![]() |
|
قوله سبحانه:
"
إن قارون كان من قوم موسى … "
الحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه ،وركب فيهم
العقول ليعرفوه ، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة
و باطنة ليشكروه ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من يخاف ربه و يرجوه،
وأشهد أن محمدا نبيه ورسوله ، اللهم صل على نبيك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه
الذين آزروه أما بعد: فقد قال الله تعالى (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم
وأتيناه من الكنوز ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة أولى قوة إذ قال له قومه لا تفرح إن
الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا
وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين )(1). إن هذا القرآن بلاغ للناس ولينذروا به ، ففيه
نبأ ما قبلنا ، وخبر ما بعدنا ، وحكم ما بيننا. وهذه القصة سيقت مساق العظة
والعبرة لينذر بها من كان حيا ويحق القول علي الكافرين ، سيقت في بيان سيرة قارون
وفساد سريرته، وبيان كثرة ماله و فساد أعماله، وكيف حقت عليه كلمة العذاب ببغيه
وطغيانه . فأخبر الله سبحانه (إن قارون كان من قوم موسى ) قيل إنه ابن عمه، وقيل
إنه ابن خالته، وكان فيما زعموا صالحا في بداية عمره ، ويسمى "المنور"
لجمال وجهه ، فلما كثر ماله نافق وطغى ، وارتد و بغى .
(1)
76 ـ 77 –
القصص . وصدق الله العظيم ( كلا إن الإنسان
ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى ) (1). جاءه نبي الله موسى برسالة من ربه
يدعوه إلي دينه بالحكمة وبالموعظة الحسنة ففر و نفر، وعصى واستكبر، وكان له جنود
وأتباع ، وصاحب المال المطاع ، فحاول قارون الفتك بنبي الله موسى ، وأظهر البغي
عليه ليقطع دابره حسدا على نعمة رسالة به. والبغي مصرعه وخيم، ومن سل سيف
البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيه.
يقول
الله : (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا)(2). أن
الباغي تعود سوء عاقبته في الدنيا قبل الآخرة ، بمعنى أنها العقوبة ، ويسلط
عليه من ينقم منه عقوبة له حتى لو بغى جبل على جبل لتدكدك الباغي. وفي الحديث: « ما من ذنب أجدر من أن يعجل
الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مثل البغي _____________________ (1)
5 ـ7 - العلق (2)
23 - يونس (3)
رواه ابن
ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح والحاكم وقال صحيح الإسناد من حديث أبي بكرة. وفي الصحيح (1)أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى وإذا رأيت الله يسدي نعمة على الشخص ؛ والشخص مصر على معصية
ربه ، فأعلم أنما هو استدراج من الله له
يقول الله (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله
رب العالمين)(2). ولما رأي الناصحون الصالحون من قوم موسى من
فعله قارون من الطغور والطغيان ، ومجاوزة الحد في البغي والعدوان ، أخذوا في وعظه
ونصحه ، لأن بقاء الأمم من قديم الزمان وحديثه ، بقاء الناصحين المصلحين الذين يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر، ولأن إنكار المنكرات هو مما يقلل فشوه وانتشاره . يقول الله (فلولا كان من القرون من قبلكم
أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهمٍ(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
في صحيح مسلم
من حديث عياض بن حمار . (2)
44 ـ45 الأنعام. (3)
116 ـ الهود . ولهذا
قالوا في نصيحتهم و إرشادهم (لا تفرح إن
الله لا يحب الفرحين) فالفرح المذموم: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأي شيئا
من زهرة الدنيا فأعجبه، قال: « اللهم
ثم قالوا (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة )
يعني أن من وسع الله عليه بالغناء بالمال ، فإن من واجبه أن يتزود من دنياه لآخرته
، فإن مال الإنسان ما قدم ، وفي الحديث
«يقول ابن آدم مالي
، مالي وهل لك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » وما سوى ذلك فذاهب وتاركه
للورثة ، والدنيا مزرعة الآخرة ، تزرع فيها الأعمال الصالحة. من خرج منها فقيرا من
الحسنات ورد علي الآخرة فقيرا وساءت له المصير. أما من وسع الله عليه بالغنى بالمال ، فجعله أكبر همه ، وصرف إليه جل عقله
، وجل عمله ، وجل اهتمامه، وترك لأجله فرائض ربه ، ونسي أمر آخرته ؛ فهذا بالحقيقة
فقير ________________________ (1)
متفق عليه عن
سهل ببن سعد الساعدى ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائ عن انس ابن مالك (2)
.متفق عليه
ورواه ابن ماجة عن أبي هريرة ، زاد مسلم في رواية : وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم. ولم يزل ذلك دأبة ، حتى يخرج من الدنيا مذموما
مدحورا لا خيرا قدمه ، ولا أثما سلم منه، فهو عبد درهمه وديناره ، وفي الحديث « تعس عبد الدنيا
تعس عبد الدرهم» وسيندم حيث ثم
قالوا في تمام نصحهم وإرشادهم (ولا تنس نصيبك من الدنيا ) لما وعظوه ونصحوه بما
ينفعه في أمر آخرته،عادوا فنصحوه بما ينفعه في أمر دنياه فقالوا (ولا تنس نصيبك من
الدنيا ) قيل معناه تزود من دنياك لآخرتك. وقيل لا تنس نصيبك أي من الكسب والسعي وسائر
أسباب الغني ،لأن دين الإسلام دين سعي و كد و كسب ، يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة
، ومصالح الروح والجسد ،يمدح القائلين : (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة)(3) ونعم
المال الصالح للرجل الصالح. فالإسلام يأمر بكسب الأموال وحفظها، والتوسع
في فنون التجارات من وجوه حلها. وفي الحديث : «التاجر الصدوق الأمين مع
النبيين الصديقين والشهداء والصالحين
» ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الكسب قال
: «عمل الرجل بيده
وكل بيع مبرور» وروي
طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ،والله يحب المؤمن المحترف، ويبغض الفارغ البطال .
وكان بعض الأنبياء معدودين من
الأغنياء كإبراهيم ، ويوسف،و سليمان عليهم السلام. ________________________ (1)
28 ـ29 -
الحاقة (2)
26- الفجر (3)
201 ـ البقرة
. وبعض الأنبياء يتكسبون بالحرف
والصنائع والنبي صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة يسافر بالمال إلى الشام. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتجرون ، يبيعون و يشترون ، يبنون فليس من الدين أن يتخلي الإنسان عن المال ،
وعن السعي والكسب للعيال، ويلزم زاوية من زوايا المسجد الحرام أو مسجد المدينة
يتبتل فيه للعبادة ، وينقطع عن البيع والشراء ، والأخذ والعطاء. كما يفعله الرهبان
وبعض الدراويش،فقد جاء أناس من الصحابة إلي النبي صلي الله عليه وسلم يستأذنوه في
أن يبيعوا عقارهم ومالهم، ويشترون بثمنها خيلا وسلاحا يجاهدون عليها في سبيل الله
. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: «امسكوا عليكم أموالكم ولا
تفسدوها» وأراد بعض الصحابة أن يتصدق بماله كله فرد رسول الله صلى
الله عليه وسلم صدقته ؛لأن المال ترس المؤمن في آخر الزمان ولا يستغني عنه في حال
من الأحوال، وان الكريم علي الأخوان ذو المال . كل ما تسمعونه في القرآن ، أو في
الحديث من ذم الدنيا، أو ذم المال؛فإنما يقصد به ذم أفعال بني آدم السيئة في المال
لا المال نفسه ،لأن الطاعة هي همة التقي ،ولا يضره لو تعلقت جميع جوارحه بحب
الدنيا ، لكون المسلم يشتغل في الدنيا بجوارحه ، وقلبه متعلق بالعمل لآخرته ،فيحصل
الحسنتين ، ويفوز بالسعادتين ، فتكون أعماله بارة ، أرزاق الله عليه دارة، أولئك
الذين هداهم الله و أولئك هم أولوا الألباب. إن قارون قد مضي وانقضي ، وعوقب بما تسمعون ، فما كان جوابه لهؤلاء
الناصحين الصالحين إلا أن قال (إنما أوتيته علي علم عندي)(1) _______________________ (1)
78ــالقصص . أي علي حذق ومعرفة بجمع المال
وكسبه ،حتى كثر ووفر ، ولم يقل : (هذا من فضل ربي ليبلوني أ أشكر أم أكفر)(1). وجحود النعمة مؤذن بزوالها . يقول الله ( وإذ تأذن
ربكم لان شكرتم لأزيدنكم و لان كفرتم إن عذابي لشديد)(2). ولهذا ذمة الله بقوله (أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من
هو أشد منه قوة و أكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)(3). إن كل ما ورد في ذم قارون
وعقابه علي كثرة ماله ، وفساد أعماله ، فإنه منطبق بالدلالة والمعني علي كل من
اتصف بصفاته ،وعمل بمثل أعماله، لأن الاعتبار في القرآن هو بعموم لفظه لا بخصوص
سببه، فهو يتمشي علي حد : « إياك أعني وأسمعني يا جارة».
وخير الناس من وعظ بغيره. فهذا الوصف ينطبق علي كل تاجر وسع الله عليه
من صنوف نعمه ، وفضله بالغني علي كثير من خلقه ، ثم يجمد قلبه علي حب ماله ،
وتنقبض يده من أداء زكاته ، ومن الصدقة منه ، والصلة لأقاربه ، والنفقة في وجوه
البر والخير الذي خلق لأجله فمن كانت هذه صفته فإنه أخو قارون في كثرة ماله وفساد
أعماله. فبالله قل لي كيف كان عاقبة أمره أجبك بأن
الله سبحانه أمر الأرض أن تخسف به أن تخسف به وبماله ، قال الله (فخسفنا به وبداره
الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا
مكانه بالأمس يقولون وي كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لو لا أن من
الله علينا لخسف بنا وي كأنه لا يفلح الظالمون)(4). ________________________ (1)
40ــ النمل. (2)
7ــ ابراهيم. (3)
78ــ القصص. (4)
81ــ82 - القصص. خسف الله الأرض بقارون وبماله ،
وما الخسف ببعيد عن أمثاله من التجار الذين جحدوا نعمة الله عليهم ، ومنعوا زكاة
أموالهم ،ونسوا أمر آخرتهم ، تسمع بعشرات الملايين ،أو مئات الملايين ، أو ألوف
الملايين عند أحدهم ولكنك لا تسمع
بمن يؤدي الزكاة منهم. ثم سرت عدوي منع الزكاة من بعضهم إلي بعض ، فهؤلاء
إن لم يخسف بهم بالأبدان ، فإنه قد يخسف
بهم الأبدان ، فإنه قد يخسف منهم بنور الإيمان . ومن المعلوم أن الخسف
بالإيمان أضر من الخسف بالأبدان .فيبقي سيئ الحال ، جموعا منوعا يبغض الناس
ويبغضونه ، ولهذا ختم الله هذه الآيات بقوله ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون
علوا في الأرض _______________ (1)
82 ــ القصص |