الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

نوع ثانٍ في التذكير بعيد الفطر

 

     الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، ونحمده ونشكره ونكبره أن جعلنا مسلمين ، ثم يكبر تسعاً نسقا، ويقول : الله أكبر كلما هل هلال وأبدر. الله أكبر كلما صام صائم وأفطر. الله أكبر ، الله أكبر، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد.

     الحمد الله الذي شرع لعباده طريقة العبادة ، ويسر وأنار قلوب أوليائه بنور طاعاته وبصر ، وجعل لهم بكمال صومهم عيدا يعود في كل سنة ويتكرر. أحمده وهو المستحق لأن يحمد ويشكر ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، خلق فقدر ، وشرع ويسر، وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله ، صاحب اللواء و الكوثر،اللهم صل على نبيك و رسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين أذهب الله عنهم الشرك و طهر،وسلم تسليماً كثيراً .

     أما بعد : فيا أيها الناس : اتقوا الله وأطيعوه ، وامتثلوا أمر ربكم ولا تعصوه، فإن أطعتموه ، لم يصلكم إليكم  شيء تكرهونه ، وإن عصيتموه عاقبكم بما لا تطيقونه ، واعلموا رحمكم الله : أنكم خرجتم إلى هذا المكان الصعيد لقصد أداء صلاة العيد ، تأسياً بنبيكم عليه الصلاة والسلام ، وإظهاراً لشكر نعمة إتمام الصيام ، والهداية إلى الإسلام ، وإن يومكم هذا يدعي يوم الجوائز ، هو أن كل إنسان لأجر عمله حائز؛ لأن سعيكم شتى ، فمنكم من حظه القبول والغفران ، ومنكم من حظه الخيبة والحرمان .

     فأما المحافظون على فرائض الطاعات ، والمجتنبون للمنكرات ، فعلمهم مبرور ، وسعيهم مشكور ، وعيدهم عيد الفرح والسرور ، قد حصلوا الحسنتين وفازوا بالفرحتين ، فللصائم فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقائه ربه ، فهنيئا لهم ، تقبل الله منهم .

     أما التاركون لفرائض العبادات ، المصرون على المنكرات ، وشرب المسكرات ، فعيدهم عيد الخيبة والندامة ، وغضب الرب عليهم يوم القيامة ، ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدي ) (1) .

     إن شهر رمضان ؛ هو غرة الزمان ، ومتجر أهل الإيمان ، وقد قوضت الآن منه الخيام ، وتقلصت منه الليالي والأيام . و إنه لنعم الشاهد بما عملتموه ، والحافظ لما أودعتموه ، وإنه لأعمالكم بمثابة الخزائن المحصونة  ،  والصناديق المصوّنه ، وستدعون يوم القيامة لفتحها ، يوم تجد كل نفس ما لها وما لها وعليها ، والرب ينادي عليها ، » يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوافيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه «(2).

     صعد النبي صلي الله عليه وسلم المنبر. فقال :  » آمين ، آمين ، آمين. قالوا على ما أمنت يا رسول الله ؟ قال : جاءني جبريل . فقال : يا محمد . رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ، ثم خرج فلم يغفر له ، فأدخله الله النار . فأبعده فيها ، قل آمين . فقلت آمين «(3).

     فهذا الرجل الذي دخل عليه شهر رمضان ، شهر البركات ، شهر إقالة العثرات ، شهر مضاعفة الحسنات.


 


(1)                 31-36 – القيامة .

(2)                 رواه مسلم عن أبي ذر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز و جل .

(3)                 رواه ابن حيان وان خزيمه في صحيحه عن أبي هريرة.

 

ثم خرج و لم يحظ منه لا بمغفرة ، وبإقالة عثرة ، ولا بقبول توبة ، إنه لرجل سوء ، قد سد باب الخير والرحمة عن نفسه ، حيث ساءت طباعه ، وفسدت أوضاعه ، فرضي لنفسه بأن يخسر حين يربح الناس  وأن يقعد ويرقد حين يصلي الناس ، وأن يأكل ويشرب حين يصوم الناس ، وإن هذا هو الغاية في الإفلاس ، والإبلاس ، ولا يرضي به سوى من نفسه من الناس . كهؤلاء الإباحيين الملحدين الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بحرمات الدين ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين ، ويدعي الإسلام بمعني الجنسية ، لا بالتزام أحكامه الشرعية .
قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، ولهم يومان يلعبون فيهما، يسمونها عيدا. فقال :   » لقد أبدلكم الله بهما خيرا‌‌‌ منهما يوم الفطر ويوم الأضحى « (1). فهما عيدا أهل الإسلام ؛ فلأجله شرع إظهار التجمل والزينة فيهما ، والجهر بالتكبير في ليلتهما ، وعند الخروج إليهما ، إشهارا لشرفهما ، وإكبارا لأمرهما ، ( ولتكملوا العدة ، ولتكبروا الله على ما هداكم ، ولعلكم تشكرون)(2). الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
يا عباد الله : إن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .
   _____________________

(1)           رواه أبو داود والنسائي عن أنس رضي الله عنه ، وقالت عائشة من رواية أحمد والشيخان » أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ـ صلى عليه وسلم ـ في يوم عيد فاطلعت من فوق عاتقه ، فطأطأ لي منكبيه ، فجعلت أنظر اليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت « . قال الحافظ في الفتح : روى ابن السراج أبي الزناد ، عن عروة ، عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ : » لتعلم يهود المدينة أن في ديننا فسحة ، أنى بعثت بحنيفية سمحة «.

(2)                 185 – البقرة .

 

وإن الله يعطي الدنيا من يحب ، ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يجب . فمن  أعطاه الله الدين فقد أحبه . 

    

     والدين ؛ هو هذا السمح السهل الموصل لمن تمسك به إلى سعادة الدنيا و الآخرة رأسه الإسلام ، وعموده الصلاة ، وبقية أركانه ؛ الزكاة ، وصيام رمضان ، وحج البيت الحرام ، وقد جعل الله هذه الأركان بمثابة البنيان للإسلام ، بل : هي الإسلام لمن سأل عن الإسلام . كما أنها الفرقان بين المسلمين والكفار ، والمتقين والفجار ، وكما أنها محك التمحيص لصحة الإيمان . بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان . 

     فالمسلم الحق : هو من يصلي مع المصلين ، ويصوم مع الصائمين ، ويؤدي زكاة ماله إلي الفقراء والمساكين، فيظهر إسلامه علانية للناس بحيث يشهدون له بموجبه ، والناس شهداء الله في أرضه ، لأن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق ، يعرف به صاحبه .

     ومن صفة المؤمنين ما أخبر الله عنهم بقوله : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله)(1).

     أما من يتسمى بالإسلام ، وهو لا يصلى الصلوات الخمس المفروضة ، ولا يؤدي الزكاة المفروضة  ولا يصوم رمضان ، فلا شك أن إسلامه مزيف مغشوش ، لا حقيقة له ، بل هو إسلام باللسان ، ويكذبه الحس والوجدان ، والسنة والقرآن . ومن  ادعى ما ليس فيه ، فضحته شواهد الامتحان .  

_____________________

(1)                 71 ــ التوبة .

 

     إن الإسلام ليس هو محض التسمي به باللسان ، والانتساب إليه بالعنوان ، ولكنه ما وقر في القلب ، وصدقته الأعمال ، فاعملوا بإسلامكم ، تعرفوا به. وادعوا الناس إليه ، تكونوا من خير أهله . فإنه لا إسلام بدون عمل . إن مدار الإسلام على الأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن الشرك به ، وإن أكثر الناس في هذا الزمان يتسمون بالإسلام اسما . والله يقول (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) (1).

     لأن الإسلام هو : الاستسلام لله ؛ بالإيمان ، والانقياد لطاعته ؛ بالصلاة ، والزكاة ، والصيام والبراءة من الشرك ، وعبادة الأوثان ، فلا يكون مسلما إلا بذلك . وقد سمعنا عن بعض البلدان العربية الإسلامية التي أهلها مسلمون ، والتي يزعم حكامها بأنهم مسلمون ، بأنه قد تفشى وانتشر فيها الشرك ، وعبادة الأوثان ،وصاروا يعبدون قبور الأولياء الصالحين ، ويدعونهم ويستغيثون بهم في قضاء حاجاتهم ، وتفريح كرباتهم ، ويسألونهم الشفاعة ، ويقربون لهم القرابين من الذبائح ، مما أهل به لغير الله . وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفر ، لكونه مفسدا للعقول وللفطر ، ولسائر البشر ، ومحبط لسائر الأعمال من الصلاة والصيام .

     (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا)(2). (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار)(3). ومع السكوت عنه ، وإقرار أهله عليه ، فإنه ينتشر ويشتهر ، ويغرق عامة الناس فيه .

   _____________________

(1)                 103 - يوسف.

(2)                 116 - النساء . وآية 48 النساء تقول (ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما).

(3)                 72 - المائدة .

 

ومع هذا نري هؤلاء الحكام الذين يزعمون بأنهم مسلمون يقرون قواعد هذا الشرك في بلادهم ، ويحمونها ويحترمون أهلها ، وهذا عمل مناف لصحة إسلامهم ؛ فإن الإسلام الصحيح ؛ ينفي الشرك ويحاربه ، ويعلن البراءة  من أهله . يلتمس رضي الله بسخطهم ، فإن من تمس رضي الله بسخط الناس ،

رضي الله عنه وأرضي عنه الناس ، ومن التمس رضي الناس بسخط الله ، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس . والله اكبر على من طغى وكفر وتكبر .

وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ هو : قوام الدنيا والدين ، وصلاح المخلوقين ( ولتكم منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون عن المعروف وينهون عن المنكر المفلحون ) (2) .

لقد خسر الناس التواصي بالحق ، والتناهي عن المنكر ، فأدخلوا الشرك الأكبر ، وعبادة القبور في سياسة حكام البشر ، فلا يتعرض أحد لإنكارها ، ونسوا أمر الله الذي أوجب الكفر وبأهلها ، وحرم إقرارها ، والسكوت عنها .

وإن سنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة أصحابه في فتوح البلدان ؛ أنهم يبدأون قبل كل شيء بإزالة معابد الشرك والأوثان ، ليطهروا عقول الناس ، وعقائدهم من خرافات الشرك والأوثان .

من  ذلك : أنه لما تدفقت جحافل الصحابة المظفرة على بلاد الأكاسرة ، وعلم رستم القائد الفرس الأعلى أنها الهزيمة لا محالة ،   أرسل  إلى سعد بن أبي وقاص : أن أخبرونا بالأمر الذي تريدون منا ، وما غرض الذي أقدمكم على بلادنا ؟

_____________________

(1)                 104  ــ آل عمران.

 

فكان جوابهم الذي لم يختلف أن قالوا: » إنا نريد أن نخرج الناس من الشرك وعبادة المخلوقين إلى عبادة الله  وحده،وأن نخرجهم من جور الأديان إلى عدل الإسلام ، وأن نخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعتها  « .

     فهذا صنيع سلفكم الكرام من الصحابة والتابعين ، وتابعيهم بإحسان ، قد جاهدوا عليه بالحجة ، والبيان والسيف والسنان ، حتى اتسعت حضارة الإسلام اتساعا عظيما لا يماثل ولا يضاهي ولا يضام ، فاختطوا المدن ، وأنشئوا المساجد ، وأشادوا المكارم والمفاخر ، ونشروا العلوم والمعارف وأزالوا الشرك والمنكرات والخبائث ، فأوجدوا حضارة نضرة جمعت بين الدين والدنيا ؛ أسسوا قواعدها علي الطاعة ، فدامت لهم بقوة الاستطاعة ، وغرسوا فيها الأعمال البارة ، فأينعت لهم الأرض الدارة ، أمدهم الله بالمال والبنين ، وجعلهم أكثر أهل الأرض نفيرا .

     ذلك بأنها لما اتسعت الفتوح الإسلامية ، وامتد سلطان المسلمين علي الأقطار الأجنبية ، لم يقصروا نفوسهم علي استلذاذ الترف ، ورخاء العيش وتزويق الأبنية فحسب ، بل عكفوا جادين علي تمهيد قواعد الدين ، وهدم قواعد الملحدين ، ونشر العلوم الإسلامية ، وتعليم اللغة العربية.

     ولما عرف سائر الأمم محاسن الإسلام وسماحته ، وذاقوا حلاوته وعدل سادته ، أخذوا يدخلون في دين الله ، أفواجا، أفواجا طائعين ،  مختارين ، ومن أراد البقاء منهم علي دينه فإنه آمن علي نفسه وماله  لهم ما لنا و عليهم ما علينا .

     وإنما ضعف المسلمون في هذه القرون الأخيرة ، وساءت حالهم ، وانتقص الأعداء بعض بلدانهم ، ودخلت الوثنية في بعض بلدانهم ، إنما كان ذلك كله من أجل أنه ضعف عملهم بالإسلام ، وساء اعتقادهم فيه ، وصار فيهم منافقون ، يدعون إلى نبذه ، وإلى عدم التقيد بحدوده وحكمه ، ويدعون إلى تحكيم القوانين بدله ، ولأجله صاروا من أسوء الناس حالا وأبينهم ضلالا ، وأشدهم اضطرابا وزلزالا ، وصاروا جديرين بزوال النعم ، والإلزام بالنقم .

      فتقطعت وحدة المسلمين إربا وأوصالا ، وصاروا شيعا وأحزابا؛ ففشي فيهم الفوضى والشقاق ، وقامت الفتن على قدم وساق ، يقتل بعضهم بعضا ، ويسبي بعضهم أموال بعض. ولن يرتفع عنهم هذا التطاحن والتلاحم إلا بمراجعة دينهم الكفيل بعلاج عللهم ، وإصلاح مجتمعهم ، ولن يصلح آخر هذه الأمة ، إلا بما صلح به أولهم .

     فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وتمسكوا بدينكم ، وحافظوا علي فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.