![]() |
|
جواز الأدوية المباحة والتطعيم
الحمد لله الكريم المنان ، ذي الجلال والإكرام
. وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من قال ربي الله ثم استقام ، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله سيد الأنام . اللهم صل على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه
البررة الكرام . أما بعد: فقد ثبت في صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
: » المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . إحرص على
ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا
وكذا ؛ ولكن قل قدر الله ، وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان « ، وهذا الحديث يعد من النصيحة الصحيحة والموعظة الفصيحة ، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بعث بجوامع الكلم ، فكان يجمع الحكم الكثير في الكلمات
القليلة . فقوله : » المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف « ؛ لأن المؤمن القوي : هو الذي يأخذ بوسائل الحزم ، وفعل أولي
العزم فيستعمل من الأمور أقواها ، ويسلك من الطرق أتقاها ، فينفع نفسه ، وينفع
أهله ، وينفع سائر الناس . ولهذا قال : » واستعن بالله
فمن أنواع العجز : الإعراض عن استعمال الأدوية المجربة ؛ لرفع البلاء ودفع الوباء
وإن الله سبحانه خلق الناس ، وخلق لهم جميع ما يحتاجون إليه ؛ من الطعام والشراب
واللباس والأدوية ، وغير ذلك . فكل الأدوية العقاقير التي يستعملها الأطباء للوقاية
أو عن رفع البلاء أو دفعه ؛ هي بالحقيقة من مخلوقات الله التي أنبتها في أرضه ؛
رحمة منه بعباده ، وإحساناً منهم لهم بإيصال نفعها . وخص كل نوع منها بنوع من المرض يزاوله ويشفيه . وركب في
الإنسان العقل ، والسمع ، والبصر ، ليتم بذلك استعداده لتناول منافعه ومصالحه ،
واستعمالها في وقاية صحته ، وحفظ بنيته . وكان من هدى النبي صلى الله عليه وسلم فعل
التداوي في نفسه والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه ؛ لأنه من دينه وشرعه .
ويقول » تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داء واحد
ــ وهو ــ الهرم « (1) . وفي رواية أخرى » ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاءً ــ أي ما أصاب أحدا بداء إلا قدر له
دواء ، علمه من علمه وجهله من جهله « . وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله
أ رأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقيها، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً
؟ قال : » لا بل هي من قدر الله . إن
استطاع أحدكم أن ينفع أخاه فليفعل « (2) .
(1)
رواه أحمد في
مسنده وأصحاب السنن أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه
والحاكم . وإسناده صحيح . (2)
نفس الراوي
السابق . فتضمنت هذه الأحاديث ؛ إثبات الأسباب
والمسببات ، وإن الله بحكمته ورحمته جعل لكل داء يحل بالناس يبرئه ، بحيث يرفعه
ويدفعه . وإن هذا لا ينافي التوكل على الله . كما إن الناس إذا اشتد عطشه دفع داء العطش
بالماء ، ودفع داء الجوع بالأكل ، ودفع داء البرد بالثياب والملاحف والخفاف ، فهذا
مثله . والوقاية خير من العلاج . والدفع أيسر من الرفع . والشفاء قبل الإشفاع . فاستعمال الأدوية المباحة والوقاية النافعة ؛
هي من تمام تحقيق التوحيد ، لأن كل ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به
فإنه من الدين الذي يجب إتباعه ، والعمل به ، كيف والرسول صلى الله عليه وسلم يقول
: » يا عباد الله تداووا فإن الله ما انزل داءً إلا وأنزل له شفاء« (1) . ويقول شيخ الإسلام إبن تيمية ــ رحمه الله ــ » إن الطعن في الدواء
قدح في الشرع ، والإعراض عن الأسباب ؛ نقص في العقل «
.
مثال ذلك كون الإنسان يصاب بالتخمة فمن الحزم
إزالتها بالأدوية الكريمة أو المسهلة لإخراج الفضلات لأن الإنسان في الدنيا كما
قيل :
ولأن الدواء الكريه المر في حالة نفعه وحسن
عاقبته يعتبر حلواً ، كما أن الأكل الحلو الضار ، يعتبر مراً في مضرته وسوء عاقبته
. وقد قيل :
_____________________ (1)
رواه إبن
ماجة عن أبي هريرة بإسناد حسن . فهذا التطعيم عن الأمراض الوبيئة قد جربته
الأمم على اختلاف أديانهم وأوطانهم ووجدوا له من التأثير من الوقاية من الأمراض
القتالة ، وفي الشفاء به ما يشهد الواقع بصحته ، ولا طبيب إلا ذو تجربة . لهذا نجد
بعض الناس يتقاعس توكلاً منه بزعمه عن استعمال هذه الأدوية التي هي التطعيم ونحوه
، توكلا منهم بزعمهم على الله ، ولم يشعروا بأن تركهم للأسباب عجز ينافي التوكل
على الله ، وإن المتوكل الصحيح ، هو الذي يستعمل أسباب الوقاية ، ثم يتوكل على ربه
، كما في الحديث : » أن رجلاً قال يا رسول الله
ناقتي أعقلها وأتوكل ، أم أطلقها وأتوكل ؟ فقال : بل إعقلها وتوكل « . فقول النبي صلى الله عليه وسلم » تداووا ، ولا تداووا بحرام فإن الله لم ينزل من داء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
148 ــ
الأنعام . (2)
128 ــ
التوبة . (3)
رواه مسلم في
صحيحه . ويقول » فر من المجذوم فرارك من الأسد«. ولما قدم رجل مجذوم يريد أن يهاجر منعه رسول الله صلى الله عليه
وسلم من دخول البلد. قال » ارجع فقد بايعناك «. وجاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله : »
إن لنا بلدا هي ريفنا ومصيفنا،ولكننا إذا نزلناها ضعفت أجسامنا ، وقل عددنا . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركوها ذميمة ، فإن من القرف التلف «(1). فنهي رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن سكني هذه القرية الوبيئة ، وأخبر أن مقاربة الوباء عين
الهلاك والتلف. وكان أصحاب رسول الله صلي عليه وسلم يتقون أسباب البلاء، مع قوة
توكلهم على الله. ولما سافروا صحبة أمير المؤمنين عمر ابن
الخطاب إلي الشام ، واقتربوا من البلد ، تلقاهم أبو عبيدة بن الجراح وأخبرهم أن
الوباء وقع بالبلد ، فنزل عمر بالناس، وقال يا ابن عباس: ادع لي المهاجرين . قال
فدعوتهم له ؛ فاستشارهم . أيقدم البلد أم يرجع بأصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فاختلفوا عليه : فمنهم من قال توكل علي الله وأقدم البلد ، ومنهم من قال:
ارجع بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : ادع لي الأنصار. فدعوتهم له
. فاتفقت كلمتهم على أن قالوا : » نرى أن ترجع بأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم _____________________ (1)
في سنن أبي
داود . لهذا صار من الواجب علينا أن ننصح المسلمين في
استحباب استعمال الأدوية ، والتطعيم عند دعاء الحاجة إليها ، لأنها من أسباب حفظ
صحتهم ، وصحة أهلهم وعيالهم ، كما جربوا التطعيم في دفع الجدري عن أولادهم . وإن
المعرض عن استعمال هذه الأدوية المجربة يعتبر ناقص العقل ، ضعيف الرأي ، مضياعا
لفرصته ، تاركا للعمل بآداب دينه ، ونصائح نبيه ، لأن الدين والدعوة إليه ليس
مقصورا علي الصلاة والصيام ، ولكنه شامل لكل ما ثبت عن الله ورسوله من الأمر
والنهي ، والحكمة . ومتي استعمل الإنسان ما يلزمه من وسائل الحزم
، والأسباب اللازمة ، ومتي غلبه أمر فلن يعود علي نفسه باللائمة ؛ لأن نجاح الأمور
بيد الله . وهذا معني قول النبي صلي الله عليه وسلم »استعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا . ولكن قل : قدر الله ، ما شاء
فعل «
. لكن هنا أشياء تعلقت بها قلوب بعض الضعفة وهي
تضر ولا تنفع ، مثل تشاؤمهم بشهر صفر، أو تشاؤمهم بيوم الأربعاء ، فلا يسافرون فيه
، يزعمون انه يوم نحس مستمر، أو يتشاءمون بما بين العيدين ، فلا يتزوجون فيه ،
فهذا التشاؤم والاعتقاد إنما نشأ من الجاهلية الأولي ، وهو من الطيرة التي هي من
الشرك، والطيرة علي من تطير وإلا فإن هذه الأيام وكذلك ما يفعله بعض سخفة العقول من تعليق
الجوامع علي أجسامهم ، وعلي أولادهم ، أو دوابهم، يزعمون أنها تدفع عنهم الجان ،
وعين الإنسان ، وهذا يدخل في الشرك . فإن من علق شيئا فقد أشرك . وفي الحديث » من علق شيئا وكل إليه «. وقد دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » من علق تميمة فلا أتم الله له «(1). لهذا يقع التسلط
من الشياطين علي الذين يعلقون الجوامع ، وتسمي الحروز ، والعزائم ، والتمائم .
ولهذا ورد في الحديث: »من قطع تميمة ـ أي
جامعة من إنسان ـ كان كعدل رقبة ـ لكونه أنقذه من عبودية الشيطان « وأما الرقية بالآيات القرآنية ، والأوراد
النبوية ، فإنه لا بأس بها . و قد رقي النبي صلى الله عليه وسلم ورقي ، وكان إذا
جاءه مريض قال: »بسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك
، من كل عين حاسد ، ومن كل شيطان مارد ، الله يشفيك «. فانتبهوا من غفلتكم ، وتوبوا من زللكم ،
وحافظوا علي فرائض ربكم ، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. _____________________ (1)
رواه أحمد
وأبو يعلي بإسناد جيد ، والحاكم ، وقال صحيح الإسناد. |