![]() |
|
الذكرى الجامعة لفوائد الصيام
الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وما كنا لنهدي
لو لا أن هدانا الله ، وأشهد أن لا
إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ،
سيد الأنام ، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام . أما بعد : فيا أيها المستمعون الكرام : فإني
أبارك لكم في شهر رمضان ، وأسأل الله أن يجعله مستهلا علينا وعليكم بالأمن
والإيمان ، والسلامة والسلام ، والتوفيق لصالح الأعمال ، إن شهر رمضان ؛ هو غرة
الزمان ، ومتجر أهل الإيمان ، خصه الله بإنزال القرآن ، وأوجب فيه على المسلمين
الصيام ، وجعل صومه أحد أركان الإسلام ، الذي ما تم دين إلا به ولا استقام ومن جحد
وجوبه فإنه كافر بإجماع علماء الإسلام. فهو شهر جد واجتهاد ، ومزرعة للعباد ، وتطهير
للقلوب من الفساد ، وقمع لشهوة الشره والعناد ، فمن زرع فيه خيراً ، حمد عاقبة
أمره وقت الحصاد وقد أقسم رسول الله . وقسمه حق وصدق . أنه ما مر بالمسلمين شهر هو
خير لهم من رمضان ؛ لأن أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار . شهر تفتح فيه أبواب الجنان ، وتغلق فيه أبواب
النيران ؛ وذلك بسبب توسع الناس في العبادات ، وتسابقهم إلى الصلوات ، وتنافسهم في
الأعمال الصالحات ، التي من جملتها بسط الأيدي بالصدقات ، وصلة القرابات ،
والإحسان إلى المساكين والأيتام ، وذي الحاجات ، والإكثار من الدعاء ، والاستغفار
، وتلاوة القرآن ، وتكثير أيدي المفطرين من الصوام على الطعام . وهذه الخلال جدير
بأن يفتح لفاعلها أبواب الجنان ، وتغلق عنه أبواب النيران . ولهذا كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان ، فيتضاعف جوده بالعطاء والصدقة
والإحسان ، قدراً زائداً على سائر الزمان ، لأن الله يختص برحمته من يشاء ، فيفضل
إنساناً على إنسان ، وزماناً على زمان ، ومكاناً على مكان ، وقد خص الله بالتفضيل
شهر رمضان ، يغشاكم الله فيه ، فينزل الرحمة ، ويحط الخطيئة ، ويستجيب الدعاء ،
ينظر الله إلى تنافسكم فيه ، فيباهي بكم ملائكته ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ،
فإن المحروم من حرم فيه رحمة الله عز و جل ، ولهذا كان رسول الله يبشر أصحابه
بقدوم رمضان ، ويقول:
(1)
رواه ابن
خزيمة في صحيحه من حديث سلمان . (2)
من 99-100 –
المؤمنون . إن الله سبحانه افترض على عباده
المؤمنين صوم رمضان ، ولم يشرع الله الصيام إلا لمصلحة تعود على الناس من صحة
أبدانهم ، وزيادة إيمانهم ، لأن شرائع الإسلام منزلة على جلب المصالح ، ودفع
المضار ، فلا يوجب الله شيئاً من الواجبات كالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، إلا
ومصلحته راجحة ، ومنفعته واضحة ، ولا يحرم شيئاً من المحرمات ، كالربا، والزنا ،
وشرب الخمر ، إلا ومضرته واضحة ، ومفسدته راجحة ، وقد شرع الله الصيام ، لأنه من
أسباب الصحة للأجسام ، بحيث يعقب البدن الصحة ، أشبه الحمية التي يحفظ بها الإنسان
صحته ، لأن في البدن فضولا سيالة تنشف بالصوم ، فتقوى العضلات ، ويشتهي الطعام
بإشتياق ؛ أشبه تضمير الخيل للسباق . وفي الحديث » صوموا تصحوا « (1) . وقال: ومن المشاهد المحسوس أن الذين يتنفلون بالصيام
؛ أنهم من أصح الناس أجساماً ، وأطول الناس أعمارا ؛ لأن للطاعة ضياء في الوجه ،
وقوة في الجسم ، ثم إن الصلاة والصيام وسائر شرائع الإسلام ؛ هي بمثابة الفرقان بين
المسلمين ، والكفار ، والمتقين والفجار ، وبمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان ، بها
يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان ذلك بأن الله سبحانه لم يكن
ليذر الناس على حسب ما يدعونه بألسنتهم ، حتى يميز الخبيث من الطيب بأعمالهم .
يقول الله ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم و لا يفتنون ) (3) أي لا يختبرون ، ولا يمتحنون على صحة ما يدعون ( ولقد
فتنا الذين من قبلهم ) أي اختبرنا الأمم قبلكم بالفرائض ، والحدود ، والمحرمات (
فليعلمن الله الذين صدقوا ) في دعوى إيمانهم حيث قاموا بواجباتهم من صلاتهم ،
وزكاتهم ، وصيامهم _____________________ (1)
رواه
الطبراني . عن أبي هريرة . (2)
رواه ابن
ماجة عن أبي هريرة . (3)
2 – العنكبوت
. ( وليعلمن الكاذبين ) الذين
قالوا ( آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) ولم تنقد للعمل به جوارحهم وكان حظهم من
الإيمان هو محض التسمي به والانتساب إليه بدون عمل به ، ولا انقياد لحكمه، وهذه
الصفة تنطبق على كثير من الناس في هذا الزمان ، يتسمون بالإسلام ، وهم منه بعداء
وينتحلون حبه وهم له أعداء ، يقول أحدهم أنا مسلم ، أنا مؤمن أشهد أن لا إله إلا
الله أشهد أن محمداً رسول الله . وهم لا يصلون ولا يصومون ، ولا يحرمون ما حرم
الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ويستحل بعضهم الفطر في نهار رمضان عمداً بدون
عذر إلا مرتد كافر بدين الإسلام ، ترونه يمشي مع الناس في صورة إنسان ، لكنه يعيش
بروح أخس حيوان . فهو شر من الكلب والخنزير . قد عصى رب العالمين ، واتبع غير سبيل المؤمنين ، و الله على لسان نبيه بقتل التارك
لدينه ، إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم أخلاقهم ، فإن الأخلاق تتعادى والطباع
تتناقل والمرء على دين خليله وجليسه ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم
يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) (1) ، دخل شهر رمضان ،
ففرح به المؤمنون وكره الزنادقة الملحدون ، فالمؤمنون لا يزالون في صلاة ، وصيام ،
وتلاوة القرآن ، وبسط أيد بالصدقة والإحسان فهم في نهارهم صائمون صابرون ، وفي
ليلهم طاعمون شاكرون ( أولئك هم المؤمنون ) . ومن أحكام الصيام الفقهية : أنه يجب الصوم على كل مسلم بالغ
عاقل ، أما مختل الشعور عديم المعرفة فإنه لا يجب عليه الصيام ، ولا إطعام . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
2-3 - الحجر
. أما كبير السن الذي تجاوز ثمانين سنة والصوم
يشق عليه فوق المشقة المعتادة فإنه يجوز له الفطر ، ويخرج عن كل يوم إطعام مسكين
أي كيلو من الأرز أو قدر قيمته لما روى البخاري عن ابن عباس قال: »
رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً «
. أما المريض الذي يتناول الأدوية في المستشفى فإنه يفطر ويقضي أياماً آخر . أما
الذي مرضه مزمن كداء الصدر الذي يسمونه داء السل ، ويقول الطبيب إن الصوم يزيد في
مرضه ، ويؤخر من برئه ، فإنه يفطر ، ويطعم عن كل يوم مسكيناً كما ذكرنا . ومن أكل ، أو شرب ناسياً ، فليتم صومه ، ولا
قضاء عليه ، ومن أكل أو شرب ظاناً أنه ليل فتبين أن الصبح طالع ، فصيامه صحيح ،
ولا قضاء عليه . ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »
عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان « (1) . ومن استقيظ آخر الليل وعليه جنابة ويخشى إن اغتسل أن يفوته
السحور فإنه يتسحر ولولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر ، لما في البخاري : عن أم سلمة
قالت: » كان رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يصبح جنباً
من جماع ثم يغتسل ويصوم ولا يقضي « . والمرآة إذا انقطع عنها دم الحيض بالليل ورأت
النقا أي البياض فإنه يجب عليها أن تنوي الصيام وتصوم كما يصوم الناس ، ولو لم
تغتسل إلا بعد طلوع الفجر ، أو إلا بعد طلوع الشمس ، وصيامها صحيح ، ثم إن
الاغتسال عن الحيض هو مثل الاغتسال عن الجنابة ، على حد سوى ، فلا يجب عليها أن
تنقض شعر رأسها ، _____________________ (1)
روي ابن ماجة
عن أبي ذر والطبراني عن ابن عباس قال الحاكم صحيح بنصه " إن الله تجاوز لي عن
أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولابن ماجة عن ابن عباس " إن
الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وقيل فيه أنه حسن لذاته
صحيح لغيره . وإنما تروي أصوله بالماء فقط ،
وكذلك النفساء ، متى انقطع عنها دم النفاس لعشرة أيام من الولادة ، أو العشرين
يوماً فإنه يجب عليها من حين ينقطع عنها الدم أن تبادر إلى الاغتسال ، ثم إلى فعل
الصلاة ، والصيام ، من غير تأخير ، فإن الله يحب التوابين ، ويحب المتطهرين. أما ما يفعله بضع النساء ؛ من كون إحداهن
ينقطع عنها دم النفاس ، أو دم الحيض ، ثم تبقى اليومين والثلاثة لا تغتسل ، ولا
تصلي ، ولا تصوم ، وفي كلها تقول: أخشى أن يعود علي الدم فهذا خطأ وتفريط منها في
العبادة . فمن واجب المسلمة متى انقطع عنها الدم ؛ أن تبادر إلى الاغتسال في الحال
ثم إلى فعل الصلاة والصيام ، من غير تأخير . والمرآة من نساء البوادي متى كانت في
البر ، وانقطع عنها دم الحيض ، أو دم النفاس ، وليس عندها ماء لتغسل به ، فإنه يجب
عليها أن تضرب الصعيد أي التراب بيديها تنوي بذلك رفع الحدث عنها ، ثم تصوم ،
وتصلي لقول النبي صلى الله عليه وسلم :
» الصعيد وضوء المسلم ـ أي : والمسلمة ــ وإن لم يجد
الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته «
. والمرآة إذا اغتسلت من الحيض والنفاس ثم رأت شيئاَ من الصفرة ، أو الكدرة ، فلا
تبالي به بل تصوم وتصلي لما في البخاري: عن أم عطية قالت: » كنا لا
نعد الكدرة ، ولا الصفرة بعد الطهر شيئاً « . وإذا رأت المرآة دم الحيض بعد غروب الشمس ؛ أي بعد الفطر وشكت
فيه هل حدث معها قبل غروب الشمس أو بعدها . فإن صيامها ذلك اليوم صحيح ولا تقضيه ؛
إذ هو اليقين . والشك لا يرفع اليقين ، وإذا رأت الحامل شيئاً من الدم فلا تترك له
الصوم ولا الصلاة . بل تصوم وتصلي وصيامها صحيح لأن هذا الدم ليس بحيض ؛ وإنما هو
دم فساد يشبه الدم الخارج من الرعاف ، أو من الجرح . ثم إن تناول السحور وقت السحر سنة ، وفضيلة ،
وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغداء وقال: » إن
الله وملائكته يصلون على المتسحرين « (1) . وقال: » فضل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر « (2) وقال: » تسحروا ونعم السحور التمر « (3) وقال: » تسحروا
ولو بجرعة من ماء « (4) . وقال: » تسحروا فإن في السحور
بركة « (5) وقال: » تسحروا من آخر الليل فإنه الغداء المبارك « (6) . فأرشد النبي صلى الله عليه
وسلم أمته إلى فضيلة السحور ولو بأقل شيء ليتقووا به على الصيام ، وحتى يتعودوا
التيقظ آخر الليل ؛ لذكر الله ، والدعاء ، والاستغفار، والصلاة ، وتلاوة القرآن ،
لأن الله يقول: »
هل من سائل فأعطيه ، هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع
الفجر «
. فأحب رسول الله لأمته بأن يستيقظوا في هذا
الوقت المبارك ، حتى يكون منهم من يصلي ومنهم من يدعو، ومنهم من يستغفر ، ومنهم من
يتلو القرآن ، وحتى لا يكونوا من الغافلين . فسماه السحور المبارك من أجل ذلك .
ومن أجل أن الله وملائكته يصلون على المتسحرين . وهذه فضيلة عظيمة ، ويتبعها ما هو
أفضل منها ، وهو شهود المتسحرين لصلاة الفجر في جماعة ، والذي ورد في فضله أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: »
من صلى الفجر في جماعة كان كقيام الليل كله « _____________________ (1)
رواه ابن
حبان في صحيحه والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر بن الخطاب
ورواه أحمد بإسناد قوي عن أبي سعيد الخدري . (2)
رواه مسلم
وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمرو ابن العاص . (3)
رواه
الطبراني عن السائب بن يزيد . (4)
ابن يعلى عن
أنس ، ضعيف لضعف عبد الواحد الباهلي . ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمر
. (5)
متفق عليه
وأحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري . والترمذي والنسائي عن أبي هريرة وعن ابن
مسعود . (6)
الطبراني عن
عتبة . " وفي السند ضعف " . وقال: » من صلى
الفجر في جماعة كان في ذمة الله حتى يمسي « (1) أما الرجل الأكول النئوم الذي
يملأ بطنه بعد العشاء من الطعام ولحوم الأنعام ، ثم ينام عليه بعد العشاء ويجعله
سحوراً ولعله لا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس ، أو إلا وقت الضحى ن فهذه خصلة ذميمة
، وعادة لئيمة ، وكم فات رقاد الضحى من غنيمة ، فإن التقلل من الأكل أو التيقظ وقت
السحر فضيلة. كما أن كثرة الأكل ، وكثرة النوم رذيلة . وفي وقت السحر ؛ تتنزل الرحمة ، وتقسم الغنيمة
على القائمين ، فما يطلع الفجر إلا وقد حاز القائمون الغنيمة ، وحمدوا عند الصباح
السري ، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى:
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: »
لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ، ولا الفجر المستطير في الأفق ، إن بلالا يؤذن
بليل ؛ ليوقظ نائمكم ، ويرد غايبكم ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن لكم ابن أم مكتوم « (2) . وكان أعمى حتى يقال له أصبحت أصبحت . فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ،
وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . _____________________ (1)
رواه
الطبراني عن والد أبي مالك الأشجعي وإسناده حسن ولكن بلفظ " من صلى الفجر فهو
في ذمة الله وحسابه على الله " . (2)
رواه مسلم عن
سمرة بن جندب بلفظ آخر . |