الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

التذكير بعيد الفطر

 

     الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين على أمور الدنيا والدين ، ونحمده ونشكره ونكبره أن جعلنا مسلمين ، ثم يكبر تسعاً متوالية ويقول : الله أكبر كلما هل هلال وأبدر ، الله أكبر كلما صلى مصل وكبر الله أكبر كلما صام صائم وأفطر . الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد.

     الحمد الله الذي شرع لعباده طريقة العبادة ، ويسر وأنار قلوب أوليائه بنور طاعاته وبصر ، ونفاهم بصالح أعمالهم من درن الذنوب وطهر ، وجعل لهم بكمال صومهم عيداً يعود في كل سنة ويتكرر ، أحمده وهو المستحق لأن يحمد ويشكر ، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق فقدر ، وشرع فيسر ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب اللواء والكوثر ، نبي الله ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ومع هذا قام على قدمه الشريف حتى تفطر ، وجاهد في الله حق جهاده فما توانى و لا تأخر ، اللهم صل على نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .

     أما بعد : فيا أيها الناس : اتقوا الله و أطيعوه ، وامتثلوا أمر ربكم ولا تعصوه فإن أطعتموه ، لم يصلكم شيء تكرهونه ، وإن عصيتموه عاقبكم بما لا تطيقونه ، واعلموا رحمكم الله : أنكم خرجتم إلى هذا المكان السعيد لقصد أداء صلاة العيد ، تأسياً بنبيكم عليه الصلاة والسلام ، وإظهاراً لشكر نعمة إتمام الصيام ، والهداية إلى الإسلام ، وإن يومكم هذا يدعي يوم الجوائز ، هو أن كل إنسان لأجر عمله حائز، لأن سعيكم شتى ، فمنكم من حظه القبول والغفران ، ومنكم من حظه الخيبة والحرمان . فأما المحافظون على فرائض الطاعات ، والمجتنبون للمنكرات ، فعلمهم مبرور ، وسعيهم مشكور ، وعيدهم عيد الفرح والسرور ، قد حصلوا الحسنتين وفازوا بالفرحتين ، فللصائم فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقائه ربه ، فهنيئا لهم ، تقبل الله منهم .

     أما التاركون لفرائض الطاعات ، المرتكبون للمنكرات ، وشرب المسكرات ، فعيدهم عيد الخيبة والندامة ، وغضب الرب عليهم يوم القيامة ، ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) (1) .

     قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال :  قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما ، يوم الأضحى ، ويوم الفطر ، هما عيدا أهل الإسلام . فلأجله شرع إظهار التجميل والزينة فيهما  والجهر بالتكبير في ليلتيهما ، وعند الخروج إليهما ، إشهارا لشرفهما . وإكباراً لأمرهما ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) (2) .

     الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله اكبر ، ولله الحمد .

     عباد الله : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحب . فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه .

     والدين هو هذا السمح السهل ، الموصل بمن تمسك بها إلى سعادة الدنيا والآخرة ، رأسه الإسلام وعموده الصلاة ، وبقية أركانه الصيام ، والزكاة والحج . فالإسلام ليس هو محض التسمي به باللسان، والانتساب إليه بالعنوان


 


(1)                 31-36 – القيامة .

(2)                 185 – البقرة .

 

ولكنه ما وقر في القلب ، وصدقته الأعمال ، وقد جعل الله الصلاة ، والزكاة والصيام ، بمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان ، بها يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان ، كما أنها الفرقان بين المسلمين والكفار ، والمتقين والفجار . لأن الإسلام علانية ، والإيمان في القلب .

     فالمسلم حقاً : هو من يصلى مع المصلين ، ويصوم مع الصائمين ، ويؤدي زكاة ماله إلى الفقراء والمساكين ، فيظهر إسلامه علانية للناس ، بحيث يشهدون له بموجبه ، والناس شهداء الله في أرضه، وهذه الشرائع تهذب الأخلاق ، وتطيب الأعراق ، وتزيل الكفر ، والشقاق ، والنفاق ، لأنها تنزيل الحكيم العليم ، شرعها من يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد ، وأنها هي أسباب سعادتهم الدينية والدنيوية ، لأن الله سبحانه لا يوجب شيئاً من العبادات ، كالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، إلا ومصلحته راجحة ، ومنفعته واضحة ، ولا يحرم شيئاً من المحرمات ، كالزنا والربا ، والقمار ، وشرب الخمر ، إلا و مضرته واضحة ، ومفسدته راجحة . فالتكاليف على العمل بشرائع الإسلام ، هو الذي يوحد المسلمين ويؤلف بين قلوبهم ، ويصلح ذات بينهم ، ويجعلهم مستعدين للنصر على عدوهم .

     دين من قام به ساد ، وسعدت به البلاد والعباد ، ومن ضيعه سقط في الذل والهوان والفساد ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) (1) .

     دين يحترم الدماء والأموال ، ويقول » إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام « . ويقول : » لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه « (2) . أي بموجب الرضا التام ، وفي محكم القرآن ،  ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ) (3) .

_____________________

(1)                 18 – الحج .

(2)                 من خطبة صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .

(3)                 188 – البقرة .

 

     دين صالح لكل زمان ومكان ، قد نظم أحوال الناس في حياتهم أحسن نظام ، فلو أن الناس آمنوا بتعاليمه ، وانقادوا لحكمه وتنظيمه ، ووقفوا عند حدوده ومراسيمه ، لصاروا به سعداء . لأنه ( يهدي للتي أقوم ) (1) لما تدفقت جحافل الصحابة المظفرة على بلاد الأكاسرة ، و علم رستم قائد الفرس الأعلى أنها الهزيمة لا محالة ، أرسل إلى سعد بن أبي وقاص ، أن أخبرونا بما تريدون منا ، وما الغرض الذي أقدمكم على بلادنا ؟ فكان جوابهم الذي لم يختلف ، أن قالوا : نريد أن نخرج الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الله وحده ، وأن نخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعتها ، وأن نخرجهم من جور الأديان إلى عدل الإسلام .

     فهذا صنيع سلفكم الكرام ، من الصحابة ، والتابعين ، وتابعيهم بإحسان ، قد جاهدوا فيه بالحجة والبيان ، والسيف والسنان ، حتى اتسعت حضارة الإسلام اتساعاً عظيماً لا يماثل ، ولا يضاهي ، ولا يضام ، فاختلطوا المدن ، وأنشأوا المساجد ، وأشادوا المكارم والمفاخر ، ونشروا العلوم والمعارف ، وأزالوا المنكرات والخبائث ، فأوجدوا حضارة نضرة ، جمعت بن الدين والدنيا ، أسسوا قواعدها بالطاعة فدامت بقوة الاستطاعة وغرسوا فيها الأعمال البارة ، فأينعت بالخيرات الدارة . أمدهم الله بالمال والبنين ، وجعلهم أكثر أهل الأرض نفيراً .

     وإنما ضعف المسلمون في هذه القرون الأخيرة ، وساءت حالهم ، وانتقص الأعداء أكثر بلدانهم ، وذلك حينما ضعف عملهم بالإسلام ، وساء اعتقادهم فيه ، وصار فيهم منافقون ، يدعون إلى نبذهم ، وإلى عدم التقيد بحدوده وحكمه ، ويدعون إلى تحكيم القوانين بدله ، فعظم الخطب واتسع الخرق واشتدت غربة الدين .

_____________________

(1)                 9 – الإسراء .

 

     ثم إنه نجم في هذه الأزمنة دعايات مبتدعة ، كلها تحوم حول تنقص الإسلام ، وعدم التسمي به، والانتساب إليه ، وهي دعوة البعثية ، و دعوة الشيوعية الاشتراكية ، ودعوة القومية العربية .  ولكل واحدة أنصار وأعوان فتقطعت وحدة الإسلام إرباً وأوصالا ، وصاروا شيعاً وأحزاباً ، ففشي من بينهم الفوضى والشقاق ، وقامت الفتن على قدم وساق ، يقتل بعضهم بعضا ، ويسبي بعضهم أموال بعض ، بحجة الاشتراكية المبتدعة ، التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وهذا العذاب الواقع بهم ، من التلاحم ، والتطاحن بينهم ، فإنه والله لن يرتفع عنهم حتى يراجعوا دينهم الكفيل بنجاح علاج عللهم ، وإصلاح مجتمعهم ، ومن نصائح نبيكم لكم ، إنه ما نقض قوم عهد الله وعهد رسوله ، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم . وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ، إلا جعل الله بأسهم بينهم شديد . ولن ننسى في هذا المقام مقالة ذلك الإمام ــ أي مالك ابن أنس ــ عليه الرحمة والرضوان ، قال : والله لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح أولها .

     وفي الختام فإنه ما من بلد يفشو فيها الإلحاد والزندقة ، فيكفر أهلها بالشريعة الإسلامية ، يتركون الصلاة ، والصيام الفرضية ، وسائر الطاعات المرضية ، ويستبيحون الجهر بالمنكرات ، وشرب المسكرات الوبيئة ، إلا فتح عليهم من الشر كل باب ، وصب عليهم ربك سوط عذاب ( واتقوا فتنة
لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب )
(1)

      فأفيقوا من رقدتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وتمسكوا بدينكم ، قبل
(أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين)
(2) .

_____________________

(1)                 25 – الأنفال .

(2)                 56 – الزمر .