الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الذكرى الرابعة في العشرة الأخيرة من رمضان

وبيان زكاة الفطر

 

     الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبالعمل بطاعته تطيب الحياة ، وتفيض بالخيرات ، وتفيض الخيرات ، وتنزل البركات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده و رسوله. اللهم صل على نبيك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

     أما بعد فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته ، وأمرهم بتوحيده وطاعته ، أوجب ذلك عليهم في خاصة أنفسهم ، وأن يجاهدوا عليه أهلهم ، وأولادهم .

     فأوجب سبحانه على عباده الصلوات الخمس ، مفرقة في أوقاتها المعروفة ، وجعلها عمود دينهم ، ورأس إيمانهم ، وأمانتهم .

     وفرض عليهم زكاة أموالهم ؛ طهرة تطهيرهم ، وجعلها بمثابة الدليل والبرهان على صحة إيمانهم وأمانتهم .

     وكما فرض صوم شهر رمضان ؛ لتمحيص تقواهم ، وتكفير ذنوبهم ، وليتبين به حقيقة من يطيع ربه في سرائه وضرائه فيما يحب وفيما يكره ، فيصبح صائماً صابراً عن مطعومه ومشروبه لقصد رضى ربه و محبوبه . والله يقول : » كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به  « (1) .

     وهذه الشرائع ؛ هي أم الفرائض والفضائل ، والناهية عن منكرات الأخلاق والرذائل ، تهذب الأخلاق ، وتطهر الأعراق ، وتزيل الكفر والشقاق والنفاق ، وتطبع في القلب محبة الرب .


 


(1)                 من حديث متفق عليه وأبي هريرة .

 

كما أنها بمثابة الفرقان بين المسلمين والكفار ، والمتقين والفجار ، وبمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان بها يعرف صادق الإسلام ، من أهل الكفر والفسوق والعصيان . وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان .

     ذلك بأن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء ، فيفضل إنساناً على إنسان ، ومكاناً على مكان ، وزماناً على زمان ، وقد خص الله بالتفضيل شهر رمضان حيث أنز الله فيه القرآن ، وأوجب فيه على المؤمنين الصيام ، وجعله شهر جد واجتهاد ، ومزرعة العباد ، وتطهير للقلوب من الفساد ، وقمع لشهوة الشره والعناد ، فمن زرع فيه خيراً حمد عاقبة أمره وقت الحصاد . شهر أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار .

     وقد قوضت الآن منه الخيام ، وتقلصت منه الليالي والأيام ، وإنه لنعم الشاهد بما عملتموه ، والحافظ لما أودعتموه . إنه لأعمالكم بمثابة الخزائن المحصونة ، والصناديق المصونة ، وستدعون يوم القيامة لفتحها ، يوم تجد كل نفس ما لها وما عليها ، والرب ينادي عليها : » يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه  « (1) .

     صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر:  فقال : » آمين . آمين . قالوا :  علام آمنت يا رسول الله ؟ فقال : » جاءني جبريل عليه السلام فقال يا محمد :  رغم أنف أمري دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له فأدخله الله النار فأبعده فيها قل آمين فقلت آمين  « (2) .

_____________________

(1)                 رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل .

(2)           الحديث بتمامه رواه الحاكم عن كعب بن عجرة وقال عنه صحيح الإسناد ورواه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن مالك عن أبيه عن جده . ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له برواية عن أبي هريرة.

 

فهذا الرجل دخل عليه شهر رمضان ؛ شهر النفحات ، شهر إقالة العثرات ، شهر مضاعفة الحسنات ، شهر تكفير السيئات ، ثم خرج ولم يحظ منه ، لا بمغفرة ، ولا برحمة ، ولا بإقالة عثرة ، و لا بقبول توبة، إنه لرجل سوء ، قد سد باب الخير والرحمة عن نفسه حتى لم يبق للصلاح منه موضع ، ولا لحب الخير من قبله منزع ، قد رضي لنفسه بأن يخسر حين يربح الناس ، وأن يقعد ويرقد حين يصلي الناس وأن يأكل ويشرب حين يصوم الناس ،وإن هذا والله لهو الغاية في الإفلاس والإبلاس ، ولا يرضى به سوى من سفه نفسه من الناس ، كهؤلاء الإباحيين الملحدين الذين لا يتقيدون بالدين .. الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بحرمات الدين ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين ، ويدعي أحدهم الإسلام بمعنى الجنسية ؛ لا بالتزام أحكامه الشرعية ، فتراه لا يصلى ولا يصوم.

وقد قلنا غير مرة : إنه لا يستحل ترك الصلاة والزكاة والصيام عمداً من غير عذر ، سوى مرتد عن دين الإسلام . ترونه يمشي مع الناس في صورة إنسان ، لكنه يعيش بأخلاق أحس حيوان ؛ فهو شر من الكلب والخنزير قد ساءت طباعه ، وفسدت أوضاعه ، فعصى رب العالمين ، واتبع غير سبيل المؤمنين، ولم يأمر الله على لسان نبيه بقبل المرتد التارك لدينه ؛ إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم أخلاقهم. فإن الأخلاق تتعادى ، والطباع تناقل ، والمرء على دين خليله وجليسه .

قتل هذا الإنسان ما أكفره . أمره ربه بالصلاة فتركها ، وأمره بالزكاة فأكلها ، وأمره بالصيام فأكل وشرب في نهار رمضان ، ومع هذا الكفر المتظاهر البواح ، فإنه يتسمى بالإسلام ، قد جمع بين ضلال مع إصرار ، وكفر مع استكبار ، لا ندم بعقبه ولا استغفار ، ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعملون ) (1) . ( وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين ) (2) .

وقد أنزل الله على المؤمنين في كتابه المبين التعزية والتسلية عن هؤلاء المرتدين . فقال سبحانه: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم ) .  ( إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ولهم عذاب أليم ) (3) . وقال: ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى . الشيطان سوّل لهم وأملى لهم ) (4) .

إنه ما ظهر الإلحاد والزندقة في بلد ؛ فكفر أهلها بالشرعية الإسلامية وتركوا الصلاة ، والصيام الفرضية ، وسائر الطاعات المرضية ، إلا فتح عليهم من الشر كل باب ، ( فصب عليهم ربك سوط عذاب) (1) .  ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) (6) .

هذا وإن باب التوبة مفتوح ما دام الأجل مفسوح ، والعمر بآخره ، وملاك الأمر خواتمه .

( فمن تاب من بعد ظلمه  وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) (7) » فالصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ، مفكرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر  « (8) .

_____________________

(1)                 2-3 – الحجر .

(2)                 48-49 – المرسلات .

(3)                 176-177 – آل عمران .

(4)                 25 – محمد .

(5)                 13 – الفجر.

(6)                 25 – الأنفال .

(7)                 39 – المائدة .

(8)                 رواه أحمد في مسنده ومسلم والترمذي عن أبي هريرة .

 

 

وفي العشر من آخر هذا الشهر ترج ليلة القدر حيث العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ،  وقد نوه القرآن بفضلها ، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على طلبها فقال في الحديث الصحيح :   » من قال ليلة القدر  إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه «.

     وكان النبي صلى الله عليه وسلم ؛ يخلط العشرين الأول من رمضان بنوم وقيام ؛ فإذا دخلت العشر الأخيرة أحيا ليله ، وأيقظ أهل  ، وهجر فراشه ، واجتهد في العبادة .

     وكان يوقظ أهله ، ويطرق باب علي وفاطمة ، ويقول : » ألا تقومان فتصليان ثم يتلو ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى  « (2) .

     وكان يعتكف في العشر الأخيرة حرصاً على طلبها . واعتكف أصحابه معه . والاعتكاف ، هو لزوم مسجد بنية لله  لقطع أشغاله وتفريغ باله، وخلوه لمناجاة ربه ، وذكره ، وشكره ودعائه .

     وأعلموا رحمكم الله ؛ أن الله أوجب عليكم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين ، من أداها قبل صلاة العيد ، فهي زكاة مشروعة . ومن أداها بعد الصلاة ، فهي صدقة من الصدقات . وليست من الفطرة في شيء .

     ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين ، وهي زكاة بدن . تجب على الصغير والكبير ، و لا تجب على الحمل في البطن .

_____________________

(1)                 132 – طه .

 

     قال أبو سعيد الخدري ــ رضي الله عنه ــ كنا نعطيها زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من زبيب . وفي رواية أو صاعاً من أقط .

     وإنما خص هذه الأصناف بالذكر لكونها غالب ما يقتاتون في زمنهم ، وفي بلدهم . فالحضر من سكان المدينة غالب قوتهم التمر ، والبر ، والشعير ، والزبيب ، حتى أن البر النقي يعد من القليل وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين وسقاً من شعير .

     أما الأعراب ؛ فغالب قوتهم الأقط واللبن ، فخص هذه الأصناف بالذكر من أجل كونها غالب قوتهم، والنقود قليلة الوجود . ولا ينفى عدم الاجتراء بغير هذه الأصناف مما لم يذكر في الحديث .

     فمن كان قوتهم الأرز ، جاز أن يفطروا بالأرز ، أو كان قوتهم الذرة أو الدخن جاز أن يفطروا بذلك. إذ هي من أوسط ما تطعمون أهليكم ، لكون الحكمة فيها ، هو إغناء الفقراء الشحاذين عن تكفف الناس بسؤالهم يوم العيد . لحديث » أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم  «.

     ومن العلماء من يقول: بجواز إخراج القيمة في الفطرة نقوداً دراهم أو ما يقوم مقامهما في العملة ، إذا كانت أنفع للفقراء . وهذا هو ظاهر مذهب أبي حنيفة ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : لكون المقصود من زكاة الفطر سد حاجة الفقراء عن سؤال الناس يوم العيد ، وهو محقق في القيمة . وقد أصبح أكثر الفقراء في البلدان المثرية يسخطون الطعام بالكلية ولا يقبلونه لكونه لا يقوم بسد حاجتهم ، ولا بحاجة من يعولونه من أهلهم وأولادهم ، من نفقتهم ، وكسوتهم ليوم العيد . وإنما يطلبون الفطرة دراهم؛ ليشتروا بها حاجتهم وحاجة عيالهم ، فمن أجل هذه الأسباب أفتينا الناس بجواز إخراج الفطرة دراهم بدلا من الطعام ، وقدر قيمة فطرة الشخص الواحد ستة ريالات قطرية لاعتبار هذا الزمان والمكان ، بحيث أن كيلو الأرز يباع في السوق بريالين ، والعالي بريالين ونصف ، وهو غالب قوت البلد . وقدر فطرة الشخص كيلوان ونصف . فمن أخرج هذا القدر عن كل شخص ممن يعوله ، فقد برأت ذمته من عهد فطرته . ومع القول بهذا فإننا لا ننكر جواز التفطير بالطعام من التمر أو الأرز . ولا يجوز إيداعها عند أحد لانتظار فقير يقدم إلى البلد ، و لا يجوز أن تدفع إلى غني ، ولا إلى قوي مكتسب ، و لا يجوز أن يستخدم بها أجير ، ويجوز أن تدفع فطر الجماعة إلى فقير واحد ، كما يجوز أن تقسم فطرة الشخص الواحد بين فقيرين أو ثلاثة .

     والفقير : متى تحصل على فطر من الناس وجب عليه أن يفطر بها عن نفسه ، وعن سائر من يعوله لكونه قد ملكها ملكا تاماً . فجاز أن يفطر بها ومن أدركه العيد في هذا البلاد ، وأهله وعياله في بلد آخر أخرج فطرة أهله مع فطرته في البلد الذي أدركه العيد فيه . والله يقول ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى . بل تؤثرون الحياة الدنيا . والآخرة خير وأبقى ) (1) .

     نسأل الله أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا وإياكم على ذكره ، وشكره وحسن عبادته .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)                 14-17- الأعلى .