![]() |
|
تفسير سورة الجمعة
الحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه. وركب فيهم
العقول ليعرفوه . وأسبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة ليشكروه. وأشهد أن لا إله إلا
الله شهادة مخلص يخاف ربه ويرجوه ، وأشهد أن محمداً نبيه ورسوله اللهم صل عليه،
وعلى آله وأصحابه، الذين وازروه
ونصروه. وسلم تسليما كثيرا. أما بعد : فإن الله سبحانه قد افترض على عباده
المؤمنين وجوب العمل بشرائع الدين ، ومن آكدها الصلوات الخمس المفروضة ؛ التي هي
عمود الديانة ، رأس الأمانة ، تهدي إلى الفضائل ، وتكف عن الرذائل ، تذكر بالله
الكريم الأكبر، وتصد عن الفحشاء والمنكر. وآكدها الجمعة التي هي عيد الأسبوع ، والتي هي أفضل من عيد الأضحى وعيد الفطر. والجمعة هي أفضل يوم طلعت عليه
الشمس. وفي صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: »
أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا. فكان لليهود يوم السبت، و للنصارى يوم الأحد، فجاء
الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة «. وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم على أعواد منبره » لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ، أو ليختمن الله علي قلوبهم ثم ليكونن من
الغافلين «(1) . رواه مسلم من حديث ابن عمر،
وأبي هريرة ، والختم : هو : الغلق على القلب بحيث لا يدخله الهدى ولا يتخلص منه
الشقا.
(1)
عن الحكم بن
ميناء أن عبد الله بن عمر و أبا هريرة حدثاه أنهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ رواه مسلم. وكان
من هدى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ انه يقرأ في صلاة الجمعة : سورة الجمعة
والمنافقين ، وربما قرأ فيهما بسبح والغاشية ، وكان على الإجمال يحب قراءة
المسبحات ؛ لفضل ما اشتملت عليه من الأحكام والمواعظ العظام . والله يقول : ( وذكر
بالقرآن من يخاف وعيد)(1). وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،
بسم الله الرحمان الرحيم ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس
العزيز الحكيم )(2). إن معني التسبيح :هو: التنزيه
والتقديس لله سبحانه . و لهذا أكثر سبحانه من ذكره. والتسبيح
هو . أثقل ما يجعل الميزان العبد يوم القيامة ؛ لحديث كلمتان حبيبتان إلى
الرحمن خفيفتان علي اللسان ،
ثقيلتان في الميزان ، سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم (3) . وصلت إليكم معشر الأمة رسالة من أبيكم إبراهيم مع نبيكم محمد صلى الله
عليه وسلم ، فروي الترمذي من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
: لقيت إبراهيم صلي الله عليه وسلم
ليلة أسرى بي فقال : يا محمد . أقرأ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة
التربة . عذبة الماء ، وإنها قيعان ، وان غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا
إله إلا الله ، والله أكبر . ثم قال
( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب
والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)(4). الأميون
هم العرب أطلق عليهم إسم الأمية؛ من أجل أنهم لا يكتبون ولا يقرءون وليس عندهم
بمكة مدارس ، ولا كتب. _____________________ (1)
45 - ق. (2)
حديث متفق
عليه عن أبي هريرة. (3)
رواه الترمذي عن ابن مسعود ، وقال حديث حسن
.(والقيعان جمع قاع وهو المكان الواسع المستوي من الأرض) أشبه الأعراب المتنقلة. وقد
سمي الله نبيه أميا ؛ من أجل انه لا يكتب ، ولا يقرأ المكتوب . فقال سبحانه
(ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون
.الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة الإنجيل
يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع
عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور
الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) (1) . وأمية الرسول : هي معجزة من معجزات نبوته ،
وليست من سنته . وإنما خص الله نبيه بالأمية ؛ صيانة وحماية للوحي الذي جاء به ؛
لئلا تحتف به الظنون الخاطئة ، والأوهام الكاذبة فيقولوا : تعلمه من كذا ، أو كتبه من كذا ، يقول الله سبحانه (
وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون . بل هو آيات مبينات
في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون )(2) . وقد قيل كفاك
بالعلم في الأمي معجزة . وهذه الأمية ؛ بما أنها معجزة من معجزات نبوته : فقد جاء
بمحاربة الأمية وتقليلها . ولهذا أول ما أنزل الله من وحيه قوله سبحانه (
إقرأ بإسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . إقرأ بإسم ربك الأكرم . الذي علم
بالقلم ) (3) . فقوله : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) أي يعرفون نسبه وصدقه
أمانته . (يتلوا عليهم آياته ) ويفسرها ، ويسألونها عما أشكل عليهم منها . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
156 - 157 -
الأعراف . (2)
48-49 -
العنكبوت . (3)
1-4- القلم . يقول ابن مسعود : » كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نتجاوزهن حتى نتعلم معانيهن والعمل بهن «. وقوله ( ويزكيهم ) أي بالمحافظة على الفرائض
والفضائل واجتناب منكرات الأخلاق ، والرذائل ؛ لأن هذه هي التي تزكي النفوس ،
وتطهرها ، وتنشر في العالمين فخرها ، وشرف ذكرها . و ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) (1) . أي قد أفلح من زكي نفسه بالطاعات ، والمحافظة ،
والمحافظة على الصلوات ، في الجمع والجماعات ، وقد أفلح من زكى نفسه بأداء الزكاة
، وقد أفلح من زكى نفسه بصلة القرابات ، وبسط اليد بالصدقات ، والإحسان إلى
المساكين والأيتام ، وذوي الحاجات ، والتفريج على المكروبين والمنكوبين من ذوي
الهيئات وقد أفلح من زكى نفسه بالصدق والأمانة ، وأداء الحقوق إلى أهلها ، والتعفف
عن الظلم ، وعن المال الحرام ؛ لأن هذه الأعمال : هي التي تزكي الإنسان ، وتنشر في
العالمين فخره وشرف ذكره .
كما أن المنكرات ، وشرب المسكرات ، وترك فرائض
الطاعات ، والتخلق بالكذب والخيانة ، ومنع الحقوق الواجبة ، وأكل المال الحرام ؛
كل هذه تدنس النفوس وتدسيها ، وتنشر في العالمين أشنع ذكرها . ( ومن يهن الله
فماله من مكرم ) (2) . ثم قال ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) فالكتاب ؛
القرآن ، والحكمة ؛ السنة ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) أي أن الناس قبل
الإسلام . _____________________ (1)
9-10 – الشمس
. (2)
18- الحج . وقبل بعثة محمد عليه الصلاة
والسلام ، كانوا في جهالة الجهلاء ، وضلالة عمياء ، يقتلون أولادهم خشية الفقر ،
ويقتلون بناتهم خشية العار ، يعبدون الأشجار ، والأحجار ، والقبور؛ كاللات والعزى
، وكانوا مستذلين بين كسرى وقيصر ، قد سادهم الغرباء في أرضهم ، وأذلهم الأجانب في
عقر دارهم ، لم يستقلوا استقلالاً تاما إلا بالإسلام ، ولم تعرفهم الأمم ، وتتحدث
بصولتهم ، وتخشى دولتهم ، إلا بالإسلام . وبعد بعثة محمد عليه الصلاة والسلام ــ
فالإسلام أنشأ العرب نشأة مستأنفة ؛ خرجوا من جزيرتهم والقرآن بأيديهم . يفتحون به
، ويسودون ،فهو السبب الأعظم الذي به نهضوا ، وفتحوا وسادوا ، وشادوا ، وبلغوا
المبالغ كلها من المجد والرقي ، وتحولوا بهداية من البداوة ، إلى الحضارة . ومن
الجفاء والغلظة ، إلى اللين والرحمة. ومن العداوة والقسوة إلى الأخوة والمودة .
ومن الفرقة والاختلاف ،إلى الوحدة والائتلاف . ومن الجفاء والجهل ، والأمية ، إلى
العلم والحضارة ، والمدنية ، واستبدلوا بأرواحهم الجافية الجاهلية ، أرواحاً كريمة
دينية صيرتهم إلى ما صاروا إليه ؛ من عز وعلم، ومنعة وعرفان . وقد أنجزهم الله ما وعدهم به في القرآن في
قوله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف
الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم آمناً
يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) (1) . وصدق الله وعده . فكانوا هم ملوك الأمصار بعد
أن كانوا عالة في القرى والقفار ، يعز على أحدهم شبع جوعته ، وستر عورته كما في صحيح مسلم عن عتبة ابن غزوان أنه قال : _____________________ (1)
5 – النور . » لقد رأيتني وأنا سابع سبعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الشجر ، وإني التقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد ابن
وقاص ، فاتزرت بنصفها ، واتزر سعد بنصفها ، فما أصبح اليوم منا أحد إلا وهو أمير
على مصر من الأمصار ، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله حقيراً «. وقال قتادة ــ وهو
الشاهد المشاهد لحالهم ــ قال: » إن
العرب قبل الإسلام ، وقبل بعضة محمد عليه الصلاة والسلام ، كانوا أذل الناس ذلا ،
وأشقاهم عيشاً ، وأجوعهم بطوناً ، وأعراهم ظهراً ، وأبينهم ضلالا ، يؤكلون ولا
يأكلون ، والله ما نعلم من حاضر أهل الأرض شر منزلة منهم ، حتى جاء الله بالإسلام
. فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق ، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس ،
فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا الله علي نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر«. وقد بشرهم النبي صلى
الله عليه وسلم ؛ بهذا الفتح قبل وقوعه كما في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان في بيت أم حرام بنت ملحان وقال: » لقد عرض علي أناس
من أمتي يركبون ثبج هذا البحر ، ملوك على الأسرة ، أو مثل الملوك على الأسرة «. فقالت أم حرام : أدع الله
يا رسول الله أن يجعلني منهم . فقال:
»
أنت منهم «. فغزت مع زوجها عبادة بن الصامت . فسقطت عن دابتها . فماتت رضي الله عنها . ثم أخبر أن هذا الخير
الذي فضلهم به ، وهذا الهدي والنور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ليس هو مخصوصاً بالأول دون الآخر ، فقال سبحانه ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو
العزيز الحكيم ) (1) . _____________________ (1)
3 – الجمعة . ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل
العظيم ) (1) . فهذا الفضل ، وهذا الخير: هو مشترك بين الصحابة وبين من بعدهم ؛ كل على
حسب عمله ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه . مع العلم أن الفضل للمتقدم ،
وللصحابة مزية بصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وجهادهم معه ، لا يساميهم فيها أحد ، كما في الصحيحين : عن
عمران بن حصين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال » خير القرون قرني ، ثم
الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ــ لا أدري أذكر مرتين أو ثلاثاً ــ ثم يجيء قوم
يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن «. وفي صحيح الترمذي : أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: » مثل هذه الأمة ؛ مثل المطر ، كما يوجد الخير في أول المطر ؛ فإنه
قد يوجد في آخره «. وقد أخبر سبحانه ( وآخرون منهم لما يلحقوا بهم ) هم الغرباء في
زمانهم ، النزاع من القبائل ، قوم صالحون ، قليل في قوم سوء ، كثير ، يصلحون إذا
فسد الناس ، ويصلحون ما أفسد الناس من السنة ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: » المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد « . ثم قال ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم
يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا
يهدي القوم الظالمين ) (2) . فمعنى " حملوا التوراة
" : أي كلفوا العمل بها فلم يعملوا بها . وهذا الخطاب ليس مختصاً باليهود ؛ وإنما هو عام لجميع الناس .
فمعناه بالضبط : مثل الذين حملوا القرآن ؛ أي كلفوا العمل به فلم يعملوا به ؛ كثمل
الحمار يحمل أسفاراً : أي يحمل كتباً فوق ظهره ، لا يدري ما فيها ، ولا ينتفع بها
، لأن الاعتبار في القرآن هو بعموم لفظه ، لا بخصوص سببه ، فهو يتمشى في خطابه على
حد » إياك أعني واسمعي يا جارة « . _______________ (1)
4 – الجمعة . (2)
5 – الجمعة . نظيره قوله ( قل يا أهل الكتاب
لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) (1) فمعناه بالضبط : يا أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا
القرآن . وقد قال بعض السلف » إذا قال الله يا بني إسرائيل ؛ فإن بني إسرائيل قد مضوا ! وإنما يعني
أنتم «. إن المستمع للخطبة ولا ينتفع بها ، ولا يعمل
بها ؛ فإن مثله كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره كتباً لا يدري ما فيها . وفي حديث
إبن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم
_______________ (1)
67 – المائدة
. ثم قال : ( يا أيها
الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فأسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم
خير لكم إن كنتم تعلمون ) (1) . إن الجمعة واجبة على كل
مسلم في جماعة ، إلا على أربع ؛ مملوك ، وإمرأة ، وصبي ، ومريض . كما ثبت بذلك
الحديث ، وسميت الجمعة جمعة لاجتماع الناس لها ؛ لأنها عيد الأسبوع. وهي أفضل من
عيد الفطر والأضحى ولهذا حرم الفقهاء تعداد الجمع ؛ إلا لضرورة تقدر بقدرها . فأمر
الله بالسعي إليها ، وأخبرهم بأن حضورها والمحافظة عليها خير لهم من الدنيا وما
فيها ؛ لأن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينها . فيجب السعي إليها على من بينه
وبين المسجد قدر فرسخ ، وهو يقدر بمسير ساعة بالأقدام ودبيب الأجمال بالأحمال . ثم قال : ( فإذا قضيت
الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وأذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون )
(2) . أي متى فرغتم من
صلاة الجمعة التي تركتم لها البيع والشراء ، فانتشروا في الأرض وبيعوا واشتروا ،
وابنوا واغرسوا ، واشتغلوا في سائر الحرف المباحة . ولهذا كان عراك بن مالك
ــ أحد التابعين ــ إذا فرغ من صلاة الجمعة أمسك بعضادة باب المسجد فقال : » اللهم أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني ، فأرزقني من فضلك كما
وعدتني إنك خير الرازقين « . نسأل الله سبحانه أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن
يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن
يعيننا وإياكم على ذكره وشكره ، وحسن عبادته . _______________ (1)
9 – الجمعة . (2)
10- الجمعة . |