الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فضل عشر ذي الحجة وفضل الصيام فيها والصدقة

 

 

     الحمد لله المعبود علي الدوام ، المعروف بالكرم والإحسان ، كل يوم هو في شان ، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، وأشهد أن محمدا عبده و رسوله سيد الأنام ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام .

     أما بعد : فإن الله سبحانه جعل الشهور والأعوام ، والليالي والأيام ، كلها مواقيت الأعمال ، ومقادير الآجال ، فهي تنقضي جميعا ، والذي أوجدها وخصها بالفضائل ، وأودعها : هو باق لا يزول ، ودائم لا يحول .  هو في  كل الحالات إله واحد ، ولأعمال عباده رقيب مشاهد ، يقلب عباده بفنون الخدم ،ليسبغ عليهم فواضل النعم ، ويعاملهم بغاية الجود والكرم .

     و هذه الأيام العشر : هي الأيام المعلومات ، المخصوصة بالتفضيل في محكم الآيات . في قوله تعالي (و الفجر وليال عشر ) (1) فأقسم الرب بها لشرفها علي حسب ما قيل في تفسيرها . والتي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها : » ما من أيام العمل الصالح أحب إلي الله من هذه الأيام
العشر
« . وهذا العمل الصالح الذي يحب الله الإكثار منه في خاصة هذه الأيام ، يشمل الصلاة والصيام ، والصدقة بالمال ، وسائر أفعال البر الإحسان وللصدقة فيها ، شأن كبير ، وأجر من الله كثير ، لكون الصدقة في هذه الأيام تصادق من الفقير موضع حاجة ، وشديد فاقة ، لما يتطلبه الفقير من حاجة العيد من النفقة والكسوة ، وسائر المؤنة الضرورية ، فهذا من العمل الصالح المتعدي نفعه إلى الغير.


 


(1)                 1ــ الفجر .

 

     ومن العمل الصالح أيضا ، الصيام في هذه الأيام ، فقد كان بعض السلف يصومون عشر ذي الحجة كلها . وبعضهم يصوم بعضها ، لأن هذه الأيام هي أفضل أيام الدنيا ؛ من أجل أن فيها يوم عرفة ، الذي قال النبي صلي الله عليه وسلم فيه : » أفضل أيامكم يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي عشية يوم عرفة ؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير « ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة قال : » يكفر السنة الماضية والباقية « . رواه مسلم عن أبي قتادة ــ أي يكفر الصغائر . ولهذا يستحب الجهر بالتكبير في عشر ذي الحجة في المساجد ، وفي الأسواق والطرق ، جهرا لا يؤذي به أحدا . وفي البخاري : أن ابن عمر ، أبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما حتى إن للسوق لضجة بالتكبير ، وصفته أن يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد.

     والأضحية سنة ثابتة بالكتاب والسنة ، وثابتة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم و قوله ، وفعل أصحابه . وقد قال بعض العلماء بوجوبها علي المقتدر ، لكونها من شعائر الدين ، ومن الطاعة لرب العالمين . فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها بإجماع أئمة المذاهب الأربعة ؛ لأنها من القرابين التي تقربونها لرب العالمين .

     وفيها التشريف لعيد الإسلام ، وعيد حج بيت الله الحرام ، وفي فعلها إظهار لشكر نعمة الغنى ، حيث جعل من يضحي من الأغنياء المقتدرين ولم يجعله من الفقراء العاجزين .

     و لا ينبغي أن يحزن العاجز الفقير، فقد ضحى عنه البشير النذير .

     و أعلى الأضاحي ذبيحتان ، وتجزئ الذبيحة الواحدة عن الرجل وأهل بيته . وهنا حديث رواه مسلم: عن أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  » إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن أخذ شعره  وأظفاره « . وهذا حديث قد اختلف العلماء فيه ؛  فمنهم من حمل النهى على الكراهة كما هو الظاهر من مذهب الشافعي ومالك ، ورواية عن الإمام أحمد ، والكراهة تزول بأدنى حاجة . وقال أبو حنيفة لا يكره أخذ الشعر والظفر كما لا يكره ملامسة النساء والطيب والثياب .

     و قال كثير من فقهاء الحنابلة : أن النهى للكراهة ، ورجحه في الإنصاف وقد أنكرت عائشة على أم سلمة هذا الحديث ، وقالت ، إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق من أحرم بالحج ، وقد فتلت هدى قلائد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يمتنع عن شيء كان يفعله .

     فمتي قلنا إن النهى للكراهة ؛ وهو الصحيح ، فإن الكراهة تزول بأدنى حاجة ، وقد شاع واشتهر عند العامة ، أن كل من أخذ من شعر رأسه ، أو قلم أظافره ، فإنه لا يجوز له أضحية ، وهذا خطأ . ولم يقل به أحد من العلماء .

     وعلي كلا القولين : فإنه لو أخذ الشخص شيئا من شعر رأسه ، أو لحيته أو أظافره في عشر ذي الحجة ثم أراد أن يضحي فإنه يجوز له أن يضحي ، وأضحيته صحيحة بإجماع أهل العلم ، وكذلك المرأة لو نقصت شعر رأسها فتساقط منه شعر ، فإن ذلك لا يمنعها من فعل الأضحية ، بل تضحي ، وأضحيتها صحيحة . ويجوز لها استعمال الطيب ، والحناء والجنابة ، وكل شيء في عشر ذي الحجة (1) .


 


(1)                 قال في المغنى صــ15 ـــ 5ج3 بعد سياقه للخلاف في المسألة قال : فإن حلق شعره ، أو قلم أظافره ، فإنه يستغفر ولا فدية عليه باجماع العلماء سواء فعله عامدا أو ناسيا انتهى )) .

 

     والأفضل الإمساك عن أخذ الشعر والظفر فإن فعل لم يمنع من فعل الأضحية .

     وما شاء على ألسنة العامة في هذه البلاد من قولهم : إن من أراد أن يضحي فإنه ينبغي له أن يحرم ؛ فهذا قول باطل ، ولا صحة له ، فلا إحرام إلا لمن أراد أن يحج أو يعتمر ، وحتى صار الكثير من الناس يمتنعون عن الأضحية عند أخذهم لشيء من الشعر والظفر لظنهم أنها لا تصح أضحيتهم . فلو كان الكف عن أخذ الشعر والظفر واجبا في حق كل من يضحي ، لما خفيت على عائشة أم المؤمنين ، وهى في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي أفقه وأعلم بالسنة من أم سلمة . ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضحي كل سنة عنه ، وعن أهل بيته . فمثله لا يخفي لو كان صحيحا . 

     وقد اعترضت عائشة على أم سلمة في هذا الحديث . وقالت :  » إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق من أحرم بالحج  « . وهذا معقول المعنى ؛ فإن الحاج إذا أحر ملا يجوز له أن يأخذ من شعره ولا أظافره . وحسبك في فضل الأضحية أن للمضحي بكل شعرة حسنة ، حتى من الصوف ، كما في حديث زيد ابن أرقم قال : قلنا ، أو قالوا : »  رسول الله ما هذه الأضاحي ؟ قال : سنة أبيكم إبراهيم . قالوا وما لنا فيها . قال : بكل شعرة حسنة . قالوا فالصوف ؟ قال:  وبكل شعرة من الصوف حسنة  « .

     ولا يترتب عليها هذه الفضائل إلا إذا وقعت موقعها من الصفة والصحة ، المأمور بها على الوجه المطابق للحكمة في مشروعيتها بأن قصد بها امتثال أمر الله ، واتباع سنة رسوله ، وتجردت عن البدع الخاطئة ، والتصرفات السيئة ، فيكون ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها ، لأن في ذبحها إحياء لسنتها ، وامتثالا لطاعة الله فيها ، وخروجا من عهدة من قال بوجوبها ، ولكونه يتمكن من الصدقة كل وقت ، ولا يتمكن من فعل الأضحية إلا في الوقت المحدود لها ، أشبه العقيقة . فإن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها بالإجماع . أما إذا وقعت على غير ما شرعه الله ورسوله فإنها تكون شاة لحم قدمها لأهله .

     أما الأضحية عن الميت ؛ فإنه بمقتضى التتبع الاستقراء لكتب الصحاح السنن المسانيد ، لم نجد حديثا صحيحا ، ولا دليلا صريحا من كتاب الله ولا سنة رسوله ، يأمر فيه بأضحية عن الميت ، أو يشير إلى وصول ثوابها إليه ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه ضحى لميته ، أو أنه أوصى أن يضحي عنه بعد موته ، أو لأوقف وقفا في أضحية ، فليس لها ذكر عندهم ، لا في أوقافهم ،
ولا صاياهم ، ولا تبرعاتهم لموتاهم . فلو كانت الأضحية عن الميت من السنة ، أو أنه يصل إلى الميت ثوابها ، لسبقونا إليها . فعدم فعلها يعد من الأمر المجمع عليه زمن الصحابة ، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة . كما أن الظاهر من مذهب الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والإمام أبي حنيفة ، أنه لا أضحية لميت ، لعدم مشروعيتها . فهي شاة لحم لكون الأضحية الشرعية: إنما شرعت في حق الحي تشريفا لعيد الإسلام وإظهارا للفرح به والسرور ، أو الشكر علي بلوغه .

     والنبي صلى الله عليه وسلم قد أرشد الأولاد بأن يتصدقوا عن والديهم الميتين ، ولم يأمرهم بأن يضحوا عنهم ، فمن ذلك ما روى البخاري ومسلم أن سعد بن عبادة . قال للنبي صلى الله عليه وسلم: » يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص ، وأظنها لو تكلمت تصدقت . أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم تصدق عن أمك «. ولم يقل ضح عن أمك .

     وروى مسلم في صحيحه : أن رجلا قال : يا رسول الله إن أبي مات وترك مالا ولم يوص . فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه ؟ قال: » نعم تصدق عن أبيك « .

     ومثله ما روى أبو داود ، وابن ماجة وابن حبان في صحيحه . أن رجلا من بني ساعدة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أن أبوي قد ماتا ، فهل بقي على من برهما شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال : »  نعم الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما من بعدهما « ، فهذه وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصلة ، والصدقة ، وبالدعاء الذي يصل إليهما نفعهما . ولو كانت الأضحية عنهما بعد موتهما أنها من البر ، أو أنه يصل إليهما ثوابهما ، لأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعلها . ومثله صدقة عمر التي استشار النبي صلى الله عليه وسلم فيها: فقال له : » حبس أصلها وتصدق بثمرها « . فتصدق بها عمر على الفقراء ، وفي القربى ، وفي الرقاب ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، والضيف . لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، ويطعم صديقاً  غير متمول مالاً .

     ولو كانت الأضحية من عمل البر ، أو أنه يصل إليه ثوابها بعد موته ، لما ساغ لعمر أن ينساها لنفسه. وفي صحيح مسلم . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  » إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له  « . ولم يقل له ، أو أضحية تذبح له بعد موته . ولا تسمى الأضحية صدقة . لكنه لو ضحى بقصد الصدقة عن والديه أو أحدهما بذبيحة يدخلها على أهل بيت الفقراء ؛ فإنهم نعم الصدقة ، ويصل إليهما ثوابها . إذ هي من الصدقة المستحبة .. وحيث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أحداً أن يضحي عن ميته ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه ضحى عن ميته ، ولا أوصى أن يضحي عنه بعد موته ، علمنا حينئذ : أنها ليست بمشروعة ، ولا مرغب فيها ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه . إلا أن يذبحها ليتصدق بلحمها على الفقراء والمساكين فجائز. لكن الصدقة في خاصة عشر ذي الحجة تصادف من الفقير موضع حاجة ، وشدة فاقة ، لما يتطلبه العيد من الحاجة ، والنفقة ، والكسوة له ولعياله ، فتقع هذه الصدقة من الفقير بالموقع الذي يحبها الله ، من تفريج كربته ، وقضاء حاجته ، وإدخال السرور عليه وعلى أهل بيته ، والقرآن مملوء بذكر الحث على الصدقة ، وإنها لا تنقص المال ، بل تزيده ، وهي من العمل الصالح الذي يحبه الله في خاصة هذه الأيام العشر يقول الله  (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) (1) . وقد مدح الله من آتى المال على حبه ( ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) (2) . ولا أفضل من كون الإنسان يرى صدقته ماضية في حال صحته وحياته ، كما في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
» أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى ، وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ، وقد كان لفلان« . وأكثر الناس إنما يتصدق عند الموت ، ثم يأكل الوصي صدقته ، ولا ينفذها في سبيلها . فما نفع الإنسان مثل اكتسابه لنفسه بدون أن يتكل على وصيه .


 


(1)                 215 ــ البقرة .

(2)                 77 ــ البقرة .

 

فظن شرا وكن منها على حذر

 

وحسن ظنك بالأيام معجزة 

مسافة الخلف بين القول والعمل

 

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت 

 

     أسأل الله سبحانه أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا علي ذكره وشكره وحسن عبادته.