![]() |
|
عقاب المانعين للزكاة
وكونه يجب على الإمام أن ينزعها منهم طوعاً أو كرهاً
الحمد لله رب العلمين ، وبه نستعين ، ونصلي
ونسلم على رسول الله سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد: فإن الله سبحانه قد افترض على عباده المؤمنين وجوب العمل
بشرائع الدين الذي من جملتها ؛ إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وسائر
شرائع الإسلام ، فإن هذه الأركان هي بمثابة الفرقان بين المسلمين والكفار ،
والمتقين والفجار ، وبمثابة محك التمحيص لصحة الإيمان ، بها يعرف صادق الإسلام من
بين أهل الكفر والفسوق والعصيان ، وأنه عند وجوب حول الزكاة يتبين حقيقة من يطيع
ربه في سرائه وضرائه فيما يحب ، وفيما يكره ، فيبادر بأداء زكاته ، يحتسبها مغنماً
له عند ربه ، فيدفعها إلى مستحقها ، قائلاً اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً
. فهو ينفق زكاة ما آتاه الله من فضله ، وبه يتبين الفرق بينه وبين من يطيع شهوته
وهواه ، ودرهمه وديناره ، فيبخل بما آتاه الله من فضله ، ويستحل زكاته . وفي
الحديث : » تعس عبد الدينار ، تعس عبد
الدرهم « . فسماه » عبد الدرهم «
لكونه يؤثر محبة دراهمه على طاعة ربه ، ويصرف جل عقله ، وجل عمله واهتمامه ، لجمع
ماله ومنعه ، حتى ترك لأجله فرائض ربه ، ونسي أمر آخرته ، والله سبحانه قد شرع
الزكاة وأوجبها لمصحلة الأغنياء ، والإحسان إلى الفقراء . أما الغني ، فيكتسب بأداء الزكاة طهرة ماله ،
والزيادة في بركته ونمائه ، كما أنها زيادة في إيمانه . يقول الله سبحانه ( خذ من
أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) (1) فسمي الله الزكاة
صدقة ، لتصديق إيمان مخرجها ، وكونه آثر طاعة ربه على محبة ماله ، كما سماها الله
زكاة ، من أجل أنها تركي المال ، أي تنمية ، وتنزل البركة فيه ، حتى في يد وارثه ،
وكذلك تركي إيمان مخرجها من مسمي الشح ، والبخل وتطهره ( ومن يوق شح نفسه فأولئك
هم المفلحون ) (2) . إن كل من يتسمى بالإسلام على الحقيقة ؛ فإنه
لا بد أن يظهر إسلامه علانية للناس ، بحيث يرونه يصلي مع المسلمين ، ويرونه يصوم
مع الصائمين ويرونه يؤدي زكاة ماله إلى الفقراء والمساكين ، فيظهر إسلامه علانية
للناس بحيث يشهدون له بموجبه ، والناس شهداء في أرضه. أما من يتسمى بالإسلام وهو
لا يصلي ولا يصوم ، ولا يؤدي زكاة ماله ، أو يصلي لكنه لا يؤدي زكاة ماله ، فلا شك
أن إسلامه مزيف مغشوش لا حقيقة له ، إنما هو باللسان، يكذبه الحس والوجدان ، والسنة والقرآن
. ومن ادعى ما ليس فيه ، فضحته
شواهد الامتحان. يقول الله سبحانه ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر
وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) (3) . إن الله سبحانه افترض الزكاة في أموال
الأغنياء ، لأخوانهم الفقراء ؛ ليمتحن بذلك صحة إيمان المدعين ، وجود الأغنياء
الكرماء المحسنين ، وبخل الأشحاء النضلاء الهلعين ، وليعلم الكل علم اليقين ، أن
الله خلق الدنيا فجعلها منحة لأقوام ، ومحنة على الآخرين ، وجعل المال سعادة
لأقوام ، وشقاوة على آخرين ، وقد سمى الله المال خيراً لمن أراد به خيرا ،
(1)
103 – التوبة
. (2)
9 – الحشر . (3)
8-9 – البقرة
. وهذا الخير، كالخيل لرجل أجر ،
وعلى رجل وزر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : » إن هذا المال حلوة خضرة ، من
أخذه من حله وأدى منه واجب حقه ، فنعم المعونة هو ، ويكون له حسنات يوم القيامة .
ومن أخذه من غير حله ، ومنع منه واجب حقه ، كان كالذي يأكل ولا يشبع ، ويكون
شهيداً عليه يوم القيامة « (1) . إن الزكاة قنطرة الإسلام ، وهي الدليل
والبرهان على صحة الإيمان ، لأن من صفة المؤمنين ؛ ما أخبر الله عنهم بقوله (
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ) (2) . ومن صفة المنافقين ، ما أخبر الله عنهم بقوله ( المنافقون والمنافقات
بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم
) (3) .
ومعنى يقبضون أيديهم ، أي عن أداء زكاة أموالهم ، ونسوا الله . أي نسوا حق
الله الواجب في أموالهم ، فنسيهم. ونهي الله المؤمنين أن يكونوا أمثالهم ، فقال
سبحانه : ( ولا تكونوا كالذين نسوا
الله فأنساهم أنفسهم ) (4) . أي أنساهم مصالح أنفسهم
الدينية والدنيوية التي من جملتها أداء الزكاة الواجبة، والتي هي من أسباب الزيادة
، والنمو ، والبركة في مال الشخص وإيمانه ، ولهذا يقول العلماء: إن أداء الزكاة
: هو العنوان على صحة الإيمان ، كما
أن أكل الزكاة هو العنوان على الخيانة والنفاق ، كما ثبت في الحديث : أن الناس في آخر الزمان يتخذون الأمانة
مغنماً ، والزكاة مغرماً . يتبايعون ، ولا يكاد أحدهم يؤدي أمانة ربه ، أي الزكاة
الواجبة في ماله ، _____________________ (1)
رواه الأمام
أحمد في مسنده ، والترمذي والنسائي ، ومتفق عليه وعن حكيم بن حزام ولكن بلفظ آخر. (2)
71 – التوبة
. (3)
67 – التوبة
. (4)
19 – الحشر . والزكاة هي بمثابة الأمانة في
مال الغني لإخوانه من الفقراء والمساكين . وعند وجوبها في رأس الحول ، يتبين
التاجر المؤمن الأمين ، من التاجر الخائن المهين ، والله يأمركم أن تؤدوا الأمانات
إلى أهلها . و في الحديث » لا إيمان لمن لا أمانة له « (1) . إن الله سبحانه قد أوجب في مال الأغنياء بقدر الذي يسع الفقراء
، ولن يجوع الفقراء ، أو يجهد ، إلا بقدر ما يمنعه الأغنياء من الحق الذي أوجبه
الله عليهم . إنه ما أنفق أحد نفقة في سبيل الحق ؛ من زكاة
، وصدقة ، وصلة إلا أخلفها الله عليه بما هو أكثر منها أضعافا مضاعفة ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً
فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) (2) . وقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقسمه حق وصدق ؛ أنها ما نقصت الصدقة مالاً بل تزيده . والزكاة تسمى صدقة ، وقد جعل الله الزكاة
قرينة الصلاة في كثير من الآيات . فقال سبحانه ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله
مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) (3) . أي هذا
هو الدين القويم ، والصراط المستقيم ، الموصل بصاحبه إلى جنات النعيم . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقاتل
الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، أن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا
الزكاة (4) . وإنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ارتد أكثر العرب عن الإسلام . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)
من حديث
الإمام أحمد وابن حبان عن أنس وإسناده قوي . وكذا الطبراني في الأوسط عن ابن عمر
رضي الله عنهما . (2)
245 – البقرة
. (3)
5 – البينة . (4)
كما رواه
البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما . قائلين : إنه لو كان نبياً لم يمت
، وعلى أثر هذه الردة ، منعوا زكاة أموالهم . يقول بعضهم : إننا لم نؤمر أن نؤدي
الزكاة إلا إلى الرسول في حالة حياته ، لأجل أن يستغفر لنا ، وبعد موته ، فلا زكاة
علينا . فعمت الردة جميع العرب ، من
أقصاهم إلى أدناهم ، إلى حالة أن الصحابة جعلوا لهم حرساً على أفواه السكك خوفا من
توثب الأعراب عليهم . فاشتد الأمر بالصحابة حتى قال أنس ابن مالك : إنه لما مات
رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا كالغنم المنطورة، فما زال أبو بكر يشجعنا حتى
كنا كالأسود المتنمرة ، وإن الردة عمت جميع الناس ؛ من عرب الحجاز ونجد ، واليمن ،
والبحرين ، وعمان ، حتى إنه لم يبقى مسجد يصلى فيه إلا مسجد مكة والمدينة ، ومسجد
عبد القيس بجواثاء ــ أي بلد الاحساء المعروفة ــ وفي ذلك يقول الشاعر:
وقد حصر المرتدون
قبيلة عبد القيس في بلدهم من أجل تمسكهم بدينهم حتى أرسلوا لهم رسولاً إلى أبي بكر
يستنجدونه ، ويستمدون منه العون على عدوهم ، وقد أنشدوا في كتابهم :
فعند ذلك تجرد الصحابة لقتال
المرتدين ، ليردوهم إلى الدين . فأرسلهم أبو بكر فرقاً ، وقد اتسعت الفتنة ، وعظم
الخطب ، فكان مع مسيلمة الكذاب جنود كأمثال الجبال ، وادعت سجاج النبوة ، فكان
معها من الجنود مثل ذلك . وكان أكبر من تولى قتالهم هو سيف الله خالد ابن الوليد .
فبالغ في قتال مسيلمة الكذاب وجنوده ، حتى قتل جمع كثير من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم في هذه المعركة .
ومن جملتهم سبعون رجلاً من القراء الذين يحفظون القرآن ، فقتلوا في المعركة
في مكان يسمى " العيينة "
ــ بالقرب من الرياض ، عاصمة المملكة العربية السعودية ــ ففزع الصحابة من
قتل القراء ، فخافوا أن يذهب القرآن ، أو أن يذهب شيء منه ، فأمر أبو بكر بجمعه
بعد مشاورة بينه وبين عمر ، وبين الصحابة ، فاتفق رأيهم على أن جمعه هو عين الصواب
والمصلحة ، فولوا رئاسة جمعه زيد بن ثابت رضي الله عنه . ثم إن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ أنجزوا
قتالهم على المرتدين حتى ردوهم إلى الدين، وألزموهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ثم
ساروا إلى بلاد عبد القيس ــ بهجر وعمان ــ ومنهم قوم ساروا إلى اليمن لمناجزة
الأسود العنسي ــ هو نظير مسيلمة في الكفر والردة ، وكثرة الجنودــ فنصرهم الله
عليهم ، وعاد للدين جدته ونشاطه . والأصل في هذا كله : أن العرب من أهل الحجاز ونجد ومن حولهم ،
لم يدخلوا في الإسلام إلا عام تسع من الهجرة ، أي قبل موت رسول الله صلى الله عليه
وسلم بسنة واحدة ، فلم يتمكن الإسلام من قلوبهم ، ولم تنفد بالعمل به جوارحهم ، بل
كانوا فيه على طرف ، كما قال سبحانه (
ومن الناس من يعبد الله على حرف . فإن أصابه خير إطمأن به وإن أصابته فتنة
إنقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) (1) . ________________________ (1)
11 – الحج . فهذا
هو السبب الذي جعل هذه الفتنة تتمكن منهم وتنتشر بينهم . والإسلام بمثابة البيت
المحكم بالبناء والإتقان ، فمتى هزم منه جانب تداعي بقيته بالهدم والانهيار . وهكذا
تداركت الصحابة لقتال المانعين بالزكاة ؛ لكونهم يعتقدون عدم وجوبها عليهم . ولا
شك أن هذا الاعتقاد كفر يخرج صاحبه عن ملة الإسلام . ثم إن
الزكاة حق للفقراء والمساكين وأوجبه الله في مال الأغنياء المكثرين ، فمتى أصر
الأغنياء على منعه ، وجب على الحاكم جهادهم حتى ينتزعه منهم ، ويؤديه إلى
المستحقين له؛ ممن سماهم الله في كتابه ، وذلك بدون هوادة ولا مودة . ولهذا قال
أبو بكر : » والله
لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة« . إن كسب المال من حله ، ثم الجود
بأداء واجب حقه ، يعد من مفاخر الدنيا ، وإنه لنعم الذخرى للأخرى ، فقد ذهب أهل
الدثور ــ أي الأغنياء ــ بالأجور والدرجات العلى بفضل ما أنفقوا من أموالهم ،
ونعم المال الصالح للرجل الصالح . وقد سمى الله المال خيراً لمن
أراد به الخير ، وهذا الخير كالخيل ، لرجل أجر ، وعلى رجل وزر ، فهو سعادة لأقوام
، وشقاء على آخرين . فبعض الناس يكون ماله عليه عذاباً في الدنيا وعقاباً في
الآخرة ، يقول الله سبحانه ( فلا
تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) (1) . فمن رزقه الله رزقاً حسنا فليبادر بزكاة ماله ________________________ (1)
55 – التوبة . ولينفق منه سراً وعلناً ، حتى
يكون أسعد الناس بماله ، فإن مال الإنسان ما قدم لآخرته ، ومال الوارث ما خلف . إن من واجب المسلم عند حلول وقت الزكاة ؛ أن
يحاسب نفسه ويراقب ربه ، ويبادر بأداء زكاة ماله طيبة بها نفسه ، فإنه من المعلوم
عند الخاص والعام ، أن المال قد فاض في هذا الزمان بصفة لا يعهد نظيرها في سالف
الأزمان ، حيث فتح الله لهم كنوز الأرض وخيراتها، ومع كثرة الجمع قد اشتد الناس في
المنع ، حتى صار الناس يتبايعون بالملايين التي يملكها الكثيرون ، ومع كثرة هذا
المال ؛ لا نكاد نسمع بمن يؤدي الزكاة ، مع كونها من الأعمال الظاهرة التي لا تخفى
على الناس ، والزكاة قرينة الصلاة في كثير من الآيات ، غير أنها ظهرت الصلاة ففعلوها
، وبطنت الزكاة فأكلوها . وإن المال غاد ورائح ، ويبقى من المال شرف
الذكر ، وعظيم الأجر أو سوء الذكر وعظيم الوزر ، وقد جعل الله الإنسان مستخلفاً
على هذا المال ، ومسئول عنه ، من أين أخذه ؟ وفيم أنفقه ؟ والله يقول ( وأنفقوا
مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) (1) . ( وأسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم
المفلحون ) (2). _______________________ (1)
7 - الحديد . (2)
16 – التغابن
. |