![]() |
|
فضل رجب وشعبان
الحمد لله العفو الغفور ، الرؤف الشكور ، الذي
وفق من أراد هدايته لمحاسن الأمور ومكاسب الأجور ، فعملوا في حياتهم أعمالاً صالحة
لوفاتهم ، يرجون بها تجارة لن تبور، وأشهد أن لا إله إلا الله ، بيده مواقيت
الأعمار ومقادير الأمور ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى كل عمل مبرور ،
اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيراً . أما بعد : فإن الشهور والأعوام ، والليالي
والأيام ؛ كلها مواقيت الأعمال ، ومقادير الآجال فهي تنقضي جميعاً ، وتمضي سريعاً
، والذي أوجدها وخصها بالفضائل وأودعها هو باق ولا يزول ، ودائم لا يحول ، وهو في
كل الحالات إله واحد ، ولأعمال عباده رقيب مشاهد ، يقلب عباده بفنون الخدم ، ليسبغ
عليهم فواضل النعم ، ويعاملهم بغاية الجود والكرم . فيما يبدو يوم من الأيام ، ولا شهر من الشهور
، إلا ولله فيه على عباده وظيفة من وظائف طاعته ، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته
، يصيب به من يشاء من عباده ، فالسعيد من اغتنم ممر الأيام والليالي والساعات ،
وتقرب إلى الله فيها بوظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات ، فيسعد
بها سعادة يأمن فيها من النار وما فيها من اللفحات وفي الحديث : ويسأل بعض الناس عن صيام رجب هل هو مشروع أم
مكروه ؟ فالجواب : أنه مهما فعل الإنسان من الطاعة والإحسان فإنه يجده مدخراً له
عند ربه في كفة حسناته ، والتعبد بالصيام فيه فضل كبير ، ورجب هو من الأشهر الحرام
المحترمة عند الله ، ولم يثب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن صيامه ، بل
ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر من صيام شعبان ، ويقول: »
إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب وشعبان « (6) .
(1)
رواه ابن أبي
الدنيا أبو بكر في كتاب الفرج بعد الشدة والحكيم في نوادره والبيقهي وأبو نعيم في
الحلية كلهم عن أنس بن مالك . (2)
99 – الحجر . (3)
56 –
الذاريات . (4)
رواه الحاكم
عن معقل بن يسار وقال صحيح الإسناد . (5)
197 – البقرة
. (6)
من حديث رواه
أحمد والطبراني عن أنس بن مالك . ورواه النسائي عن أسامة بن زيد . فدل الحديث على أن الناس يصومون من رجب بعضه ،
ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم . وأما قول الفقهاء ويكره إفراد رجب
بالصوم ، فيعنون بذلك كونه يفرد رجب بصومه كله ، لأنه ليس من هدي النبي صلى الله
عليه وسلم أنه يصوم شهراً كاملاً غير رمضان . وقالوا إنه من عادة الجاهلية . أما
الذي له عادة أنه يصوم من كل شهر ثلاثة أيام أو يصوم من رجب شيئاً من الأيام ، فإن
لا بأس بذلك ، ويؤجر على صيامه في رجب ، كما يؤجر على صيامه في غيره من سائر
الشهور ، ومهما صام الإنسان بنية لله ، فإن الله يأجره على صيامه بالأجر الجزيل ،
كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » الصوم جنة ، والصدقة
تطفئ الخطيئة ، كما يطفئ المار النار ، وصلاة الرجل في جوف الليل « (1) . تطفئ الخطيئة أيضاً تقول أم
سلمة » كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول والصيام بما أنه طاعة للرحمن ، وعلامة على صحة
الإيمان ، فإنه من أسباب الصحة للأبدان كما في الحديث : أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: » صوموا
تصحوا « (3) . وروي » أن لكل شيء زكاة ، وزكاة البدن الصيام « (4) . ومن المشاهد المحسوس أن الذين يتطوعون بالصيام ، أنهم من أنعم الناس بالا
وأصحهم أجساماً ، _____________________ (1)
من حديث رواه
الترمذي عن معاذ وقال حديث حسن صحيح . (2)
رواه البخاري
ومسلم وأبو داود عن عائشة . (3)
رواه
الطبراني من حديث أبي هريرة . (4)
رواه إبن
ماجة عن أبي هريرة . وأطولهم أعماراً ، وأقدرهم على
معاناة الأشغال الشاقة ، لأن الله يعطيهم على الطاعة قوة ونشاطاً ولأن للطاعة ضياء
في الوجه ، ونوراً في القلب ، وسعة في الرزق ، وقوة الجسم ، ومحبة في قلوب الناس .
يقول الله: ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى) (1) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: »
أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث خصال: أن أصلى ركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل
أنام ، وأن أصوم من كل شهر ثلاثة أيام «. فمن وفقه الله للعمل بهذه الخصال الثلاث ؛
التي من جملتها صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواء كان من أوله ، أو من وسطه ،
كالأيام البيض ، أو من آخره ، لأن اليوم بعشرة أيام بموجب التضعيف . فصوموا يوماً
شديداً حره لحر يوم النشور، وصلوا في ظلمة الليل لظلمة القبور ، وتصدقوا بصدقة
السر لشر يوم عسير . ولأن النوافل من الصلاة والصيام يكمل بها خلل
الفرائض إن لم يكن صاحبها أتمها ، لأن الله سبحانه أول ما ينظر في أعمال العبد يوم
القيامة في صلاته ، فإن كملت فقد أفلح ونجح ، وإن نقصت : قال الله : انظروا ما كان
لعبدي من تطوع فكملوا به فريضته . وكذلك سائر الأعمال تجري على هذا المنوال .
ولأنها من الأسباب التي تحبب الرب إلى العبد لحديث: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
3 - هود . (2)
من حديث أبي
هريرة رواه البخاري . ولهذا قال : وأن أصلى ركعتي الضحى خير من الدنيا وما فيها ــ وفي الإنسان
ثلاثمائة وستون مفصلاً مطلوب منه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة ، فكل تسبيحة صدقة ،
وكل تحميدة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ،
وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة ، وتأتي الرجل فتحمله على دابته أو سيارته صدقة ،
أو ترفع له متاعه ، صدقة ، والكلمة الطبية صدقة ، ويجزي عن ذلك ركعتان يركعهما من
الضحى، فهي بمثابة الصدقة عن سائر هذه الأعضاء وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم
في بيت _____________________ (1)
متفق عليه ،
وأحمد في مسنده ، وأبو داود ، وكذا ابن ماجة عن عمر ابن الخطاب وغيرهم عن عائشة أم
المؤمنين . (2)
رواه مسلم عن
أبي هريرة . ومثله الحديث الوارد في فضل النصف من شعبان ،
وأنه يكتب فيه الآجال ، ويغفر يه لأكثر من شعر غنم كلب ؛ فإنه حديث باطل لا صحة له
، والتجمع في هذا اليوم لقصد فضله بدعة ، ما أنزل الله بها من سلطان ، ومثله
التجمع في سبع وعشرين من رجب ؛ لزعمهم أنه وقت الإسراء والمعراج ؛ فإن هذا غير
صحيح ولا ثابت ، فإنه لم يحفظ بطريق النقل الصحيح؛ الشهر الذي أسرى : برسول الله
صلى الله عليه وسلم فيه فهذا التجمع في وقته يعتبر من البدع أشبه التجمع للمولد ،
فكلها من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ــ فاتبعوا ولا تبتدعوا . وإن الموتى في قبورهم ؛ يتمنون الزيادة في
أعمالهم ، ويتمنون أنهم أحياء مثلكم ليعملوا أعمالاً صالحة ، وقد حيل بينهم وبين
العمل ، وغلقت منهم الرهون . يقول أحدهم ( رب ارجعون . لعلي أعمل صالحاً فيما تركت)
(1) . فهم يتمنون العمل ولا يقدرون عليه ، وأنتم
تقدرون على العمل ولا تعملون وأنتم الآن في شهر شعبان ، فمن كان عليه شيء من رمضان
فليبادر بقضائه ثم يبيت العزم لصيام رمضان ، فإن الإنسان بخير ما نوى الخير . كما
أن من أتى فراشه ومن نيته أن يقوم من الليل ، فغلبه النوم ، فإنه يكتب له قيام
ليله ، ويكون نومه عليه صدقة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلبه النوم عن
قيام ليله ؛ صلى من النهار ثماني ركعات . أسأل الله أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ
علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا
على ذكره ، وشكره وحسن عبادته . _____________________ (1)
من 99 و 100 –
المؤمنون . |