الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

الذكرى لآخر شعبان

والاستعداد بالعمل لدخول شهر رمضان

 

     الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وما كنا لنهدي لو لا أن هدانا الله ،  وأشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة من قال ربي الله ثم استقام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، سيد الأنام ،  اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام .

     أما بعد : فيا أيها المستمعون الكرام : إنكم الآن في آخر شهر شعبان وعما قليل يستهل عليكم شهر رمضان : الذي هو غرة الزمان ، ومتجر أهل الإيمان ، وخصه الله بإنزال القرآن ، وأوجب فيه على المؤمنين الصيام ، وجعل صومه أحد أركان الإسلام الذي ما تم دين إلا به
ولا استقام.      

     فمن جحد وجوبه ؛ فهو كافر بإجماع علماء الإسلام. ومن أفطر يوما منه بغير عذر لم يقضه عنه صوم سائر الزمان ، قال ابن عباس : حبر الأمة وترجمان القرآن ــ :    » ثلاث أسس عليهن الإسلام : الشهادتان ، والصلاة ، والصيام « .

      ومن خصائص شهر شعبان ؛ هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر الصيام فيه فيقول : » إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان  « . أما ما ورد في فضله ، وأنه تكتب فيه الآجال ، وكذا ما ورد في ليلة النصف منه ، وأنه يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيا ليلة النصف بالصلاة ، فكل هذا من الكذب على الرسول بإتفاق علماء الحديث . وأما حديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا إلا فيما افترض عليكم فقد صح عن علماء الحديث عدم صحة هذا الحديث ، وأنه يجوز أن يصوم من آخر شعبان كما يصوم من أوله لا فرق في ذلك ؛ غير أنه لا يتقدم رمضان بصوم يوم قبله أو يومين، فإن هذا يوم الشك الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومه .

     أقبل شهر رمضان فرحب به المؤمنون ، وكره الزنادقة الملحدون . فالمؤمنون في رمضان؛ في صلاة وصيام ، وتلاوة القرآن ، وبسط يد بالصدقة والإحسان ، فهم نهارهم صائمون صابرون ، وفي ليلهم طاعمون شاكرون ، أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم المتقون. أما الملحدون ؛ فإنهم يستحلون فيه الإفطار ، وتمد لهم الموائد بالنهار ، قد جمعوا بين ضلال مع إصرار ، وكفر مع استكبار . لا ندم بعقبه ولا استغفار ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف تعلمون ) (1) .  إنه ينبغي لنا قبل استهلال رمضان بأن نحاسب أنفسنا ، وأن نتوب إلى الله من سيئات أعمالنا ، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والله يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه ، والتائب من ذنبه ، المحافظ على فرائض ربه ؛ ينتظر الرحمة والفوز بالجنة . والمصر  على معصيته ، المتكبر عن طاعة ربه  ينتظر حلول العقاب والنقمة . وكل عامل سيقدم على عمله ولن يخرج من الدنيا حتى يبشر بحسن عمله ، أو سوء عمله ، وإنما الأعمال بخواتيمها . وخير الناس من طال عمره ، وحسن عمله . وشر الناس من طال عمره ، وساء عمله .

     إن صيام رمضان عبادة دينية ، ورياضة بدنية ، وتأديب للشهوة البهيمية ، أوجبه وشرعه من يعلم ما في ضمنه من مصالح العباد ، في المعاش والمعاد ، وأنه من أسباب سعادتهم الدينية والبدنية ؛ لأن شرائع الإسلام منزلة على جلب المصالح ، ودفع المضار ، فلا يوجب الله شيئاً من الواجبات كالصلاة والزكاة ، والصيام ؛ إلا ومصلحته راجحة ، ومنفعة واضحة .

         

(1)                 2-3 – الحجر .

 

     ولا يحرم شيئا من المحرمات ؛ كالربا والزنا ، وشرب الخمر ، إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة .

     ومن حكمة الصوم : أن الله شرعه لتظهر به عبودية العبد للرب ، في سرائه وضرائه ، فيطيع ربه فيما يحب ، وفيما يكره ، فيمسك صائماً صابرا عن مطعومه ومشروبه ، في سبيل رضى ربه و محبوبه ، والله يقول: » الصوم لي وأنا أجزي به «. فالمسلم لو ضرب على أن يستبيح الفطر في نهار رمضان ، لما استباح الفطر أبداً ؛ لكون إيمانه يمنعه عن إحباط أعماله؛ وهذا هو العنوان على صحة الإيمان ، لأن الإيمان الصحيح؛ هو أعظم وازع إلى أفعال الطاعات ، و أعظم رادع عن مواقعة المنكرات .

ما لم يكن لها منها زاجر

 

    ولن ترجع الأنفس عن غيها 

     ومن حكمة الصيام ؛ أن الله جعل بمثابة الفرقان بين المسلمين والكفار، والمتقين والفجار فهو بمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان ، به يعرف صادق الإسلام من بين أهل الكفر والفسوق والعصيان ، ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) (1) فيفرح بذكره ، ويندفع إلى القيام بفرضه ونفله ، من صلاته وصيامه وزكاته ، وسائر واجباته ، منشرحاً بذلك صدره طيبة نفسه .

نشطت في مرادها الأجسام

 

    وإذا حلت الهداية قلب شخص 

     يقول الله ( أحسب الذين أن يتركوا آمنا وهم لا يفتنون ) (2) . فحكمة الرب تأبي أن يدع الناس على حسب ما يدعون بألسنتهم ، بحيث يقول أحدهم أنا مسلم ، أنا مؤمن ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ،

_____________________

(1)                 125 – الأنعام .

(2)                 2 – العنكبوت .

 

بدون أن يختبر صحة دعواهم بالأعمال التي افترضاها الله عليهم ، فإن قاموا بما أوجب الله عليهم فقد صح إيمانهم ، وصدق قولهم فعلهم ، ولهذا قال ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) ــ أي اختبرنا الأمم من قبلهم ، بالشرائع والفرائض ؛ كفريضة الصلاة ، وفريضة الزكاة ، والصيام (فليعلمن الله الذين صدقوا ) أي في دعوى إيمانهم ، فقاموا بواجبات دينهم من صلاتهم ، وزكاتهم ، وصيامهم ــ ( وليعملن الكاذبين ) (1) أي : الذين يقولون ( آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) ولم تنقد للعمل به جوارحهم ، وصار حظهم من الإسلام ؛ هو محض التسمي به ، والانتساب إلى أهله ، بدون عمل به ، و لا انقياد لحكمه ، يقول الله ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) (2) فقد أخبر الله بأنه امتحن بالشرائع من كان قبلنا من الأمم ، ( ليميز الله ــ بها ــ الخبيث من الطيب ، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم) (3). من ذلك فريضة الصيام ، فقد فرض على من كان قبلنا صيام خمسين يوما ؛ لكنهم يجيزون للقسيسين والرهبان بأن يغيروا من شريعة الرب ما يشاءون ، وما يشتهون . فلما رأى القسيسون أن الصيام تطول مدته عليهم ، ويحول بينهم وبين ما يشتهون ، أخذوا يسقطون منه عشرة ، فعشرة ، حتى أسقطوه بالكلية ، وجعلوا الصيام عن مجرد كل ذي روح ، وجعلوا صومهم في خاصة الربيع ، لهذا لعنهم الله في كتابه على تغيير شرائعه ، وتبديل فرائضه ، فقال سبحانه ( فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) (4) فعلمنا من فحوى هذه الآية ؛ أن المحافظة على فرائض الله ؛ إنها حظ من الله يخص به من يشاء من عباده .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)                 3 - العنكبوت .

(2)                 8-9 - البقرة .

(3)                 37 - الأنفال .

(4)                 13- المائدة .

 

     وهذا الذم ، ينطبق على كل من فسق عن أمر ربه ، وترك فرائضه ، واستحل محارمه، كهؤلاء الذين أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بحرمات الدين ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين ، ويتسمى أحدهم بالإسلام ، بمعنى الجنسية
لا بالتزام أحكامه الشرعية ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: 
» أن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق يعرف به صاحبه « . وروى الإمام أحمد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » الإسلام علانية والإيمان في القلب «. ومعنى كون الإسلام علانية: أن المسلم على الحقيقة؛ لا بد أن يظهر إسلامه علانية للناس ، بحيث يرونه يصلى مع المصلين ، ويصوم مع الصائمين، ويؤدي زكاة ماله إلى الفقراء ، والمساكين ، فيظهر إسلامه علانية للناس ، بحيث يشهدون له بموجبه ، والناس شهداء الله في أرضه .

     أما من يتسمى بالإسلام ، وهو لا يصلى ، ولا يصوم ، ولا يؤدي الزكاة الواجبة في ماله ، فلا شك إن إسلامه لا حقيقة له ، وإنما هو إسلام باللسان ، يكذبه الحس والوجدان ، والسنة والقرآن . ومن ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان .

     فاعملوا بإسلامكم تعرفوا به . وادعوا الناس إليه تكونوا من خير أهله . فإنه لا إسلام بدون عمل . لهذا نقول : إنه لا يستحل ترك الصلاة والفطر في نهار رمضان عمداً من غير عذر سوى مرتد كافر بدين الإسلام . ترونه يمشي مع الناس في صورة إنسان ، لكنه يعيش بأخلاق أخس حيوان .  فهو شر من الكلب والخنزير ، قد عصى رب العالمين ، واتبع غير سبيل المؤمنين ، ولم يأمر سبحانه بقتل التارك لدينه من أمثاله إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم أخلاقه فإن الأخلاق تتعادى والطباع تتناقل .

     والمرء على دين خليله وجليسه ، واعتبروا الناس بأخذانهم . قتل هذا الملحد ما أكفره ، أمره ربه بالصلاة فتركها ، وأمره بالزكاة فأكلها ، وأمره بالصيام فأكل وشرب في نهار رمضان. ومع هذا الكفر المتظاهر البواح ، نراه يتسمى بالإسلام قد جمع بين ضلال مع إصرار ، وكفر مع استكبار ، لا ندم بعقبه ، ولا استغفار ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) (1) .

     فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ، وحافظوا على فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين .

_____________________

(1)                 2-3 – الحجر .