![]() |
|
الذكرى لآخر شعبان
والاستعداد بالعمل لدخول شهر رمضان
الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وما كنا لنهدي
لو لا أن هدانا الله ، وأشهد أن لا
إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ،
سيد الأنام ، اللهم صل على عبدك
ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام . أما بعد : فيا أيها المستمعون الكرام : إنكم
الآن في آخر شهر شعبان وعما قليل يستهل عليكم شهر رمضان : الذي هو غرة الزمان ،
ومتجر أهل الإيمان ، وخصه الله بإنزال القرآن ، وأوجب فيه على المؤمنين الصيام ،
وجعل صومه أحد أركان الإسلام الذي ما تم دين إلا به فمن جحد وجوبه ؛ فهو كافر بإجماع علماء
الإسلام. ومن أفطر يوما منه بغير عذر لم يقضه عنه صوم سائر الزمان ، قال ابن عباس
: حبر الأمة وترجمان القرآن ــ : » ثلاث أسس عليهن الإسلام
: الشهادتان ، والصلاة ، والصيام « . ومن خصائص شهر شعبان ؛ هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يكثر الصيام فيه فيقول : » إنه شهر يغفل الناس عنه
بين رجب ورمضان « . أما ما ورد في فضله ، وأنه تكتب فيه الآجال ، وكذا ما ورد في
ليلة النصف منه ، وأنه يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب ، أن النبي صلى الله
عليه وسلم أحيا ليلة النصف بالصلاة ، فكل هذا من الكذب على الرسول بإتفاق علماء
الحديث . وأما حديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا إلا فيما افترض عليكم فقد صح عن
علماء الحديث عدم صحة هذا الحديث ، وأنه يجوز أن يصوم من آخر شعبان كما يصوم من
أوله لا فرق في ذلك ؛ غير أنه لا يتقدم رمضان بصوم يوم قبله أو يومين، فإن هذا يوم
الشك الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومه . أقبل شهر رمضان فرحب به المؤمنون ، وكره
الزنادقة الملحدون . فالمؤمنون في رمضان؛ في صلاة وصيام ، وتلاوة القرآن ، وبسط يد
بالصدقة والإحسان ، فهم نهارهم صائمون صابرون ، وفي ليلهم طاعمون شاكرون ، أولئك
الذين هداهم الله ، وأولئك هم المتقون. أما الملحدون ؛ فإنهم يستحلون فيه الإفطار
، وتمد لهم الموائد بالنهار ، قد جمعوا بين ضلال مع إصرار ، وكفر مع استكبار . لا
ندم بعقبه ولا استغفار ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. ذرهم يأكلوا
ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف تعلمون ) (1) . إنه ينبغي لنا قبل استهلال رمضان بأن
نحاسب أنفسنا ، وأن نتوب إلى الله من سيئات أعمالنا ، فإن التائب من الذنب كمن لا
ذنب له ، والله يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ، والتائب من ذنبه ، المحافظ على
فرائض ربه ؛ ينتظر الرحمة والفوز بالجنة . والمصر على معصيته ، المتكبر عن طاعة ربه ينتظر حلول العقاب والنقمة . وكل عامل سيقدم على عمله ولن يخرج
من الدنيا حتى يبشر بحسن عمله ، أو سوء عمله ، وإنما الأعمال بخواتيمها . وخير
الناس من طال عمره ، وحسن عمله . وشر الناس من طال عمره ، وساء عمله . إن صيام رمضان عبادة دينية ، ورياضة بدنية ،
وتأديب للشهوة البهيمية ، أوجبه وشرعه من يعلم ما في ضمنه من مصالح العباد ، في
المعاش والمعاد ، وأنه من أسباب سعادتهم الدينية والبدنية ؛ لأن شرائع الإسلام
منزلة على جلب المصالح ، ودفع المضار ، فلا يوجب الله شيئاً من الواجبات كالصلاة
والزكاة ، والصيام ؛ إلا ومصلحته راجحة ، ومنفعة واضحة .
(1)
2-3 – الحجر
. ولا يحرم شيئا من المحرمات ؛ كالربا والزنا ،
وشرب الخمر ، إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة . ومن حكمة الصوم : أن الله شرعه لتظهر به
عبودية العبد للرب ، في سرائه وضرائه ، فيطيع ربه فيما يحب ، وفيما يكره ، فيمسك
صائماً صابرا عن مطعومه ومشروبه ، في سبيل رضى ربه و محبوبه ، والله يقول: »
الصوم
لي وأنا أجزي به «.
فالمسلم لو ضرب على أن يستبيح الفطر في نهار رمضان ، لما استباح الفطر أبداً ؛
لكون إيمانه يمنعه عن إحباط أعماله؛ وهذا هو العنوان على صحة الإيمان ، لأن
الإيمان الصحيح؛ هو أعظم وازع إلى أفعال الطاعات ، و أعظم رادع عن مواقعة المنكرات
.
ومن حكمة الصيام ؛ أن الله جعل بمثابة الفرقان
بين المسلمين والكفار، والمتقين والفجار فهو بمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان ، به
يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان ، ( فمن يرد الله أن يهديه
يشرح صدره للإسلام ) (1) فيفرح بذكره ، ويندفع إلى
القيام بفرضه ونفله ، من صلاته وصيامه وزكاته ، وسائر واجباته ، منشرحاً بذلك صدره
طيبة نفسه .
يقول الله ( أحسب الذين أن يتركوا آمنا وهم لا
يفتنون ) (2) . فحكمة الرب تأبي أن يدع الناس على حسب ما يدعون
بألسنتهم ، بحيث يقول أحدهم أنا مسلم ، أنا مؤمن ، أشهد أن لا إله إلا الله ،
وأشهد أن محمداً رسول الله ، _____________________ (1)
125 –
الأنعام . (2)
2 – العنكبوت
. بدون أن يختبر صحة دعواهم
بالأعمال التي افترضاها الله عليهم ، فإن قاموا بما أوجب الله عليهم فقد صح
إيمانهم ، وصدق قولهم فعلهم ، ولهذا قال ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) ــ أي
اختبرنا الأمم من قبلهم ، بالشرائع والفرائض ؛ كفريضة الصلاة ، وفريضة الزكاة ،
والصيام (فليعلمن الله الذين صدقوا ) أي في دعوى إيمانهم ، فقاموا بواجبات دينهم
من صلاتهم ، وزكاتهم ، وصيامهم ــ ( وليعملن الكاذبين ) (1) أي : الذين يقولون ( آمنا بأفواههم ولم تؤمن
قلوبهم ) ولم تنقد للعمل به جوارحهم ، وصار حظهم من الإسلام ؛ هو محض التسمي به ،
والانتساب إلى أهله ، بدون عمل به ، و لا انقياد لحكمه ، يقول الله ( ومن الناس من
يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا وما
يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) (2) فقد أخبر الله بأنه امتحن بالشرائع من كان قبلنا من الأمم ، ( ليميز الله
ــ بها ــ الخبيث من الطيب ، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في
جهنم) (3). من ذلك فريضة
الصيام ، فقد فرض على من كان قبلنا صيام خمسين يوما ؛ لكنهم يجيزون للقسيسين
والرهبان بأن يغيروا من شريعة الرب ما يشاءون ، وما يشتهون . فلما رأى القسيسون أن
الصيام تطول مدته عليهم ، ويحول بينهم وبين ما يشتهون ، أخذوا يسقطون منه عشرة ،
فعشرة ، حتى أسقطوه بالكلية ، وجعلوا الصيام عن مجرد كل ذي روح ، وجعلوا صومهم في
خاصة الربيع ، لهذا لعنهم الله في كتابه على تغيير شرائعه ، وتبديل فرائضه ، فقال
سبحانه ( فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه
ونسوا حظا مما ذكروا به ) (4) فعلمنا من فحوى هذه الآية ؛ أن المحافظة على فرائض الله ؛ إنها حظ من الله
يخص به من يشاء من عباده . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
3 - العنكبوت
. (2)
8-9 - البقرة
. (3)
37 - الأنفال
. (4)
13- المائدة
. وهذا الذم ، ينطبق على كل من فسق عن أمر ربه ،
وترك فرائضه ، واستحل محارمه، كهؤلاء الذين أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ،
وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بحرمات الدين ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين ،
ويتسمى أحدهم بالإسلام ، بمعنى الجنسية أما من يتسمى بالإسلام ، وهو لا يصلى ، ولا
يصوم ، ولا يؤدي الزكاة الواجبة في ماله ، فلا شك إن إسلامه لا حقيقة له ، وإنما
هو إسلام باللسان ، يكذبه الحس والوجدان ، والسنة والقرآن . ومن ادعى ما ليس فيه
فضحته شواهد الامتحان . فاعملوا بإسلامكم تعرفوا به . وادعوا الناس
إليه تكونوا من خير أهله . فإنه لا إسلام بدون عمل . لهذا نقول : إنه لا يستحل ترك
الصلاة والفطر في نهار رمضان عمداً من غير عذر سوى مرتد كافر بدين الإسلام . ترونه
يمشي مع الناس في صورة إنسان ، لكنه يعيش بأخلاق أخس حيوان . فهو شر من الكلب والخنزير ، قد عصى رب
العالمين ، واتبع غير سبيل المؤمنين ، ولم يأمر سبحانه بقتل التارك لدينه من
أمثاله إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم أخلاقه فإن الأخلاق تتعادى والطباع
تتناقل . والمرء على دين خليله وجليسه ، واعتبروا الناس
بأخذانهم . قتل هذا الملحد ما أكفره ، أمره ربه بالصلاة فتركها ، وأمره بالزكاة
فأكلها ، وأمره بالصيام فأكل وشرب في نهار رمضان. ومع هذا الكفر المتظاهر البواح ،
نراه يتسمى بالإسلام قد جمع بين ضلال مع إصرار ، وكفر مع استكبار ، لا ندم بعقبه ،
ولا استغفار ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم
الأمل فسوف يعلمون ) (1) . فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ،
وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . _____________________ (1)
2-3 – الحجر
. |