![]() |
|
التذكير بعيد الفطر
الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين على أمور
الدنيا والدين ، ونحمده ونشكره ونكبره أن جعلنا مسلمين ، ثم يكبر تسعاً متوالية
ويقول : الله أكبر كلما هل هلال وأبدر ، الله أكبر كلما صلى مصل وكبر الله أكبر
كلما صام صائم وأفطر . الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ،
الله أكبر ولله الحمد. الحمد الله الذي شرع لعباده طريقة العبادة ،
ويسر وأنار قلوب أوليائه بنور طاعاته وبصر ، ونفاهم بصالح أعمالهم من درن الذنوب
وطهر ، وجعل لهم بكمال صومهم عيداً يعود في كل سنة ويتكرر ، أحمده وهو المستحق لأن
يحمد ويشكر ، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق فقدر ، وشرع فيسر ، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله صاحب اللواء والكوثر ، نبي الله ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر ، ومع هذا قام على قدمه الشريف حتى تفطر ، وجاهد في الله حق جهاده فما توانى
و لا تأخر ، اللهم صل على نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد : فيا أيها الناس : اتقوا الله و
أطيعوه ، وامتثلوا أمر ربكم ولا تعصوه فإن أطعتموه ، لم يصلكم شيء تكرهونه ، وإن
عصيتموه عاقبكم بما لا تطيقونه ، واعلموا رحمكم الله : أنكم خرجتم إلى هذا المكان
السعيد لقصد أداء صلاة العيد ، تأسياً بنبيكم عليه الصلاة والسلام ، وإظهاراً لشكر
نعمة إتمام الصيام ، والهداية إلى الإسلام ، وإن يومكم هذا يدعي يوم الجوائز ، هو
أن كل إنسان لأجر عمله حائز، لأن سعيكم شتى ، فمنكم من حظه القبول والغفران ،
ومنكم من حظه الخيبة والحرمان . فأما المحافظون على فرائض الطاعات ، والمجتنبون
للمنكرات ، فعلمهم مبرور ، وسعيهم مشكور ، وعيدهم عيد الفرح والسرور ، قد حصلوا
الحسنتين وفازوا بالفرحتين ، فللصائم فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقائه ربه ،
فهنيئا لهم ، تقبل الله منهم . أما التاركون لفرائض الطاعات ، المرتكبون
للمنكرات ، وشرب المسكرات ، فعيدهم عيد الخيبة والندامة ، وغضب الرب عليهم يوم
القيامة ، ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى
ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) (1) . قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم
يومان يلعبون فيهما ، فقال : قد
أبدلكم الله بهما خيراً منهما ، يوم الأضحى ، ويوم الفطر ، هما عيدا أهل الإسلام .
فلأجله شرع إظهار التجميل والزينة فيهما
والجهر بالتكبير في ليلتيهما ، وعند الخروج إليهما ، إشهارا لشرفهما .
وإكباراً لأمرهما ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) (2) . الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ،
والله أكبر ، الله اكبر ، ولله الحمد . عباد الله : إن الله لا ينظر إلى صوركم
وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا
يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحب . فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه . والدين هو هذا السمح السهل ، الموصل بمن تمسك
بها إلى سعادة الدنيا والآخرة ، رأسه الإسلام وعموده الصلاة ، وبقية أركانه الصيام
، والزكاة والحج . فالإسلام ليس هو محض التسمي به باللسان، والانتساب إليه
بالعنوان
(1)
31-36 –
القيامة . (2)
185 – البقرة
. ولكنه ما وقر في القلب ،
وصدقته الأعمال ، وقد جعل الله الصلاة ، والزكاة والصيام ، بمثابة محك التمحيص
لصحة الإيمان ، بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان ، كما
أنها الفرقان بين المسلمين والكفار ، والمتقين والفجار . لأن الإسلام علانية ،
والإيمان في القلب . فالمسلم حقاً : هو من يصلى مع المصلين ، ويصوم
مع الصائمين ، ويؤدي زكاة ماله إلى الفقراء والمساكين ، فيظهر إسلامه علانية للناس
، بحيث يشهدون له بموجبه ، والناس شهداء الله في أرضه، وهذه الشرائع تهذب الأخلاق
، وتطيب الأعراق ، وتزيل الكفر ، والشقاق ، والنفاق ، لأنها تنزيل الحكيم العليم ،
شرعها من يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد ، وأنها هي أسباب
سعادتهم الدينية والدنيوية ، لأن الله سبحانه لا يوجب شيئاً من العبادات ، كالصلاة
، والزكاة ، والصيام ، إلا ومصلحته راجحة ، ومنفعته واضحة ، ولا يحرم شيئاً من
المحرمات ، كالزنا والربا ، والقمار ، وشرب الخمر ، إلا و مضرته واضحة ، ومفسدته
راجحة . فالتكاليف على العمل بشرائع الإسلام ، هو الذي يوحد المسلمين ويؤلف بين
قلوبهم ، ويصلح ذات بينهم ، ويجعلهم مستعدين للنصر على عدوهم . دين من قام به ساد ، وسعدت به البلاد والعباد
، ومن ضيعه سقط في الذل والهوان والفساد ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) (1) . دين يحترم الدماء والأموال ، ويقول »
إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام « . ويقول : » لا يحل مال امرئ مسلم
إلا عن طيب نفس منه « (2) . أي بموجب الرضا التام ، وفي محكم القرآن ، ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل
وتدلوا بها إلى الحكام ) (3) . _____________________ (1)
18 – الحج . (2)
من خطبة صلى
الله عليه وسلم في حجة الوداع . (3)
188 – البقرة
. دين صالح لكل زمان ومكان ، قد نظم أحوال الناس
في حياتهم أحسن نظام ، فلو أن الناس آمنوا بتعاليمه ، وانقادوا لحكمه وتنظيمه ،
ووقفوا عند حدوده ومراسيمه ، لصاروا به سعداء . لأنه ( يهدي للتي أقوم ) (1) لما تدفقت جحافل الصحابة
المظفرة على بلاد الأكاسرة ، و علم رستم قائد الفرس الأعلى أنها الهزيمة لا محالة
، أرسل إلى سعد بن أبي وقاص ، أن أخبرونا بما تريدون منا ، وما الغرض الذي أقدمكم
على بلادنا ؟ فكان جوابهم الذي لم يختلف ، أن قالوا : نريد أن نخرج الناس من عبادة
المخلوق إلى عبادة الله وحده ، وأن نخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعتها ، وأن نخرجهم
من جور الأديان إلى عدل الإسلام . فهذا صنيع سلفكم الكرام ، من الصحابة ،
والتابعين ، وتابعيهم بإحسان ، قد جاهدوا فيه بالحجة والبيان ، والسيف والسنان ،
حتى اتسعت حضارة الإسلام اتساعاً عظيماً لا يماثل ، ولا يضاهي ، ولا يضام ،
فاختلطوا المدن ، وأنشأوا المساجد ، وأشادوا المكارم والمفاخر ، ونشروا العلوم
والمعارف ، وأزالوا المنكرات والخبائث ، فأوجدوا حضارة نضرة ، جمعت بن الدين
والدنيا ، أسسوا قواعدها بالطاعة فدامت بقوة الاستطاعة وغرسوا فيها الأعمال البارة
، فأينعت بالخيرات الدارة . أمدهم الله بالمال والبنين ، وجعلهم أكثر أهل الأرض
نفيراً . وإنما ضعف المسلمون في هذه القرون الأخيرة ،
وساءت حالهم ، وانتقص الأعداء أكثر بلدانهم ، وذلك حينما ضعف عملهم بالإسلام ،
وساء اعتقادهم فيه ، وصار فيهم منافقون ، يدعون إلى نبذهم ، وإلى عدم التقيد
بحدوده وحكمه ، ويدعون إلى تحكيم القوانين بدله ، فعظم الخطب واتسع الخرق واشتدت
غربة الدين . _____________________ (1)
9 – الإسراء
. ثم إنه نجم في هذه الأزمنة دعايات مبتدعة ،
كلها تحوم حول تنقص الإسلام ، وعدم التسمي به، والانتساب إليه ، وهي دعوة البعثية
، و دعوة الشيوعية الاشتراكية ، ودعوة القومية العربية . ولكل واحدة أنصار وأعوان فتقطعت وحدة
الإسلام إرباً وأوصالا ، وصاروا شيعاً وأحزاباً ، ففشي من بينهم الفوضى والشقاق ،
وقامت الفتن على قدم وساق ، يقتل بعضهم بعضا ، ويسبي بعضهم أموال بعض ، بحجة
الاشتراكية المبتدعة ، التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وهذا العذاب الواقع بهم ،
من التلاحم ، والتطاحن بينهم ، فإنه والله لن يرتفع عنهم حتى يراجعوا دينهم الكفيل
بنجاح علاج عللهم ، وإصلاح مجتمعهم ، ومن نصائح نبيكم لكم ، إنه ما نقض قوم عهد
الله وعهد رسوله ، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم .
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ، إلا جعل الله بأسهم بينهم شديد . ولن ننسى في هذا
المقام مقالة ذلك الإمام ــ أي مالك ابن أنس ــ عليه الرحمة والرضوان ، قال :
والله لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح أولها . وفي الختام فإنه ما من بلد يفشو فيها الإلحاد
والزندقة ، فيكفر أهلها بالشريعة الإسلامية ، يتركون الصلاة ، والصيام الفرضية ،
وسائر الطاعات المرضية ، ويستبيحون الجهر بالمنكرات ، وشرب المسكرات الوبيئة ، إلا
فتح عليهم من الشر كل باب ، وصب عليهم ربك سوط عذاب ( واتقوا فتنة فأفيقوا من رقدتكم ، وتوبوا من
زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وتمسكوا بدينكم ، قبل _____________________ (1)
25 – الأنفال
. (2)
56 – الزمر . |