الموضوع التالي

الموضوع التالي

الـفـهـــــرس

الموضوع السابق

الموضوع السابق

فضل النظافة وكونها من الإيمان

 

     الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، سيئات أعمالنا ومن همزات الشيطان . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله . اللهم صلى على نبيك ورسولك ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

     أما بعد فإن الله بعث نبيه محمداً بدين كامل ، وشرع شامل يجمع بين مصالح الروح والجسد ، وبين مصالح الدنيا والدين . لا خير إلا دل عليه ، وهدى الناس إليه . و لا شر إلا نهى عنه ، وحذرهم منه ، فيما يتعلق بخاصة الإنسان في نفسه ، وفيما يتعلق بمجتمع الناس ، لأن الدين مبني على جلب المصالح وتكثيرها ، ودفع المفاسد وتقليلها ، يهدي الناس إلى التي هي أصلح لهم وأصح لأبدانهم وبلدهم . من ذلك النظافة ، فقد يتسامح الناس بأمرها ، ويتساهلون في شأنها ، وهي من أمر دينهم ، بل هي خصلة من خصال الدين ، فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق . والنبي صلى الله عليه وسلم قال » إماطة الأذى عن الطريق صدقة « (1) وقال » إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة ، فنظفوا أفنيتكم يعنى طرقكم  « (2) .

إن الإسلام دين الكمال والنظام ، دين النزاهة والنظافة ، للبيوت والطرق والأجسام . ولم يشرع الرسول صلى الله لأمته النظافة إلا لأجل ما يترتب عليها من المصلحة الراجحة ، والمنفعة الواضحة .

    

(1)                 رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ولكن بلفظ ( وتميط الأذى ) .

(2)                 في رواية مسلم " إن الله جميل يحب الجمال " عن عبد الله بن مسعود .

 

 

ولهذا شدد النبي صلى الله عليه وسلم القول فيمن آذى المسلمين في طرقهم ، وقال  » من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم « (1) .

     إن الناس متكافلون ومتكاتفون في الأمر بالنظافة ، في خاصة طرقهم ومجتمعهم ، ودوائر أعمالهم . وفي الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال »  إن رجلا قطع غصن شجرة يؤذي الناس في الطريق ، فشكر الله له ذلك ، فغفر له  « .

     ومن الصدقة :  أن تنحي الأذي عن الطريق : إن الأمم المتمدنة وغيرهم قد اعتنوا كل الاعتناء بالنظافة في أجسامهم وثيابهم وطرقهم ، لا لأجل أنها سنة ، لكن من أجل أنها صحة

لأبدانهم وصحة لبلدانهم ، لكون القمام والقذى والأذى ، متى ألقى في الطرق فإنه يحدث أضرارا وأمراضاً وبيئة ، بسبب ما يحمله الهواء ثم يوزعه على الناس ، فيعم ضرره . والوقاية خير من العلاج . وغالب ما تقع العدوى عن مثل هذا . كما أن النظافة تبعد العدوى عن البدن والبلد . إننا متى عملنا بتعاليم دين الإسلام في النظافة ، فإنه يصير عملنا سنة في ديننا وصحة في أبداننا وبلدنا ، فنؤجر على ذلك بالحسنتين : حسنة الدنيا ، وحسنة في الآخرة .

     إن الطرق ليست بملك لشخص أو أشخاص ، أو أشخاص ، بحيث يتصرف فيها بما يؤذي الناس ، فيلقي فيها القمام والأذى ، ويستبقى فيها الطين والحصى ويتصرف فيها كيف يشاء ، على حسب رغبته وحاجتيه الشخصية . بما يؤذي الناس ويضرهم . وربما انتقص من الطريق فأدخل في ملكه ما لا حق له فيه . وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير منار الأرض، أي مراسيمها ولو حدث شيء من الأضرار في الأنفس أو الأموال ، بسبب ما يضعه هذا الشخص في الطريق ، فإن ضمانها يتوجه عليه بالغة ما بلغت ، لاعتبار أنه متعد بتصرفه في الطريق ، أشبه الغاصب .

_____________________

(1)                 رواه الطبراني عن حذيفة بن أسيد الغفاري وإسناده حسن .

 

إن النظافة لم تكن واجبة على أمة من الأمم إلا على أمة الإسلام ! فإن النظافة واجبة علينا في مواضع من عبادتنا ، من ذلك : الوضوء المشروع ، الذي يتضمن غسل أعضائه الظاهرة عند كل صلاة . وسمى وضوءاً من أجل الوضاءة والنظافة . فهو عبادة دينية ، ونظافة بدنية ، ويترتب عليه تساقط الخطايا مع قطر الماء ، كما أوجب سبحانه غسل الجنابة من أجل ذلك . وكما أمر بأخذ الزينة عند كل صلاة فقال ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) (1)  أي  عند كل صلاة . وبذلك نعرف أن هذه النظافة واجبة علينا في ديننا ، لمصلحة وصحة تعود على أبداننا .

     إن أهل الإسلام قد قصروا بواجبهم ، في عدم عملهم بأمر دينهم ، حيث سعد بمحاسن النظافة غيرهم ، والله جميل يحب الجمال (2) طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة . إن النظافة بما أنها من الشرف والظرف فإنها أيضاً من المحاسن والفضائل ، فاستعمال النظافة ، في الجسم ، وفي الثياب وفي المنزل ، وفي الطريق ، يحبها الله ، فإن الله جميل يحب الجمال ، نظيف يحب النظافة ، طيب يحب الطيب . وللنظافة أثرها المترتب عليها من صحة الجسم ونموه ، واستقامة بنيته والناس يعرفون الرجل النظيف الظريف بحسن بزته ، وجمال هيئته وثيابه ، وهذا أمر ملموس ومحسوس في النفوس ، حتى أن الإنسان إذا استجد ثوباً جديداً ، أو ليس ثوباً غسيلاً نظيفاً ، فإنه يجد السرور في نفسه ، كما أن الناس يعرفون المرأة النظيفة الظريفة بنظافة منزلها وعيالها ، وابتعاد القمامة والأذى عن وجه بيتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)                 31 - الأعراف .

(2)                 من حديث مسلم .

  

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا من الأوساخ عرف أثر الكراهة على وجهه كما روى أبو داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً وعليه ثياب وسخة فأعرض عنه ، كالكاره له ، فقال » هلا يجد هذا من يغسل له ثوبه؟  « .  إن بعض الناس يتساهلون ويتسامحون بالنظافة في أنفسهم وفي منازلهم وطرقهم ، إعتماداً بزعمهم على التواضع في أنفسهم . وهذا لا يدخل في مسمى التواضع ، فإن التواضع محله القلب ، وألا يتكبر على الناس بفعل المخالفة المذمومة ، من سحب الثوب أو العباءة بالأرض تكبراً ، وإزدراءً بالناس ، فهذا هو المذموم شرعاً .  وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم  » إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً ، فهل هذا من الكبر ؟ قال :  لا » إن الله جميل يحب الجمال . الكبر بطر الحق وغمط الناس « (1) . ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله  » من نقى ثوبه قل هممه ، ومن طاب ريحه زاد عقله ، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه العلم  « وقد قيل :

  حسن ثيابك ما استطعت فإنها   سن ثيابك ما استطعت فإنها  

فالله يعلم ما تكن وتكتم

 

    ودع التخشن في الثياب تواضعاً 

 

     إن النظافة في المنازل ، وفي الطرق والأجسام ، لها مكانة عالية من دين الإسلام . وحسبك أنها معدودة من خصال الإيمان ، وأن إزالة الأذى عن الطريق صدقة ، وأن من آذى المسلمين في طرقهم فقد استوجب لعنتهم . كل هذه نصوص صحيحة صريحة في المعنى ، وهي على كل أحد بحسبه . 

ومن السنة التي هي من النظافة ؛ تقليم الأظافر ، وحلق العانة ، ونتف الإبط . فما يفعله بعض النساء من كون إحداهن توفر أظافرها ولا تقصها حتى تكون مشوهة كأظافر السبع

_____________________

(1)                 رواه مسلم والترمذي .

 

فهذا مكروه ، وما تحت الظفر الزائد فإنه يكون مجتمعاً للأوساخ الضارة ، وعلى الأولياء ألا يرضوا بذلك لكون المصلحة مشتركة ، والناس متكافلون ومتكاتفون ، وهي تدخل في عموم قوله (  وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (1) . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل الجميل من الثياب ، ويحب الطيب ، حتى إذا سلك طريقاً عرف أنه سلك هذا الطريق ببقاء أثر الريحة فيه . وقال  :  » حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة « (2) . إن النظافة قد فرضت فرضاً مهتماً في دين الإسلام ، فأوجب الله سبحانه الوضوء في كل يوم خمس مرات . والوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة ، وهي يكسب الأعضاء النظافة كما يكسبها النشاط والقوة ، ويبعد عنها الكسل والنوم عند أداء هذا الفرض . كما في الحديث  » غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم « (3) ، وأن يمس من طيب أهله ، فبعض العلماء حمله على الوجوب ، وبعضهم على الإستحباب والمتأكد وعلى كلا القولين ، فإنه ينبغي للمؤمن أن يحتسب للجمعة بالاغتسال والنظافة والطيب ، لكون الجمعة عيد الأسبوع . إن جبريل عليه السلام لما نزل على النبي صلي الله عليه وسلم نزل عليه في صورة رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لم يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه من القوم أحد . فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، فقال :
» فإنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم « (4) . ومن تعليم الدين تعليم أدب اللباس والنظافة واستعمال الثياب الجديدة .

     وقد اعتنت البلدان المتحضرة بهذا العمل أشد الاعتناء ، وعقدت يوما في السنة للتذكير بفضل النظافة والقيام بواجبها ، وعرض فضائلها للحث والتحريض على العمل بها ، عملاً بقوله ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) (5) .

_____________________

(1)                 2 – المائدة .

(2)                 رواه أحمد في مسنده والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس وإسناده جيد .

(3)                 رواه مالك وأحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري .

(4)                 من حديث عمر رضي الله عنه . رواه مسلم .

(5)                 55 – الذاريات .