نوع ثانٍ في التذكير بعيد الفطر
الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، ونحمده
ونشكره ونكبره أن جعلنا مسلمين ، ثم يكبر تسعاً نسقا، ويقول : الله أكبر كلما هل
هلال وأبدر. الله أكبر كلما صام صائم وأفطر. الله أكبر ، الله أكبر، لا إله إلا
الله ، والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد.
الحمد الله الذي شرع لعباده طريقة العبادة ،
ويسر وأنار قلوب أوليائه بنور طاعاته وبصر ، وجعل لهم بكمال صومهم عيدا يعود في كل
سنة ويتكرر. أحمده وهو المستحق لأن يحمد ويشكر ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، خلق
فقدر ، وشرع ويسر، وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله ، صاحب اللواء و الكوثر،اللهم صل
على نبيك و رسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين أذهب الله عنهم الشرك و طهر،وسلم
تسليماً كثيراً .
أما بعد : فيا أيها الناس : اتقوا الله
وأطيعوه ، وامتثلوا أمر ربكم ولا تعصوه، فإن أطعتموه ، لم يصلكم إليكم شيء تكرهونه ، وإن عصيتموه عاقبكم بما لا
تطيقونه ، واعلموا رحمكم الله : أنكم خرجتم إلى هذا المكان الصعيد لقصد أداء صلاة
العيد ، تأسياً بنبيكم عليه الصلاة والسلام ، وإظهاراً لشكر نعمة إتمام الصيام ،
والهداية إلى الإسلام ، وإن يومكم هذا يدعي يوم الجوائز ، هو أن كل إنسان لأجر
عمله حائز؛ لأن سعيكم شتى ، فمنكم من حظه القبول والغفران ، ومنكم من حظه الخيبة
والحرمان .
فأما المحافظون على فرائض الطاعات ،
والمجتنبون للمنكرات ، فعلمهم مبرور ، وسعيهم مشكور ، وعيدهم عيد الفرح والسرور ،
قد حصلوا الحسنتين وفازوا بالفرحتين ، فللصائم فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقائه
ربه ، فهنيئا لهم ، تقبل الله منهم .
أما التاركون لفرائض العبادات ، المصرون على
المنكرات ، وشرب المسكرات ، فعيدهم عيد الخيبة والندامة ، وغضب الرب عليهم يوم
القيامة ، ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى
ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدي ) (1) .
إن شهر رمضان ؛ هو غرة الزمان ، ومتجر أهل
الإيمان ، وقد قوضت الآن منه الخيام ، وتقلصت منه الليالي والأيام . و إنه لنعم
الشاهد بما عملتموه ، والحافظ لما أودعتموه ، وإنه لأعمالكم بمثابة الخزائن المحصونة ،
والصناديق المصوّنه ، وستدعون يوم القيامة لفتحها ، يوم تجد كل نفس ما لها
وما لها وعليها ، والرب ينادي عليها ، » يا عبادي إنما هي
أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوافيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير
ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه «(2).
صعد
النبي صلي الله عليه وسلم المنبر. فقال :
» آمين ، آمين ، آمين. قالوا على ما أمنت يا رسول
الله ؟ قال : جاءني جبريل . فقال : يا محمد . رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ،
ثم خرج فلم يغفر له ، فأدخله الله النار . فأبعده فيها ، قل آمين . فقلت آمين «(3).
فهذا الرجل الذي دخل عليه شهر رمضان ، شهر
البركات ، شهر إقالة العثرات ، شهر مضاعفة الحسنات.
(1)
31-36 –
القيامة .
(2)
رواه مسلم عن
أبي ذر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز و جل .
(3)
رواه ابن
حيان وان خزيمه في صحيحه عن أبي هريرة.
ثم خرج و لم يحظ منه لا بمغفرة
، وبإقالة عثرة ، ولا بقبول توبة ، إنه لرجل سوء ، قد سد باب الخير والرحمة عن
نفسه ، حيث ساءت طباعه ، وفسدت أوضاعه ، فرضي لنفسه بأن يخسر حين يربح الناس وأن يقعد ويرقد حين يصلي الناس ، وأن
يأكل ويشرب حين يصوم الناس ، وإن هذا هو الغاية في الإفلاس ، والإبلاس ، ولا يرضي
به سوى من نفسه من الناس . كهؤلاء الإباحيين الملحدين الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا
الشهوات ، وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بحرمات الدين ، واتبعوا غير سبيل
المؤمنين ، ويدعي الإسلام بمعني الجنسية ، لا بالتزام أحكامه الشرعية .
قدم النبي صلى الله
عليه وسلم المدينة ، ولهم يومان يلعبون فيهما، يسمونها عيدا. فقال : » لقد
أبدلكم الله بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم الأضحى « (1). فهما عيدا أهل الإسلام ؛ فلأجله شرع إظهار
التجمل والزينة فيهما ، والجهر بالتكبير في ليلتهما ، وعند الخروج إليهما ، إشهارا
لشرفهما ، وإكبارا لأمرهما ، ( ولتكملوا العدة ، ولتكبروا الله على ما هداكم ،
ولعلكم تشكرون)(2). الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله .
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
يا
عباد الله : إن الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى
قلوبكم وأعمالكم .
_____________________
(1)
رواه أبو
داود والنسائي عن أنس رضي الله عنه ، وقالت عائشة من رواية أحمد والشيخان » أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ـ صلى عليه وسلم ـ في يوم
عيد فاطلعت من فوق عاتقه ، فطأطأ لي منكبيه ، فجعلت أنظر اليهم من فوق عاتقه حتى شبعت
ثم انصرفت « . قال الحافظ في الفتح : روى ابن
السراج أبي الزناد ، عن عروة ، عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ : » لتعلم يهود المدينة أن في ديننا فسحة ، أنى بعثت بحنيفية سمحة «.
(2)
185 – البقرة .
وإن الله يعطي الدنيا من يحب
، ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يجب . فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه .
والدين ؛ هو هذا السمح السهل الموصل لمن تمسك
به إلى سعادة الدنيا و الآخرة رأسه الإسلام ، وعموده الصلاة ، وبقية أركانه ؛
الزكاة ، وصيام رمضان ، وحج البيت الحرام ، وقد جعل الله هذه الأركان بمثابة
البنيان للإسلام ، بل : هي الإسلام لمن سأل عن الإسلام . كما أنها الفرقان بين
المسلمين والكفار ، والمتقين والفجار ، وكما أنها محك التمحيص لصحة الإيمان . بها
يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان .
فالمسلم الحق : هو من يصلي مع المصلين ، ويصوم
مع الصائمين ، ويؤدي زكاة ماله إلي الفقراء والمساكين، فيظهر إسلامه علانية للناس
بحيث يشهدون له بموجبه ، والناس شهداء الله في أرضه ، لأن للإسلام صوى ومنارا
كمنار الطريق ، يعرف به صاحبه .
ومن صفة المؤمنين ما أخبر الله عنهم بقوله : (
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله)(1).
أما من يتسمى بالإسلام ، وهو لا يصلى الصلوات
الخمس المفروضة ، ولا يؤدي الزكاة المفروضة
ولا يصوم رمضان ، فلا شك أن إسلامه مزيف مغشوش ، لا حقيقة له ، بل هو إسلام
باللسان ، ويكذبه الحس والوجدان ، والسنة والقرآن . ومن ادعى ما ليس فيه ، فضحته شواهد الامتحان .
_____________________
(1)
71 ــ التوبة
.
إن الإسلام ليس هو محض التسمي به باللسان ،
والانتساب إليه بالعنوان ، ولكنه ما وقر في القلب ، وصدقته الأعمال ، فاعملوا بإسلامكم
، تعرفوا به. وادعوا الناس إليه ، تكونوا من خير أهله . فإنه لا إسلام بدون عمل .
إن مدار الإسلام على الأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن الشرك به ، وإن أكثر
الناس في هذا الزمان يتسمون بالإسلام اسما . والله يقول (وما أكثر الناس ولو حرصت
بمؤمنين ) (1).
لأن الإسلام هو : الاستسلام لله ؛ بالإيمان ،
والانقياد لطاعته ؛ بالصلاة ، والزكاة ، والصيام والبراءة من الشرك ، وعبادة
الأوثان ، فلا يكون مسلما إلا بذلك . وقد سمعنا عن بعض البلدان العربية الإسلامية
التي أهلها مسلمون ، والتي يزعم حكامها بأنهم مسلمون ، بأنه قد تفشى وانتشر فيها
الشرك ، وعبادة الأوثان ،وصاروا يعبدون قبور الأولياء الصالحين ، ويدعونهم
ويستغيثون بهم في قضاء حاجاتهم ، وتفريح كرباتهم ، ويسألونهم الشفاعة ، ويقربون
لهم القرابين من الذبائح ، مما أهل به لغير الله . وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا
يغفر ، لكونه مفسدا للعقول وللفطر ، ولسائر البشر ، ومحبط لسائر الأعمال من الصلاة
والصيام .
(ومن
يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا)(2). (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه
النار)(3). ومع السكوت عنه ، وإقرار أهله عليه ، فإنه ينتشر ويشتهر ، ويغرق عامة
الناس فيه .
_____________________
(1)
103 - يوسف.
(2)
116 - النساء
. وآية 48 النساء تقول (ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما).
(3)
72 - المائدة
.
ومع هذا نري هؤلاء الحكام
الذين يزعمون بأنهم مسلمون يقرون قواعد هذا الشرك في بلادهم ، ويحمونها ويحترمون
أهلها ، وهذا عمل مناف لصحة إسلامهم ؛ فإن الإسلام الصحيح ؛ ينفي الشرك ويحاربه ،
ويعلن البراءة من أهله . يلتمس رضي
الله بسخطهم ، فإن من تمس رضي الله بسخط الناس ،
رضي الله عنه وأرضي عنه الناس
، ومن التمس رضي الناس بسخط الله ، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس . والله اكبر
على من طغى وكفر وتكبر .
وإن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ؛ هو : قوام الدنيا والدين ، وصلاح المخلوقين ( ولتكم منكم أمة
يدعون إلى الخير ويأمرون عن المعروف وينهون عن المنكر المفلحون ) (2) .
لقد خسر الناس
التواصي بالحق ، والتناهي عن المنكر ، فأدخلوا الشرك الأكبر ، وعبادة القبور في
سياسة حكام البشر ، فلا يتعرض أحد لإنكارها ، ونسوا أمر الله الذي أوجب الكفر
وبأهلها ، وحرم إقرارها ، والسكوت عنها .
وإن سنة الرسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة أصحابه في فتوح البلدان ؛ أنهم يبدأون قبل كل شيء
بإزالة معابد الشرك والأوثان ، ليطهروا عقول الناس ، وعقائدهم من خرافات الشرك
والأوثان .
من ذلك : أنه لما تدفقت جحافل الصحابة
المظفرة على بلاد الأكاسرة ، وعلم رستم القائد الفرس الأعلى أنها الهزيمة لا محالة
، أرسل إلى سعد بن أبي وقاص : أن أخبرونا بالأمر
الذي تريدون منا ، وما غرض الذي أقدمكم على بلادنا ؟
_____________________
(1)
104 ــ آل عمران.
فكان جوابهم الذي لم يختلف أن
قالوا: » إنا نريد أن نخرج الناس من الشرك وعبادة المخلوقين
إلى عبادة الله وحده،وأن نخرجهم من
جور الأديان إلى عدل الإسلام ، وأن نخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعتها « .
فهذا صنيع سلفكم الكرام من الصحابة والتابعين
، وتابعيهم بإحسان ، قد جاهدوا عليه بالحجة ، والبيان والسيف والسنان ، حتى اتسعت
حضارة الإسلام اتساعا عظيما لا يماثل ولا يضاهي ولا يضام ، فاختطوا المدن ،
وأنشئوا المساجد ، وأشادوا المكارم والمفاخر ، ونشروا العلوم والمعارف وأزالوا
الشرك والمنكرات والخبائث ، فأوجدوا حضارة نضرة جمعت بين الدين والدنيا ؛ أسسوا
قواعدها علي الطاعة ، فدامت لهم بقوة الاستطاعة ، وغرسوا فيها الأعمال البارة ،
فأينعت لهم الأرض الدارة ، أمدهم الله بالمال والبنين ، وجعلهم أكثر أهل الأرض
نفيرا .
ذلك بأنها لما اتسعت الفتوح الإسلامية ، وامتد
سلطان المسلمين علي الأقطار الأجنبية ، لم يقصروا نفوسهم علي استلذاذ الترف ،
ورخاء العيش وتزويق الأبنية فحسب ، بل عكفوا جادين علي تمهيد قواعد الدين ، وهدم
قواعد الملحدين ، ونشر العلوم الإسلامية ، وتعليم اللغة العربية.
ولما عرف سائر الأمم محاسن الإسلام وسماحته ،
وذاقوا حلاوته وعدل سادته ، أخذوا يدخلون في دين الله ، أفواجا، أفواجا طائعين
، مختارين ، ومن أراد البقاء منهم
علي دينه فإنه آمن علي نفسه وماله
لهم ما لنا و عليهم ما علينا .
وإنما ضعف المسلمون في هذه القرون الأخيرة ،
وساءت حالهم ، وانتقص الأعداء بعض بلدانهم ، ودخلت الوثنية في بعض بلدانهم ، إنما
كان ذلك كله من أجل أنه ضعف عملهم بالإسلام ، وساء اعتقادهم فيه ، وصار فيهم
منافقون ، يدعون إلى نبذه ، وإلى عدم التقيد بحدوده وحكمه ، ويدعون إلى تحكيم
القوانين بدله ، ولأجله صاروا من أسوء الناس حالا وأبينهم ضلالا ، وأشدهم اضطرابا
وزلزالا ، وصاروا جديرين بزوال النعم ، والإلزام بالنقم .
فتقطعت وحدة المسلمين إربا وأوصالا ، وصاروا شيعا وأحزابا؛ ففشي
فيهم الفوضى والشقاق ، وقامت الفتن على قدم وساق ، يقتل بعضهم بعضا ، ويسبي بعضهم
أموال بعض. ولن يرتفع عنهم هذا التطاحن والتلاحم إلا بمراجعة دينهم الكفيل بعلاج
عللهم ، وإصلاح مجتمعهم ، ولن يصلح آخر هذه الأمة ، إلا بما صلح به أولهم .
فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ،
وتمسكوا بدينكم ، وحافظوا علي فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.