![]() |
|
الذكرى الثالثة من رمضان
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبالعمل
بطاعته تطيب الحياة ، وتفيض بالخيرات ،وتنزل البركات ، وأشهد أن لا إله إلا الله
شهادة نرجو بها النجاة والفوز بالجنات ، وأشهد أن محمداً رسول الله ؛ صاحب الآيات
والمعجزات . اللهم صل على نبيك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً. أما بعد : فقد قال الله تعالى ( يا أيها الذين
آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياماً معدودات
فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) (1) . نادي الله عباده باسم الإيمان ؛ بعد ما هاجروا
إلى المدينة ، ورسخ الإيمان في قلوبهم ، انقادت للعمل به جوارحهم . ولهذا تأخر فرض
صيام رمضان إلى السنة الثانية من الهجرة ؛ لاستعدادهم بكمال قوة الإيمان ، لكون
الإيمان هو أعظم وازع إلى أفعال الطاعات ، و أعظم رادع عن مواقعة المنكرات ، ومتى
قوى الإيمان في القلب ؛ نشطت الأعضاء على أداء الأعمال الشاقة ،حتى تعود في نفسه
سروراً ولذة. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم » إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت
فسد الجسد كله ألا وهي القلب « (2) .
(1)
183-184 –
البقرة . (2)
عن النعمان
بن بشير رواه عنه أصحاب السنن الأربعة ، وهو متفق عليه قال عنه السيوطي في شرح
الجامع جـ1 ص 510 . هذا حديث عليه نور النبوة .
وفي صحيح مسلم عن العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
. . » ذاق طعم الإيمان من رضي
الله رباً ، وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولا «. وهذه الصيغة ؛ أي :
( يا أيها الذين آمنوا ) . لا توجد إلا في السور المدنيات ، وقد قال بعض السلف: »إذا سمعت الله يقول: ( يا
أيها الذين آمنوا ) . فأصغ لها سمعك، فإنها خير تؤمر به أو شر تنهى عنه « . والصيام : هو الإمساك عن الطعام ، والشرب ،
والوقاع ، في نهار رمضان بنية خالصة لله . وهو عبادة دينية ، ورياضة بدنية ،
وتأديب للشهوة الإنسانية ؛ كي تتعود الصبر على طاعة الله ، ثم الصبر عما حرم الله
، فهو محض تمحيص للتقوى التي حقيقتها أداء ما افترض الله ، وترك ما حرم الله . وأخبر سبحانه ؛ أنه كما فرضه علينا فقد فرضه
على من كان قبلنا من الأمم ، غير أنه يختلف صومنا عن صومهم في العدد والزمان ،
يقول الله (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) (1) .. ثم قال ( أياما معدودات ) أي قلائل . وهذه الأيام ؛ هي رأس مال الإنسان
، وموضع ربحه أو خسرانه . وإذا مات الإنسان وقد أنهى عمراً طويلا في الحياة ؛ فإن
كان من أهل الخير والمحافظين على الصيام والصلاة ؛ بشر بالخير . فيقال له : كم
لبثت ؟ فيقول : لبثت يوماً أو بعض
يوم . فيقال له : نعم ما اتجرت في يوم أو بعض يوم . ويؤتي بأنعم الناس في الدنيا
من الجبارين المتكبرين ؛ الذين أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، فيقال له . كم
لبثت في الدنيا ؟ فيقول : لبثت يوماً أو بعض يوم . فيقال له بئس ما اتجرت في يوم
أو بعض يوم . _____________________ (1)
48 – المائدة
. أيها المستمعون الكرام : إن الدنيا مزرعة
الآخرة ، وإن كل عامل سيقدم على عمله ، وإنه لن يخرج من الدنيا حتى يبشر بحسن عمله
، أو سوء عمله ، وأن شهر رمضان ؛ شهر جد واجتهاد ، ومزرعة للعباد ، وتطهير للقلوب
من الفساد ، قمع لشهوة الشر والعناد ، فمن زرع فيه خيراً حمد عاقبة أمره وقت الحصاد
. وقد ثبت مضاعفة ثواب الصدقة والأعمال الصالحة
في رمضان . ففي صحيح الترمذي عن أنس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي
الصدقة أفضل ؟ قال : صدقة في رمضان
. لأن من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير ، كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، لهذا كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان ، فيتضاعف جوده بالعطاء ،
والصدقة ، والدعاء ، وتلاوة القرآن ، وكان الصحابة والسلف الصالح الكرام ، تبسط
أيديهم بالصدقة والإحسان ؛ رجاء مضاعفة ثوابها في رمضان. ومنهم من يجعله وقتاً لإخراج زكاة المال ؛
لقصد أن يتقوى بها من يعطاها من الصوام . والزكاة : هي قنطرة الإسلام ، وهي الليل
والبرهان على صحة الإيمان . وإنما سميت زكاة ؛ من أجل أنها تزكي المال ، أي تنمية
، وتنزل البركة فيه ، حتى في يد وارثة . كما سميت صدقة من أجل أنها تصدق إيمان مخرجها
، وكونه آثر طاعة ربه على محبة ماله . فيا معشر التجار : إن الله سبحانه قد أنعم
عليكم بنعمة الغني بالمال ، وأن المال كإسمه ميال ، إذ دوام الحال من المحال . وقد
سمى الله المال خيراً لمن أراد الله به الخير ، وهذا الخير كالخيل ؛ لرجل أجر وعلى
رجل وزر . فمن رزقه الله من هذا المال رزقاً حسناً ؛ فليبادر بأداء زكاته . ولينفق
منه سراً وعلناً حتى يكون أسعد الناس بماله في حال حياته ؛ وبعد وفاته . فإن مال
الإنسان ما قدم ، وما نقصت الزكاة مالا، بل تزيده . ( واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا
خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (1). ومن سنن رمضان : صلاة التراويح . فقد سنها
رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا منه وفعلاً . وما شاع على ألسنة بعض الناس ، وفي بعض كتب
المتأخرين ، من قولهم إن التراويح بدعة حسنة؛ فهذا لا أصل له فليس في الإسلام بدعة
حسنة بلك كل بدعة سيئة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، والنبي صلى الله
عليه وسلم قال : » إن الله افترض عليكم صيام رمضان ، وسننت لكم قيامه،
فمن قام رمضان إيماناً واحتساباً ويقيناً كان كفارة لما مضى « (2). وسميت تراويح ؛ من أجل أن الناس يطيلون القيام
والركوع والسجود فيها . وكانوا يعتمدون على العصي من طول القيام ، ويستريحون بين
كل أربع ركعات ، ولا ينصرفون إلا في فروع الفجر . وفي البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم صلى ذات ليلة في المسجد ، فصلى بصلاته ناس. ثم صلى من القابلة فكثر الناس ،
ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة ، أو الرابعة حتى غص المسجد بالناس ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
16 - التغابن
. (2)
رواه النسائي
والبيقهي في شعب الإيمان عن عبد الرحمن بن عوف بإسناد حسن . فلما أصبح قال : قد رأيت الذي
صنعتم . ولم يمنعني من الخروج إليكم ؛ إلا أني خشيت أن تفرض عليكم. وقد زال هذا المحذور الذي خشيه رسول الله صلى
الله عليه وسلم بموته . بقي الاستحباب على حاله. فتعتبر صلاة التراويح جماعة أنها
سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته . ويدل له حديث: فكان الناس زمن النبي صلى الله عليه وسلم ،
وزمن أبي بكر ، وصدراً من خلافة عمر ، يصلون أوزاعاً متفرقين ، يصلي الرجل
بالرجلين والثلاثة ، ويصلي بالرهط ويصلي الرجل وحده ، فقال عمر أما إني لو جمعت
هؤلاء على إمام واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمع الرجال على أبي بن كعب ، والنساء على
تميم الداري . واستمر الأمر على هذه الحالة . فخرج عمر ليلة ورأي الناس يصلون
مجتمعين فأعجبه ما رأي فقال : » نعمت البدعة«. وليس معنى قول عمر » نعمت
البدعة
«. أنه
الذي ابتدع صلاة التراويح جماعة . فقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة
ثلاث ليال واعتذر عن مواصلة عمله ؛ خشية أن تفرض على الناس . وإنما أراد بقوله»
نعمت البدعة «
يعني تنظيم الناس للاجتماع لها ؛ حيث ضم سائر الجماعات والأفراد لصلاة التراويح
على إمام واحد . والتراويح هي من قيام الليل . وليست محصورة
بعدد . فبعضهم يصليها بأربعين ، وبعضهم بست وثلاثين ، وبعضهم يصليها بعشرين ، وبعضهم
يصليها بثمان ، ويوتر بثلاث . وفي البخاري عن عائشة قالت: ما كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يزيد في رمضان و لا غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعاً ، فلا
تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلى أربعاً ، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يوتر
بثلاث . ولنعلم أن لب الصلاة الخشوع . وأن صلاة بلا
خشوع كجسد بلا روح . وقد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ، لأن الله يطلب
من عبادة تحسين العمل لا كثرة العمل ليبلوكم أيكم أحسن عملاً . فما يفعله أكثر الناس في صلاة التراويح ؛ من
السرعة الزائدة ، وعدم الخشوع والطمأنينة في الركوع والسجود ، فإنه خطأ ، فإن صلاة
ركعتين بخشوع وخضوع ، في القيام ، والسجود ، والركوع، أفضل من أربع ركعات ، وست
ركعات بلا خشوع . ويصليها الرجل مع الجماعة ، أو في بيته .
وتصليها المرأة مع الجماعة ، أو في بيتها وهو أفضل . والتراويح بما أنها من قيام الليل المرغب فيه
؛ فإنها أيضاً من أسباب صحة الجسم ، والعافية من السقم ، فقد مر النبي صلى الله
عليه وسلم على أبي هريرة وهو يشكو بطنه . فرجفه برجله . ثم قال له: وذلك أن الصائم يأتي إلى الفطور وهو بحالة
الجوع ، وشدة الشهوة ، فيأكل ويشرب إلى غاية الشبع ونهاية الامتلاء .
ومن لوازم هذا الشبع والامتلاء استرخاء الأعضاء ،وسريان الفتور فيها ،
فيستولي عليه الضعف ، فكان في أشد الحاجة إلى التخفيف والتهضيم ، وإعادة النشاط ؛
لهذا شرع الله على لسان نبيه صلاة التراويح ؛ التي لا يزال فيها بين قيام وقعود ،
وركوع وسجود ، حتى ينصرف منها ، وقد استعاد نشاطه ، ودب فيه روح السرور، والهناء ،
والغبطة ، وفيتحلل عنه مضرة ذلك الامتلاء . وتبقى فيه منفعته ، وهذه من حكم الشريعة التي
جعلها بمثابة الشفاء من سائر الأدواء وأن العبادات الشرعية تجمع يبن مصالح الدنيا
والآخرة ، وبين مصالح الروح والجسد . ثم إن تناول السحور وقت السحر سنة . وقد سماه
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغداء المبارك وقال: » إن
الله وملائكته يصلون على المتسحرين « . وقال : » فضل ما صيامنا وصيام أهل
الكتاب أكلة السحر«
وقال: » تسحروا فإن في السحور بركة « (1). وقال: » تسحروا
ونعم السحور التمر «
. وقال: » تسحروا ولو بجرعة ماء « (2). فأرشد النبي صلى الله عليه
وسلم أمته إلى تناول السحور ، ورغبهم فيه، ولو بأقل شيء ليستعينوا بالسحور على
الصيام ، ثم يتعودوا القيام من آخر الليل ؛ لذكر الله والصلاة والاستغفار ؛ لأن
الله سبحانه ينزل آخر الليل إلى السماء الدنيا . فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من
مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من
أمته أن يستيقظوا في هذا الوقت المبارك ؛ حتى من يكون منهم يذكر الله ، ومنهم من
يستغفر ، ومنهم من يصلي، ومنهم من يدعو، ومنهم من يتلو القرآن ، وحتى لا يكونوا من
الغافلين . فسماه السحور المبارك : من أجل ما يترتب عليه
من الفضائل ، ومن أجل أن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ، .. وحسبك بها من
فضيلة. ويتبعها ما هو أفضل منها ، وهو شهود المتسحرين لصلاة الفجر في الجماعة . _____________________ (1)
متفق عليه ،
ورواه أحمد والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك . ورواه النسائي عن أبي هريرة وعن
ابن مسعود ورواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري . (2)
رواه أبو
يعلى عن أنس ، وهو ضعيف . الذي ورد فيه حديث : »
من صلى الفجر في الجماعة كان كمن قال الليل كله « (1). وقال: » من صلى
الفجر في جماعة كان في ذمة الله وحسابه على الله « (2). وهذا كله من فضائل التيقظ للسحر . أما الرجل الأكول ، النؤوم ؛ الذي يملأ بطنه
من أصناف الطعام ولحوم الأنعام ، ثم ينام عليه بعد العشاء ؛ ولعله لا يستيقظ إلا
بعد طلوع الشمس ، أو إلا وقت الضحى ، فلا شك أن هذه خلة ذميمة ، وعادة لئيمة ، فكم
فاته برقادة الضحى من غنيمة . إن التقلل من العشاء والتيقظ وقت السحور فضيلة
، فقد قيل : نم مبكراً ، وقم مبكراً ترى الصحة أحسن ما ترى . وفي وقت السحر تنزل
الرحمة ، وتقسم الغنيمة ، فما يطلع الفجر ؛ إلا وقد حاز القائمون الغنيمة ، وحمدوا
عند الصباح السري . وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى .
أسأل الله سبحانه ، أن يعمنا وإياكم بعفوه ،
وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته
. _____________________ (1)
من حديث رواه
أحمد في مسنده ، ومسلم عن عثمان . (2)
رواه
الطبراني عن والد أبي مالك الآشجعي وإسناده حسن ولها حديث " من صلى الغداة ـ
أي الصبح ـ كان في ذمة الله حتى يمسي " فقد رواه عن ابن عمر بن الخطاب . |