1)
رواه مسلم . (2)
رواه مسلم عن
جابر بن عبد الله . (3)
رواه مسلم عن
جابر بن عبد الله . موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة
، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ــ كان مسترضعاً في بني سعد
فقتلته هذيل ــ وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد
المطلب ، فإنه موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ،
واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن . وقد تركت فيكم ما لن
تضلوا بعده أن اعتصمتم به: كتاب الله وأنتم تسألون عني ، فما أنتم قائلون؟ قالوا: » نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعه
إلى السماء . وقال : » اللهم أشهد « (1) ــ وفي رواية قال: لعلكم لا
تلقوني بعد عامي هذا ، ألا فلا ترجعوا بعد كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض « . فسميت حجة الوداع ، من أجل أنه ودع الناس فيها . أدب الوقوف بعرفة وما ينبغي أن يقول فيه إن يوم عرفة ؛ أفضل أيام الدنيا كما في الصحيح
. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
» أفضل أيامكم يوم عرفة ، وأفضل
ما قلت والنبيون من قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك
وله الحمد وهو على كل شيء قدير«. ويكثر من ذكر الله ويسبحه ويستغفره أو يسكت . إذ ليس لعرفة دعاء
مخصوص ، إذا المقصود الوقوف بها ، لحديث » الحج عرفة « (2) . وأنزل الله عليه بعرفة ( اليوم أكملت لكم دينكم
وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (3) .
(1)
رواه مسلم في
باب : في حجة النبي صلى الله عليه وسلم . (2)
من حديث رواه
الترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي. وقد أنزل الله عليه في أوسط أيام التشريق (
إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك
واستغفره إنه كان توابا ) (1) ففي هذه السورة
إعلام باقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فسرها بذلك ابن عباس . وفي موقف عرفة ، سقط رجل عن راحلته ، فمات .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولما غربت الشمس ، انصرف رسول الله صلى الله
عليه وسلم من عرفة وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحل رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو يقول: » أيها الناس السكينة، السكينة، كلما أتى حبلاً (3) من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد « (4). الحكم في نزول مزدلفة والدفع منها إن للمزدلفة ثلاثة أسماء . هي المزدلفة ، وجمع
، والمشعر الحرام . وحدها من عرفة إلى قرن محسر ، وما على يمين ذلك وشماله من
الشعاب والجبال فهو منها . ففي أي موضع منها وقف الحاج أجزأه. لقول النبي صلى الله
عليه وسلم » وقفت ها هنا ، وجمع كلها موقف « . والأصل في ذلك قوله
سبحانه ( فإذا أفضتم من عرفات
فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين .
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) (5) .
(1)
سورة النصر . (2)
مثله رواه البخاري ومسلم وابن خزيمة عن ابن عباس . (3)
جبلا من الجبال : أي المستطيل من الرمل . (4)
رواه مسلم . (5)
198-199- البقرة . والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل واجب في ظاهر مذهب
الحنابلة والشافعية ، وقال الإمام مالك إن نزل بها ثم دفع ، فلا شيء عليه ،
وإن لم ينزل بها فعليه دم . وقال في الإفصاح: أجمعوا على أنه يجب البيتوتة
بمزدلفة جزءاً من الليل في الجملة إلا مالك فإنه قال: هو سنة مؤكدة . وقال
الشافعي في أحد قوليه: إنه ليس واجب . قال واختلفوا فيمن ترك المبيت بمزدلفة
جزءاً من الليل ، هل يجب عليه دم أم لا؟ فقال أبو حنيفه: لا شيء عليه في
تركها مع كونها واجبة عنده . وقال مالك: يجب في تركها الدم، مع كونها سنة
عنده. وقال الشافعي في أظهر قوليه ، وأحمد: يجب في تركها الدم ، مع كونها
واجبة عندهما . فهذه الأقوال مع اختلافها خرجت من هؤلاء الأئمة مخرج الاجتهاد
منهم لكونهم لم يجدوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاً صحيحاً صريحاً في
تحديد الواجب من المبيت ، وهل هو الليل كله أو نصفه فاجتهد كل واحد منهم في
القول فيه على حسب الحالة والحاجة في زمنهم؛ من قلة الحاج وسعة المكان
والطرق والقدرة على تصرف الإنسان بما يريد . وإن الأمر الذي لا نزاع
فيه . هو أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بمزدلفة بعد انصرافه من عرفة فصلى بها
المغرب والعشاء جمع تأخير بآذان وإقامتين . ثم رقد حتى طلع الفجر فصلى بعدما
تبين الفجر. ثم وقف بالمشعر الحرام ؛ فذكر الله وهلله . وأخذ يدعوا حتى أسفر
جداً ثم دفع من مزدلفة ومعه أصحابه حتى أتى جمرة العقبة ، فرماها بسبع حصيات
يكبر مع كل حصاة . ثم انصرف إلى المنحر فنحر هديه، وحلق رأسه ، ولبس ثيابه.
وبعد ما أكل من لحم هديه وشرب من مرقه ، دفع إلى مكة ومعه أصحابه . فطاب
بالبيت طواف الحج . وهذا أفضل ما يفعله الحاج إذ أنه سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم الفعلية، وسيرة خلفائه وأصحابه، حتى في حالة الزمان وشدة الزحام ؛
فإنه يكون أوفق وأرفق به، إذ أنه بد انصرافه من مزدلفة يجد فجوة من شدة
الزحام بين المتعجلين والمتأخرين، فهو أفضل ما ننصح به، وندعو الناس إليه .
لكنه لا يلزم أن يتيسر هذا التسهيل لكل أحد . فإن الحاج زمن النبي صلى الله
عليه وسلم وزمن الخلفاء وفي كل السنين السابقة يكونون قليلين ، فلا يحج من
أهل البلدان البعيدة أحد ، ولا يحج من أهل البلدان القريبة إلا النادر . أما الآن ، وفي هذا
الزمان ، فقد قصرت المسافات ، وسهلت المواصلات بوسائل المراكب الهوائية
والبرية ، ودكت عقبات التعويق، وقطع دابر قطاع الطريق ، وشمل الناس الأمن
المستتب في أنحاء الحرم، وسائر السبل المفضية إليه . فمن أجله قوض الناس إلى
الحج من كل فج ، فأقبلوا إليه يجئرون ، وفي كل زمان يزيدون ، فعظم الخطب ،
واشتد الزحام ، وصار الناس بعد انصرافهم من عرفة يسيرون مقسورين غير مختارين،
يتحكم فيهم قائد السيارة ، وشرطة نظام المرور ، بحيث يمنعون السائق من الوقوف
والإنصراف عن طريقه ، لكون أرض مزدلفة مملوءة من الناس والسيارات، وبما تمادي
بهم سيرهم حتى يصلوا إلى المسجد الحرام ، فيطوفوا طواف الإفاضة وهم قد مروا
بمزدلفة لكنهم يقفوا ولم ينزلوا بها . ولأجله كثر السؤال عن
حج هؤلاء ، وهل هو صحيح أم لا ؟ فالجواب. إننا على دين
كفيل بحل مشاكل العالم ، ما وقع في هذا الزمان ، وما سيقع بعد أزمان. ولو
فكرنا فيه بإمعان وفكر؛ لوجدنا فيه الفرج عن هذا الحرج . وقد قيل: إن الحاجات
هي أم الاختراعات، لهذا يجب على العلماء الاجتهاد في تجديد النظر ، فيما يزيل
عن أمتهم وقوع الخطر والضرر. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أرخص للضعن
والضعفة بأن يدفعوا بالليل ويرموا الجمرة بالليل . كما ثبت في صحيح البخاري.
من حديث عائشة ، وحديث أسماء بنت أبي بكر ، وحديث أبن عمر ، وحديث ابن
عباس. كما ثبت الدفع إلى مكة
من حديث عائشة . قالت : أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة
المزدلفة فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت. رواه أبو داود بإسناد على
شرط مسلم. وكل الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم والسنن ، لم تثبت تحديد
المبيت بجزء من الليل، و لا تقييده بنصفه كما قيده الفقهاء بذلك . وترجم له
البخاري في صحيحه ما عدا أن أسماء بنت أبي بكر قالت للذي يرحلها: هل غاب
القمر؟ فقال: لا . فأخذت تصلي. ثم قالت: هل غاب القمر؟ قال: نعم . قالت:
فارتحلوا. قال: فارتحلنا فمضت حتى رمت الحجارة ، وقالت يا بني: إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذن للضعن. ومثله قاله ابن عمر حين دفع من مزدلفة بأهله
من الليل. وكلها تدل على تحديد ولا تقييد. ونتيجة الجواب عن هذا
السؤال: إن حج هؤلاء يعتبر صحيحاً بدون دم ، إذ هو نظير ما فعلته أم سلمة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة . قالت: أرسل النبي صلى الله
عليه وسلم بأم سلمة ليلة الفجر فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت. رواه
أبو داود وإسناده
على شرط مسلم، وهو جنس ما فعله هؤلاء من دفعهم من مزدلفة إلى الجمرة ،
ثم إلى مكة ؛ لطواف الافاضة بطريق القسر غير مختارين. وهو غاية وسعهم والله
لا يكلف نفساً إلا وسعها . ولأن الحج بعد انصرافه
من عرفة يمر بمزدلفة في طريقه . وقد قال الفقهاء أن حكم من مر بعرفة حلكم من
وقف بها في تمام حجة ، ومثله من مر بمزدلفة ولم يقف بها ، ثم إن بقية مناسك
الحج التي تفعل بعد الوقوف بعرفة ، مثل المبيت بمزدلفة ، والرمي وطواف
الإفاضة ،كلها من الأمور التي رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عن أمته
الحرج في تقديم شيء على شيء منها . فإنه ما سئل يوم العيد عن شيء قدم و أخر إلا
قال: افعل ولا حرج. وبما
أنها حصلت الرخصة من النبي سلى الله عليه وسلم في الدفع بالليل للضعن و
الضعفة بدون تحديد ولا قيد ، فإن أكثر الناس في حالة هذا الزحام الشديد قد
صاروا بمثابة الضعن و الضعفة ، بل أشد في حالة استعمال هذه الرخصة التي قصد
بها التسهيل ،
فيسروا ولا تعسروا . وقد قال الإمام مالك : إن المبيت بمزدلفة سنة
مؤكدة ، وقال الإمام الشافعي : في أحد قوليه إنه ليس بواجب . وقال الإمام أبو
حنيفة ليس عليه شيء في تركه ، قاله في الإفصاح . وقد أسقط الفقهاء من
الحنابلة ، والشافعية المبيت بمزدلفة عن الرعاة والسقاة قال في الإقناع وشرحه
ــ من كتب الحنابلة ــ وليس على أهل السقاة والرعاة مبيت بمنى
، و لا
مزدلفة ، و قيل أهل الأعذار كالمريض و من له مال يخاف ضياعه ، حكمه حكمهم في
ترك البيتوتة . قال في الكشاف جزم به الموفق ، والشارح ، وابن تميم ، وهذا
كله يرجع إلي كون الدين مبنيا على جلب المصالح و دفع المضار . دم المتعة والقران : هل هو دم نسك أو دم جبران قال الله سبحانه ( فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثه أيام في الحج
وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام
)(1) .
فأوجب سبحانه ذبح الهدي على المتمتع من أجل ترفهه باستعمال المباحات من الطيب
والنساء
،
و لبس الثياب فيما بين الحج و العمرة . كما أوجب الدم على القارن من
أجل أنه قرن بين الحج والعمرة بعمل واحد، واكتفى عنهما بطواف واحد ، لدخول الحج في
العمرة إلى يوم القيامة . فوجب عليه من أجله ذبح نسك : وهو ما يجزئ في
الأضحية . |