![]() |
|
الخلق الحسن وكونه ينحصر في
فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه
الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، وأشهد أن لا
إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . أما بعد: فقد ثبت في الحديث أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله سبحانه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم
أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحب ،
فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه»(1). فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس
متفاوتون في الأخلاق ، كما أنهم متفاوتون في الأرزاق ، فما أعطي أحد عطاء أفضل من
خلق حسن يدله علي الصلاح والتقي ،ويردعه عن السفاه والفساد و الردى . والمتحلون
بمحاسن الأخلاق ؛هم أفضل الناس علي الإطلاق ، كما في الحديث أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : «ألا أنبئكم بخياركم ؟ قالوا :
بلي يا رسول الله ، قال خياركم أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكتافا ، الذين
يألفون ويؤلفون. . ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا بلى يا رسول الله ، قال : هم المشاؤون
بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرءآء بالعثرات» (2). فحسن الخلق يمن
يحببه للناس ، وسوء الخلق شؤم يبغضه الناس، وقد قالت أم سلمة: يا رسول، المرأة منا
تتزوج بعدد أزواج، وتدخل هي وأزواجها الجنة، فمع من تكون يا رسول الله ، فقال يا
أم سلمة ، إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا . يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا
الآخرة » (3) .
(1)
رواه أحمد . (2)
رواه
الطبراني عن أبي هريرة بلفظ أن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين
يألفون و يؤلفون و أن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون
للبرءآء العيب . (3)
رواه
الطبراني قي الكبير والأوسط. وأوصي الني صلى الله عليه وسلم
معاذا فقال : «اتق الله حيثما كنت ، واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن » (1).
والخلق
الحسن ينحصر في فعل ما يجمله ويزينه ، واجتناب منكرات الأخلاق والرذائل ، وأكثر
الناس حينما يسمع أحدهم بحسن الخلق يظنه مقصورا،أو مقصودا ببشاشة الوجه، وطيب
الكلام ، وهذا نوع من مكارم الأخلاق بلا شك،لكن الخلق الحسن هو أعم وأشمل من هذا
كله. والله يقول لنبيه ( وإنك لعلى خلق عظيم) (2) ولما سئلت عائشة رضى الله تعالي عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم
قالت : «كان خلقه القرآن ، يتأدب بآدابه
ويأتمر بأوامره ، وينتهي عن نواهيه، ثم قرأت ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن
الجاهلين ) (3) . فأمره ربه بأن يعطي من حرمه، وأن يصل من قطعه، وأن
يعفو عمن ظلمه. ومن حسن خلقه أنه يصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويكسب المعدوم، ويقري
الضيف، ويعين علي نوائب الدهر. فمن
حسن الخلق : بر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والتودد إليهم بوسائل الإكرام
والاحترام، وأن يصاحبهم في الدنيا بالمعروف و الإحسان ، حتى يودع في قلوبهم محبته
، والدعاء له، والثناء عليه. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن أكرم الناس فقال: «أكرم
الناس أتقاهم للرب وأوصلهم للرحم ، وآمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر»(4). _____________________ (1)
رواه الترمذي
عن أبي ذر ومعاذ بن جبل وقال حديث حسن . (2)
4 ــ القلم (3)
199 ــ
الأعراف (4)
رواه أبو
الشيخ في كتاب الثواب والبيهقي قي الزهد الكبير. فصلة الأرحام بما أنها من
محاسن الأخلاق ، فإنها أيضا من الأسباب التي يوسع الله بها في الأرزاق،ويبارك بها
في الأعمار ، كما في الصحيح :أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: « من أحب أن يبسط له
في رزقه ، وأن يمد له في عمره ،فليصل رحمه، فالواصل موصول والقاطع مقطوع ، وليس
الواصل بالمكافئ ولكن الذي إذا قطعت رحمه وصلها». ومن حسن الخلق : الإحسان إلى الجيران بإيصال
النفع إليهم ، والعطف عليهم ،وقضاء حوائجهم ، ومعاشرتهم بطيب الوفاق ، وكرم
الأخلاق ،ففي الحديث« من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (1) ومن حسن الخلق
إفشاء السلام ، على الخاص والعام ، بأن تسلم على من عرفا ومن لم تعرف ؛ لأن من
محاسن الإسلام إفشاء السلام و إطعام الطعام
فمن حقوق المسلم على المسلم
إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا عطس وحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات
فأتبعه (2). ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام : يلتقيان فيعرض هذا ويعرض
هذا ، وخيرهم الذي يبدأ بالسلام . ومن حسن الخلق : أن تسلم على أهل بيتك
إذا دخلت عليهم . وهذه سنة مشهورة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
من حديث رواه
أبو القاسم الأصبهانى عن أبي هريرة ،ورواه البخاري ومسلم. (2)
رواه الترمذي
عن أبي هريرة. (3)
من حديث رواه أبو داود وابن حبان
والحاكم عن أبي أمامة و قال الحاكم
صحيح وأقروه. و قال: « إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق»(1) من ذلك أن تعبد الله وحده لا تشرك
به شيئا، وأن تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسلم
على من لقيته من المسلمين ، وتسلم على أهل بيتك إذا دخلت عليهم ، إلى آخر ما ذكر ،
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنس
« يا أنس إذا دخلت بيتك فسلم
على أهلك تكن بركة عليك و على أهل بيتك» (2) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن السلام علي أهل البيت من
الأسباب التي ينزل الله بها البركة على أهله . وهذا السلام يقضي بالمحبة والانسجام
بين صاحب البيت وأهله ، كما تقضي بسعة الرزق ، ونزول البركة في البيت . وإن ثمرة الاستماع: الإتباع : وقد
مدح الله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،وإن مما أنصح به كون المسلم المستمع
يوطن نفسه على العمل بخير ما يسمعه من السنة الحسنة،فيرمي بالسلام علي أهله إذا
دخل بيته ، حتى يرى أثر بركتها عليه وعلى أهل بيته، و حتى يتعلمها منه أهله و
أولاده. أما الرجل الذي إذا دخل بيته أخذ
يسب ويلعن كل من لقيه من أهله وعياله ، فهذا البيت جدير بأن يحل به الشؤم ، وتنتزع
منه البركة، وتغشاه الشياطين . ومن حسن الخلق :معاشرة الزوجة
بالإكرام والاحترام ، وبشاشة الوجه وطيب الكلام، ففي الحديث: أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : «خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم
لأهلي»( (3). وأما ما يفعله بعض الذواقين إذا استجد أحدهم نكاح امرأة فوقعت منه بموقع
الحظوة والمحبة،هجر المرأة القديمة ، _____________________ (1)
رواه الحاكم
قي صحيحه من حديث أبي هريرة . (2)
رواه الترمذي
وقال حديث صحيح . (3)
رواه
الترمذي بإسناد صحيح . وقطع صلته بها ، ونفقته عليها، و
علي عياله منها ، و تركها مذبذبة معلقة ، لا هي ذات زوج و لا مطلقة، ونسي ما وصى
الله به بقوله (ولا تنسوا الفضل بينكم ) (1) أي المعاشرة السابقة: و هذا ينافي مكارم الأخلاق ، ومعالي الشيم. و من حسن الخلق ، معاشرة الناس بالحفاوة والوفاء ،وبالصدق والأمانة
، فيفي بوعده إذا وعد ،ويصدق في حديثه إذا حدث ، ويؤدي الأمانة إذا أئتمن ، وإذا
دخل مع أخيه المسلم في عقد بيع
وشراء لم يؤد ثمنه فليعلم أنه قد دخل معه في عقد وفي عهد و أمانة ، فمن واجبه أن
يؤدي الحق الذي عليه بدون تعليل ولا تمليل ، وفاء بوعده ، و أداء لأمانته ، فإن
مطل الغني ظلم . يحل عرضه وعقوبته. والتعفف
عن حقوق الناس يعد غاية في الشرف وحسن الخلق.أما ظلم الناس وانتهاك حدودهم، وأكل
حقوقهم، فإنه غاية في مساوئ الأخلاق. ومن حسن الخلق ، استعمال النظافة في الجسم ،
وفي الثياب ، وفي المنزل لأن الله جميل يحب الجمال ، طيب يحب الطيب، نظيف يحب
النظافة . والله إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه ،وللنظافة
أثرها المترتب عليها من صحة الجسم ونموه ، واستقامة بنيته . والناس يعرفون الرجل
النظيف بحسن بزته ، وجمال هيئته و ثيابه .
كما يعرفون المرأة الظريفة بنظافة منزلها وعيالها ، ولما رأى النبي صلى
الله عليه وسلم وجلا عليه ثياب وسخة أعرض عنه كالكاره له و قال: «هلا يجد هذا من يغسل له ثوبه»(2) ومن كلام
الإمام الشافعي رحمه الله « من نقي ثوبه قل همه ، ومن
طاب ريحه زاد عقله. و من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه». ______________________ (1)
237 – البقرة
. (2)
رواه أبو
داود عن جابر .
ومن حسن الخلق لمن يسير في الطريق أن يستعمل
التأني والتؤدة وعدم السرعة والعجلة؛ لينقذ نفسه من الهلاك ، ويسلم الناس من شره .
يقول الله تعالى (واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) (!) . فأمر الله بالقصد في السير ، أي الإعتدال وعدم
الاستعجال . خصوصا في حالة استعمال الناس لمراكب الحديد ، التي ينجم عنها الضر
والبأس الشديد. فكم أزالت السرعة من نعمة ، وكم جلبت من نقمة ؟ ولا يجني جان إلا
على نفسه ، وكل امرئ بما كسب رهين . إن العقلاء يدركون خفة عقل الشخص بخفة سيره ،
ويدركون رزانة عقله في اعتدال سيره ، ويقولون أن خفة الشخص على قدر عقله . وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم لأشبح عبدالقيس : إن فيك لخصلتين يحبهما الله : الحلم
والأناة . فقال الحمد لله الذي جبلني علي خصلتين يحبهما الله و رسوله (2).
ومن حسن الخلق : مصاحبة الأخيار ، والتباعد عن
مجالسة السفهاء وأهل الفساد والأشرار، لأن الأخلاق تتعادى ، والطباع تتناقل .
والمرء على دين خليله وجليسه . واعتبروا الناس بأخذانهم . وشبه الشيء منجذب إليه
فكم من رجل حسن الخلق ، نزيه العرض ، نقي الشرف ، سليم العقيدة ، أصطحب مع سفهاء
الأحلام ، وضعفاء العقول والأديان ، فأفسدوا فضائله ، وأوقعوه في الرذائل ، وغيروا
عقيدته ، فساءت طباعه ، وفسدت أوضاعه ، _______________________ (1)
19 – لقمان . (2)
رواه مسلم عن
ابن عباس . وانتشر عنه الذكر الشائن
والسمعة السيئة ، ومن لا يكرم نفسه لا يكرم . ومن يهن الله فماله من مكرم . إن الأجسام أشباح ، وأن الأخلاق هي الأرواح ؛
لأن الله سبحانه لا ينظر إلى صور الناس وأموالهم ، وإنما ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم
، الناشئة عن أخلاقهم . وبقاء الأمم ببقاء أخلاقهم فإذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا . وكان
النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من منكرات الأخلاق والأعمال والأقوال ويقول
» اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصر عني سيئها لا
يصرف عني سيئها إلا أنت « . ومن مساؤي الأخلاق التي استعاذ النبي صلى عليه
وسلم منها أن يترك الإنسان فرائض الطاعات ، كالصلاة في المساجد والجماعات ، ويشذ
منفرداً بالصلاة في بيته ، وقد لا يصلي كما هو الغالب على تارك الجماعة . ومن منكرات الأخلاق : الإصرار على الزنا
واللواط ، وشرب المسكرات ، سيما الخمر التي هي أم الخبائث ، ومفتاح الشرور ،
والداعية إلى أعمال الفجور . تقصر الأعمار ، وتولد في الجسم أنواع المضار . ولا
يزال الشخص يمشي مع الناس بعفاف وشرف وحسن خلق ، إلى أن يشرب الخمر ، ويدب السكر
في رأسه ، فعند ذلك ينسلخ من الفضائل ، ويسقط في الرذائل وتحل الكآبة والمسخ على
وجهه ، وتخيم الوحشة على أهل بيته ، لكونه قد أزال عنه نعمة العقل الذي شرفه الله
بها ، وألحق نفسه بالمجانين . وكيف يرضى بجنون من عقل . ولها سميت أم الخبائث . ومن منكرات الأخلاق ، كون الإنسان يطلق لسانه
بالشم وباللعن دائماً ، فيعلن الناس عند أدنى غضب ، وربما لعن زوجته وولده ،
فينتشر شؤم اللعنة في بتيه ، ويتعلمها منه أولاده وبناته ، فيتقاذفون باللعن فيما
بينهم ، لكون الوالد مدرسة لأولاده في الخير والشر ، ولعن المؤمن كقتله ، ومن لعن
شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه . ومن منكرات الأخلاق ، كون المرأة المسلمة تمشي
بين الرجال متكشفة ، تبدي يديها إلى العضد ، ورجليها إلى نصف الساق ، قد ألقت عن نفسها
جلباب الحياء والستر والشرف ، وحسن الخلق ، وتخلقت بأخلاق التفرنج والتبرج ، وفسقت
عن أمر ربها . ومن منكرات الأخلاق ، كون المسلم يتحلى بساعة
الذهب ، وبخاتم الذهب ، وأزرار الذهب . ومن المعلوم في شرع الإسلام أن الذهب حرام
على الذكور ، وحلال للنساء ؛ لحاجتهن للتجميل به . أما الرجل فجماله في رجولته . ومن منكرات الأخلاق ، كون بعض المتغطرسين يرخى
ثوبه وعباءته المسماة بالبشت بحيث يسحب في الأرض عن يمينه وشماله ومن خلفه ،
تعاظماً في نفسه . والنبي صلى الله عليه وسلم قال : » لا ينظر الله إلى من جر لباسه خيلاء
« (1) . فرفع اللباس من الثوب والبشت إلى حد الكعب هو أتقى
للرب ، وأبقى للبشت والثوب ، مع العلم بأن اللباس الطويل هو بمثابة الحمل الثقيل .
ومن تعاظم في نفسه ، واختال في مشيته ، ألقى الله في قلوب الناس مذلته. كما أن من
تواضع لله مع قدرته ، رفع الله منزلته وأوقع في قلوب الناس محبته .
نسأل
الله سبحانه أن يعمنا وإياكم بعفوه ، وأن يسبغ علينا وعليكم واسع فضله ، وأن
يدخلنا برحمته في الصالحين من عباده ، وأن يعيننا على ذكره وشكره ، وحسن عبادته . ________________________ (1)
عمر و بن عمر
" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر إليه الله يوم القيامة " رواه مالك والبخاري
. |